إمارة المؤمنين بين الفقه السياسي الإسلامي وأفق العلوم السياسية المعاصرة: قراءة تأصيلية تركيبية
د حمزة مولخنيف
يقترح مقالنا هذا بوصفه محاولة هادئة متأنية ومثنية، لقراءة مؤسسة إمارة المؤمنين لا باعتبارها مجرد معطى تاريخي أو بناءً دستورياً قائماً بذاته، بل باعتبارها مفهوماً فقهياً مركباً، وحقيقةً سياسيةً ذات امتدادات رمزية وأخلاقية ومعرفية، تشكلت عبر قرون من التفاعل الخلاق بين النص والواقع والمقاصد والمصالح، وبين الشرعية الدينية والحاجة العمرانية.
فإمارة المؤمنين في عمقها النظري والعملي، ليست عنواناً للغلبة ولا شكلاً من أشكال السلطوية المقنّعة، بل هي – كما يفهمها الفقه السياسي السني في أنضج تجلياته – تعبير عن ضرورة انتظام الجماعة وحراسة الدين وسياسة الدنيا به، على حد عبارة الماوردي الشهيرة التي استقر عليها الوعي السياسي الإسلامي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا».
ولعل أول ما يستوقف الباحث المتأمل هو أن مفهوم إمارة المؤمنين لم يولد دفعة واحدة، ولم يتشكل في فراغ، بل تدرج في رحم التجربة التاريخية الإسلامية، وتلون بألوان البيئات الثقافية والسياسية التي احتضنته.
وقد وعى ابن خلدون، وهو المؤرخ الفيلسوف الذي لا يكف عن مساءلة الظواهر في عللها الاجتماعية العميقة، هذا البعد حين ربط الخلافة – والإمامة من حيث هي معناها – بالعمران البشري، معتبراً أن «الملك إذا كان على منهاج الدين كان خلافة»، وأن المقصود ليس مجرد السلطة، بل «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها». في هذا التعريف الخلدوني تتجلى بوضوح تلك النظرة التركيبية التي تدمج بين الأخلاق والسياسة والشرع والعقل، وبين الغاية الدينية والوسيلة البشرية.
إن إمارة المؤمنين ليست مفهوماً منغلقاً ولا نموذجاً جامداً، بل هي صيغة تاريخية مرنة، قادرة على التكيف مع تحولات الزمان والمكان، ما دامت محافظة على جوهرها القيمي والوظيفي. وقد تنبه إلى هذا المعنى عدد من العلماء والفقهاء الذين رفضوا اختزال الإمامة في الشكل، أو حصرها في شروط شكلية منفصلة عن مقاصدها. فالإمام الجويني، في “غياث الأمم”، لم يتردد في التأكيد على أن مقصود الإمامة هو سدّ الخلل وحفظ النظام، وأن الضرورات قد تفرض حلولاً استثنائية ما دامت تحفظ الكليات وتمنع الفوضى. وهو منطق يعكس وعياً سياسياً عميقاً بأن الشرعية ليست نصاً مجرداً، بل علاقة ثقة ومسؤولية بين الحاكم والمحكوم، تضبطها المصلحة العامة وتؤطرها القيم العليا.
وإذا انتقلنا إلى التجربة المغربية، فإن إمارة المؤمنين تكتسب خصوصيتها من كونها تشكلت في سياق تاريخي تميز بتداخل العوامل الدينية والقبلية والسياسية، وبحاجة ملحّة إلى رمز جامع يوحد المختلف ويؤلف بين المتباين. فمنذ الأدارسة مروراً بالمرابطين والموحدين، وصولاً إلى الدولة العلوية، ظلت إمارة المؤمنين في المغرب إطاراً ناظماً للشرعية ومصدراً للاستقرار، وفضاءً لتدبير التعدد المذهبي والعرقي والثقافي.
وقد لاحظ عبد الله العروي في قراءته العميقة لتاريخ الدولة المغربية، أن الشرعية في المغرب لم تكن يوماً شرعية قهر صرف، بل كانت دائماً محتاجة إلى سند ديني ورمزي يجعل السلطة مقبولة ومفهومة داخل المخيال الجماعي. وهذا ما يفسر استمرار إمارة المؤمنين بوصفها مؤسسة حية، لا مجرد أثر من آثار الماضي.
