إصلاح الشأن الديني: النموذج المغربي

19 فبراير 2026

د. حمزة مولخنيف
ليست العنايةُ بالشأن الديني في التجربة المغربية ترفا فكريا، ولا مجرّد استجابةٍ لإكراهات ظرفية، بل هي فعلُ وعيٍ تاريخيٍّ عميق، تشكّل عبر قرونٍ من التفاعل بين السلطان والعلم والفقه والعمران وبين الروح والنظام. فمنذ أن تخلّق الكيان المغربي في تاريخه الوسيط، ظلّ الدين فيه عنصرَ تماسكٍ رمزيّ، ومرجعيةً ناظمةً للضمير الجمعي، ومجالا تتقاطع فيه الشرعية السياسية بالمشروعية الأخلاقية. ولم يكن هذا التداخل عارضا، بل كان جزءا من بنية الاجتماع ذاته، على نحوٍ يجعل التفكير في إصلاح الشأن الديني تفكيرا في إصلاح المجتمع برمّته.

لقد أشار ابن خلدون إلى أنّ “الدين يزيد الدولة في أصلها قوةً على قوة”، مُنبّهًا إلى أنّ الرابطة الروحية قادرة على ما لا تقدر عليه العصبيات وحدها. ففي السياق المغربي لم تُفهم هذه الزيادة باعتبارها توظيفا للدين، بل باعتبارها احتضانا له داخل نسقٍ مؤسسيٍّ حافظ على وحدة المرجعية عبر إمارة المؤمنين، وصان المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني من التمزّق والافتراق. وهكذا نشأ توازنٌ دقيق بين الثابت والمتغير، بين النصّ والاجتهاد وبين سلطة الدولة وسلطة العلم.

غير أنّ التحولات العميقة التي شهدها العالم الحديث، من صعود الدولة الوطنية إلى انفجار الفضاء الرقمي، إلى تصاعد تيارات التطرف من جهة، ونزعات التفكيك من جهة أخرى، جعلت سؤال الإصلاح الديني يتخذ صيغةً جديدة: كيف يمكن صون الهوية دون انغلاق، وتجديد الخطاب دون تفريط، وبناء مؤسساتٍ دينيةٍ قادرةٍ على مواكبة العصر دون أن تفقد جذورها؟ إنّ هذا السؤال لا يُجاب عنه بشعارٍ عابر، بل بمشروعٍ متكامل يزاوج بين الرؤية الفقهية والوعي السياسي، وبين الحسّ التاريخي واستشراف المستقبل.

وهنا تنبع أهمية النظر في النموذج المغربي لإصلاح الشأن الديني، بوصفه تجربةً حاولت أن تُعيد ترتيب العلاقة بين المقدّس والاجتماع، وأن تجعل من التنظيم المؤسسي أداةً لحماية المعنى لا لمصادرته، ومن التوجيه الديني سبيلا لترسيخ السكينة، لا لإذكاء الصراع. إنّه نموذجٌ يستحقّ التأمّل، لا من باب الاكتفاء بالثناء، بل من باب القراءة الفلسفية التي تستجلي منطقَه الداخلي، وتفهم شروط نشأته وتُقدّر رهاناته.

إنّ هذا المقال يسعى إلى مقاربة هذه التجربة بروحٍ هادئة ورؤية تأملية تثمّن الإيجابيات وتستحضر السياق، وتدرك أنّ الإصلاح ليس لحظةً مكتملة، بل مسارا مفتوحا. فالشأن الديني حين يُدار بحكمة، يغدو رافعةً للاستقرار ومصدرا للمعنى وأفقا للأمل؛ وحين يُترك للفوضى أو التسييس المفرط، يتحوّل إلى مجالٍ للانقسام. وبين هذين الأفقين يتشكّل الاختيار المغربي في سعيه إلى أن يكون الدين عنصرَ جمعٍ لا تفريق، ونورَ هدايةٍ لا وقودَ خصام.

