إيران واختبار البقاء

16 يناير 2026

يفتح ما يجري في إيران الآن أفقا سياسيا جديدا يتجاوز توصيفه كموجة احتجاج اجتماعي، بعدما انتقلت الحركة من التعبير عن الضيق المعيشي إلى الطعن في مشروعية نظام الحكم نفسه، وهو انتقال يكشف أن العلاقة بين الدولة والمجتمع بلغت درجة من التآكل لم تعد معها الأدوات التقليدية كافية لإعادة الضبط.

ويظهر استمرار الاحتجاجات، رغم القمع المكثف وقطع الإنترنت وتشديد الرقابة، تحولا عميقا في ميزان الخوف داخل المجتمع الإيراني، ما يفسر تحول العنف الأمني من أداة ردع إلى مؤشر على مأزق السلطة وعجزها عن استعادة السيطرة الرمزية.

ويفرض السياق العام قراءة هذه اللحظة باعتبارها أزمة شرعية بنيوية، لا أزمة أداء حكومي ظرفي، لأن الشعارات المتداولة لم تعد تطالب بإصلاح السياسات أو محاسبة المسؤولين، وإنما تستهدف الأسس التي قام عليها النظام منذ أربعة عقود، ما يجعل أي تنازل جزئي أو إصلاح شكلي أقرب إلى تأجيل الانفجار منه إلى احتوائه.

ويضع البعد الإقليمي هذه التطورات في سياق أشمل، حيث جاءت الاحتجاجات في لحظة تراجع نسبي للنفوذ الإيراني الخارجي بعد سنوات من التمدد المكلف، وهو ما أضعف القدرة على توظيف الدور الإقليمي كرافعة شرعية داخلية، وحول الإنفاق الخارجي من مصدر فخر سياسي إلى عبء ثقيل في الوعي الشعبي.

ويراقب الفاعلون الإقليميون هذا التحول بحسابات متباينة، إذ يرى الخصوم في اهتزاز النظام فرصة لإعادة رسم معادلات القوة، فيما يتعامل الحلفاء بحذر مع احتمال فوضى غير مضبوطة، ويغلب منطق إدارة المخاطر على الرهان على نتائج حاسمة وسريعة، في ظل تجربة إقليمية أظهرت أن انهيار الأنظمة لا ينتج بالضرورة استقرارا.

وينعكس هذا المشهد مباشرة على ساحات النفوذ المرتبطة بإيران، حيث يواجه حزب الله لحظة مفصلية مع تصاعد خطاب إيراني داخلي يرفض استمرار تمويل الحلفاء الخارجيين في ظل الانهيار الاقتصادي، وهو ما يضع أحد أعمدة النفوذ الإيراني أمام ضغط مزدوج من الداخل الإيراني ومن التوازنات الإقليمية المتحولة.

ويفتح المشهد الإيراني نقاشا معقدا في واشنطن حول حدود الضغط والتدخل، بين من يرى أن النظام بات أضعف من أن يتحمل صدمة خارجية، ومن يحذر من أن أي تدخل ظاهر قد يمنح السلطة فرصة لإعادة تعبئة قومية وتحويل الصراع من أزمة شرعية داخلية إلى مواجهة سيادية مع الخارج.

وتفضي هذه التطورات إلى خلاصة واضحة مفادها أن إيران دخلت مرحلة سياسية مختلفة تتسم بغموض المآلات، حيث يتحول الداخل إلى عنصر ضغط على الدور الإقليمي، ما يجعل الاحتجاجات الحالية عاملا مؤثرا في رسم معادلات الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة، بغض النظر عن نتائجها المباشرة..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران واختبار البقاء

يفتح ما يجري في إيران الآن أفقا سياسيا جديدا يتجاوز توصيفه كموجة احتجاج اجتماعي، بعدما انتقلت الحركة من التعبير عن الضيق المعيشي إلى الطعن في مشروعية نظام الحكم نفسه، وهو انتقال يكشف أن العلاقة بين الدولة والمجتمع بلغت درجة من التآكل لم تعد معها الأدوات التقليدية كافية لإعادة الضبط. ويظهر استمرار الاحتجاجات، رغم القمع المكثف […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...