إن الفقه المالكي الذي شكّل الإطار المرجعي الغالب في المغرب، أسهم بدوره في ترسيخ هذا الفهم المتوازن للسلطة. فالمالكية كما هو معلوم، يولون اعتباراً كبيراً لعمل أهل المدينة وللمصلحة المرسلة ولسد الذرائع، وهي مسالك اجتهادية فقهية تسمح بمرونة كبيرة في تنزيل الأحكام على الواقع.
وقد وجد هذا الفقه في إمارة المؤمنين مجالاً رحباً لتجسيد رؤيته الواقعية، حيث لا تُفصل السياسة عن الأخلاق، ولا يُتصور الحكم خارج أفق المصلحة العامة. ويكفي أن نستحضر قول القرافي حين أكد أن «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»، وهو قول يلخص فلسفة سياسية كاملة تقوم على المسؤولية لا على الامتياز.
ومن جهة أخرى، فإن العلوم السياسية المعاصرة على اختلاف مدارسها ونظرياتها، لم تعد تنظر إلى السلطة فقط من زاوية القوة والمؤسسات، بل صارت تهتم بالشرعية الرمزية وبالرأسمال الثقافي وبقدرة الدولة على إنتاج المعنى المشترك.
وهنا يلتقي على نحو لافت، مفهوم إمارة المؤمنين مع بعض أطروحات علم السياسة الحديث، خاصة تلك التي تناولت مسألة الشرعية عند ماكس فيبر، الذي ميّز بين الشرعية التقليدية والشرعية الكاريزمية والشرعية القانونية العقلانية. فإمارة المؤمنين في السياق المغربي، تبدو وكأنها تركيب ذكي بين هذه الأنماط الثلاثة، فهي تقليدية من حيث الجذور التاريخية، وكاريزمية من حيث الرمز الديني الجامع، وقانونية من حيث اندراجها في بنية دستورية حديثة.
غير أن هذا الالتقاء لا يعني الذوبان، ولا يقتضي استنساخ المفاهيم الغربية دون نقد. وقد نبّه عدد من المفكرين المعاصرين، مثل محمد عابد الجابري، إلى ضرورة قراءة تراثنا السياسي قراءة عقلانية تاريخية، لا تنبهر بالحداثة ولا تنغلق دونها. فالجابري وهو يناقش مسألة “العقل السياسي العربي”، يلحّ على أن الأزمة ليست في المفاهيم ذاتها، بل في كيفية تفعيلها داخل شروط تاريخية متغيرة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم إمارة المؤمنين بوصفها إمكاناً مفتوحاً للتحديث من الداخل، لا عائقاً أمامه، شريطة أن تظل وفية لمقاصدها الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
إن اللين في الطرح والإنصاف في الحكم، يقتضيان الاعتراف بأن إمارة المؤمنين، كما هي متجسدة في التجربة المغربية، قد وفرت إطاراً نادراً للتوازن بين الثابت والمتغير وبين الأصالة والمعاصرة. فهي لم تُلغِ التعدد ولم تصادر الاجتهاد، بل احتضنتهما ضمن سقف جامع يحول دون التنازع الهدّام.
وقد عبّر عن هذا المعنى طه عبد الرحمن بلغة فلسفية أخلاقية حين شدد على أن السياسة إذا انفصلت عن الأخلاق تحولت إلى تقنية بلا روح، وأن الشرعية الحقة هي تلك التي تتغذى من القيم وتعيد إنتاجها في الواقع.
ولا تبدو إمارة المؤمنين مجرد مؤسسة سياسية، بل أفقاً أخلاقياً ومعرفياً، تتقاطع فيه الفقه والتاريخ والفلسفة وعلم السياسة. وهي في صورتها المثلى، تجسيد لفكرة الخدمة لا السيطرة، ولمنطق الرعاية لا الاستحواذ، وهو ما يجعلها قابلة للحوار مع العلوم السياسية المعاصرة، لا من موقع التبعية، بل من موقع الندية الهادئة والثقة بالنفس.
ومن هنا تنفتح أسئلة عميقة حول إمكان تطوير فقه إمارة المؤمنين ليكون أكثر وعياً بتحديات الدولة الحديثة دون أن يفقد روحه، وأكثر انخراطاً في قضايا الإنسان المعاصر دون أن يتخلى عن مرجعيته.
وإن من أهم الإشكالات التي عالجتها العلوم السياسية الحديثة مسألة العلاقة بين الدين والدولة، وهي إشكالية لم تعرف في التاريخ الإنساني جواباً واحداً ولا نموذجاً كونياً صالحاً لكل السياقات. وقد نبه ألكسيس دو توكفيل، في تأملاته حول الديمقراطية في أمريكا، إلى أن الدين لا يفقد قيمته السياسية حين ينفصل عن السلطة التنفيذية، بل قد يزداد تأثيره الرمزي حين يتحرر من الصراع اليومي على المصالح.
غير أن هذا التحليل على عمقه، يبقى مرتبطاً بسياق تاريخي خاص، هو سياق الدولة القومية الغربية التي تشكلت بعد صراعات دينية دامية، مما يجعل تعميمه على التجارب الإسلامية تعميماً متسرعاً. فالدين في المجال الإسلامي لم يكن في الغالب مؤسسة مستقلة عن المجتمع، بل كان نسيجاً من القيم والمعايير المتداخلة مع الحياة اليومية، ومع أنماط التضامن ومع تصورات الشرعية.
ومن هنا تبرز خصوصية إمارة المؤمنين، لا بوصفها اندماجاً كاملاً بين الدين والسياسة، ولا بوصفها فصلاً تعسفياً بينهما، بل باعتبارها صيغة توسطية، تقوم على التمييز الوظيفي دون القطيعة القيمية. فالإمارة في التجربة المغربية، لم تصادر المجال السياسي لصالح رجال الدين، ولم تحول الدين إلى مجرد أداة في يد السلطة، بل سعت – بدرجات متفاوتة من النجاح – إلى حفظ التوازن بين المرجعية الدينية الجامعة والتعدد السياسي والاجتماعي.
وقد أدرك عدد من الباحثين في علم الاجتماع السياسي أن هذا النوع من التوازن هو ما يمنح الأنظمة السياسية ذات الجذور الرمزية قدرة أكبر على الاستمرار، لأن الشرعية لا تُستمد فقط من صندوق الاقتراع أو من القوة القانونية، بل أيضاً من القبول الثقافي والوجداني.
ويمكن استحضار أطروحات يورغن هابرماس حول “الفضاء العمومي” و”العقل التواصلي”، حيث يؤكد أن المجتمعات الحديثة لا تستقيم فقط بالقانون، بل تحتاج إلى موارد أخلاقية ومعنوية تستمدها من تقاليدها الثقافية والدينية.
وقد ذهب هابرماس نفسه، في مرحلة متقدمة من مساره الفكري، إلى الاعتراف بأن الخطاب الديني يمكن أن يسهم في إثراء النقاش العمومي، شريطة أن يُترجم إلى لغة عقلانية مشتركة. وهذا ما يفتح أفقاً نظرياً لفهم إمارة المؤمنين بوصفها آلية لترجمة القيم الدينية إلى أفق سياسي جامع، دون ادعاء احتكار الحقيقة أو إقصاء المختلف.
ومن الوظائف المركزية لإمارة المؤمنين، كما تشكلت في المغرب، وظيفة الإشراف على المجال الديني بما يحفظ وحدته ويصون تعدديته في آن. فالفقه الإسلامي كما هو معلوم، عرف تعدداً مذهبياً واسعاً، وكان هذا التعدد في كثير من الأحيان مصدر غنى واجتهاد، لكنه كان أيضاً عرضة للتوظيف السياسي أو للتحول إلى صراع هوياتي. وقد تنبّه فقهاء كبار، مثل الونشريسي وأبي العباس القرافي وأبي بكر ابن العربي وابن فرحون، إلى خطورة الفتنة الدينية حين تغيب المرجعية الجامعة، مؤكدين أن وحدة الجماعة مقدّمة على كثير من الجزئيات الخلافية.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الدور الذي تضطلع به إمارة المؤمنين في ضبط الإفتاء وتنظيم الحقل الديني وحماية التدين من الغلو والتسيّب معا، وهو دور ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعقل والسلم الاجتماعي. ولا يخفى أن هذا الدور يثير في السياق المعاصر، أسئلة دقيقة حول حدود السلطة الدينية ومجال الحرية الفكرية وإمكانات الاجتهاد. غير أن الإنصاف العلمي يقتضي التمييز بين المبدأ والتطبيق، وبين الوظيفة والاختلالات التي قد تعتريها. فكما أن الدولة الحديثة لا تُدان في ذاتها بسبب سوء تدبير بعض الحكومات، كذلك لا يصح اختزال إمارة المؤمنين في بعض الممارسات الجزئية، بل ينبغي النظر إليها كإطار نظري ومؤسسي قابل للتقويم والتطوير.
وقد أشار إلى هذا المعنى عدد من المفكرين المغاربة المعاصرين، الذين رأوا في إمارة المؤمنين إمكاناً لتجديد الفكر السياسي الإسلامي، لا مجرد تراث يُستحضر للتبرير.
أما من زاوية العلوم السياسية المقارنة، تبرز إمارة المؤمنين كنموذج مغاير للعلمنة الصلبة التي تفصل الدين عن المجال العام فصلاً جذرياً، وكبديل عن النماذج الثيوقراطية التي تحتكر فيها جماعة دينية السلطة باسم التفويض الإلهي. فهي بهذا المعنى، نموذج “تنظيم ديني للشرعية السياسية” دون ادعاء الحكم باسم الله، وهو تمييز دقيق له آثار عميقة على الاستقرار السياسي وعلى قابلية النظام للتكيف مع التحولات.
وقد ذهب صامويل هنتنغتون، رغم مواقفه الإشكالية إلى الإقرار بأن استقرار الأنظمة السياسية في المجتمعات التقليدية والانتقالية مرتبط بقدرتها على دمج القيم الثقافية المحلية في بنيتها المؤسسية، وهو ما يفسر فشل كثير من محاولات الاستنساخ الدستوري الأعمى.
إن إمارة المؤمنين ليست عائقاً أمام الديمقراطية، بل يمكن النظر إليها كإطار ضابط لها، يمنع انزلاقها نحو الشعبوية أو التفكك القيمي. فالديمقراطية كما نبه إلى ذلك فلاسفة كبار من أمثال أرسطو وتوكفيل، ليست مجرد آلية إجرائية، بل هي ثقافة ومسؤولية، وقد تتحول إلى أداة هدم إذا انفصلت عن منظومة أخلاقية جامعة. ومن هنا يمكن فهم كيف أن إمارة المؤمنين، بما تحمله من بعد رمزي وأخلاقي، قد تسهم في ترشيد الممارسة السياسية وفي حفظ السلم الأهلي وفي تأمين الاستمرارية التاريخية للدولة.
ولا يكتمل هذا التحليل دون التوقف عند البعد المقاصدي، الذي يشكل العمود الفقري لفقه إمارة المؤمنين في صيغته الناضجة. فالمقاصد كما بلورها الشاطبي ليست مجرد نظرية فقهية، بل رؤية شاملة للإنسان والعمران، تجعل السياسة في خدمة الحياة لا العكس.
وقد أكد الشاطبي أن “التكليف إنما جاء لمصالح العباد في العاجل والآجل”، وهو مبدأ يمكن إسقاطه على المجال السياسي لفهم أن الشرعية ليست في الشعارات، بل في القدرة على تحقيق العدل والأمن والكرامة. ومن هذا المنظور، فإن إمارة المؤمنين تكتسب مشروعيتها بقدر ما تنجح في رعاية هذه المقاصد، لا بقدر ما ترفع من عناوين رمزية.
إن فقه إمارة المؤمنين، حين يُقرأ قراءة تاريخية مقاصدية منفتحة، يكشف عن طاقة نظرية وعملية كبيرة للحوار مع العلوم السياسية المعاصرة. فهو ليس بقايا نظام تقليدي متجاوز، ولا صيغة مغلقة على ذاتها، بل تجربة مركبة تشكلت عبر التفاعل بين النص والواقع والقيم والمتغيرات، وبين الحاجة إلى الاستقرار وضرورة الإصلاح. وهذه التركيبية بالذات هي مصدر قوتها وسبب استمرارها.
لقد علمنا التاريخ أن النماذج السياسية التي تعيش خارج ثقافة مجتمعاتها محكوم عليها بالهشاشة، مهما بلغت أناقتها النظرية. كما علمنا أن الشرعية في معناها العميق ليست مجرد عقد قانوني، بل علاقة ثقة ممتدة في الزمن، تتغذى من الذاكرة الجماعية ومن الإحساس المشترك بالانتماء. وفي هذا السياق، تبدو إمارة المؤمنين في المغرب مثالاً على كيفية تحويل المرجعية الدينية إلى عنصر توحيد لا تفريق، وإلى مصدر استقرار لا جمود.
ولا يفهم من هذا التقدير لإمارة المؤمنين ادعاء الكمال أو إنكار قابلية التطوير، بل إن قوة هذه المؤسسة التاريخية إنما تكمن في قدرتها المستمرة على التجدد الهادئ، وعلى استيعاب تحولات العصر في إطار وفائها لمقاصدها الكبرى. فالإمارة بما راكمته من حكمة وتجربة، تظل فضاءً مفتوحا لتعميق قيم العدل وترسيخ الحكامة وتعزيز السلم الاجتماعي، في انسجام مع تطلعات الإنسان المعاصر إلى الكرامة والإنصاف.
وكما أن الفقه السياسي الإسلامي تشكل عبر تفاعل خلاق مع سياقات مختلفة، فإن إمارة المؤمنين تواصل اليوم أداء دورها التأصيلي والتوجيهي، مستندة إلى رصيدها الروحي والتاريخي، وقادرة على مرافقة مسارات الإصلاح بروح متزنة تجمع بين الثبات المقاصدي والانفتاح الواعي.
في ضوء ما تقدم، يتبين أن إمارة المؤمنين ليست مجرد مؤسسة سياسية ذات جذور تاريخية، بل هي بناء حضاري مركب، استطاع عبر مساره الطويل أن يجسد التقاء الشرع بالعمران، وأن يحول القيم الدينية إلى انتظام اجتماعي، والمقاصد الأخلاقية إلى استقرار سياسي. فهي في التجربة المغربية، لم تكن عنوانا للغلبة ولا أداة للاحتواء الرمزي فحسب، بل إطارا جامعا للشرعية ورافعة للسلم الأهلي، وضامنا لوحدة المرجعية في سياق تعددي متحرك.
لقد أظهرت مؤسسة إمارة المؤمنين قدرة نادرة على التكيف مع تحولات الزمن دون التفريط في جوهرها، وعلى استيعاب منطق الدولة الحديثة دون الانفصال عن عمقها الروحي، مما جعلها نموذجا متفردا في العالم الإسلامي، يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الثبات المقاصدي والمرونة المؤسسية. ومن هذا المنظور، فإن قيمتها لا تكمن فقط في بعدها الدستوري، بل في وظيفتها الأخلاقية والمعرفية، وفي قدرتها على ترشيد المجال الديني وتأمين الاستقرار وفتح أفق هادئ للاجتهاد والإصلاح.
وإذا كانت العلوم السياسية المعاصرة تبحث اليوم عن صيغ جديدة للشرعية والمعنى، فإن إمارة المؤمنين تقدم مثالا حيا على إمكان بناء سلطة متجذرة في التاريخ منفتحة على العصر، ومؤسسة على الحكمة قبل القوة، وعلى الرعاية قبل السيطرة.
التعليقات