إصلاح الشأن الديني في التجربة المغربية ليس حدثا عابرا في مسار الدولة، ولا استجابة ظرفية لإكراهات أمنية أو سياسية، بل هو مسار تاريخي ممتد، تتشابك فيه عناصر العقيدة والفقه والتصوف والسياسة الشرعية، وتتفاعل فيه الذاكرة العميقة للمجتمع مع مقتضيات الدولة الحديثة. إنّه مشروع يتغذّى من تراثٍ متين، ويستشرف أفقا حضاريا رحبا يوازن بين الأصالة والمعاصرة والثوابت والمتغيرات، وبين الوفاء للنصّ والوعي بسنن الاجتماع.

لقد أدرك المغرب منذ تشكّله السياسي الأول، أن الشأن الديني ليس مجالا منفصلا عن الكيان العام، بل هو قلبه النابض. ومن ثمّ فإنّ مؤسسة إمارة المؤمنين لم تكن مجرّد لقبٍ رمزي، بل كانت – وما تزال – تعبيرا عن وحدة المرجعية، وضمانةً لانتظام الفتوى، وصمّام أمانٍ يحفظ الجماعة من التنازع في أصولها.

ويكفي أن نستحضر ما قرّره ابن خلدون في حديثه عن “الملك والدين توأمان”، وأن “الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوةً على قوة”، لندرك أنّ العلاقة بين السلطان والدين في السياق المغربي لم تُفهم بوصفها استغلالا، بل بوصفها تلازما وجوديا، قوامه حفظ الجماعة وصيانة انتظامها.

في هذا السياق التاريخي-الثقافي، تبلورت في المجال المغربي ثلاثيةٌ مرجعية قوامها المذهب المالكي في الفقه، والعقيدة الأشعرية في أصول الاعتقاد، والتصوف السني في السلوك والتزكية، حتى غدت إطارا ناظما للوجدان الديني عبر قرون من الترسّخ المؤسسي والعلمي.

ولم يكن هذا التشكل نتيجة اختيارٍ مذهبي عارض، بل حصيلة سيرورة تاريخية متراكمة، تداخلت فيها شبكات التعليم والقضاء، وتفاعلت فيها السلطة السياسية مع المرجعية العلمية، بما أفضى إلى استقرار نموذج ديني ذي ملامح محددة.

فالمذهب المالكي لم يُستقبل في المغرب باعتباره منظومةً فقهية جزئية فحسب، بل بوصفه منهجا في الاستدلال والاجتهاد، يراعي عمل أهل المدينة ويُفعِّل آليات المصلحة والاستحسان وسدّ الذرائع. ومن هذا المنظور فُهمت مقولته: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» في أفقٍ مقاصدي يربط الصلاح بالكليات الضابطة للشريعة ومبادئها المؤسسة، لا بجمودٍ حرفي على الأشكال التاريخية أو الأعراف المتحوّلة. وبذلك حافظ الفقه المغربي على اتصالٍ بالأصول، دون انقطاعٍ عن شروط الواقع.

أما العقيدة الأشعرية التي أسّس معالمها النظرية أبو الحسن الأشعري، فقد وفّرت نسقا كلاميا يقوم على إثبات أصول الإيمان في ضوء النص، مع إقرار مشروعية النظر العقلي ضمن حدودٍ منهجية منضبطة، تجعل الوحي مرجعيةً حاكمة والعقل أداةً للفهم والدفع والتأويل المقيَّد. وقد انسجم هذا البناء العقدي مع طبيعة التدين المغربي الذي اتسم في مجمله التاريخي بالنفور من الغلوّ التشبيهي ومن الانفلات التأويلي، مفضّلا مسلك الاعتدال والتوازن.

وأما التصوف السني فقد تبلور في السياق المغربي داخل أفق الالتزام بالشريعة، متأثرا بالتصوف الكلاسيكي الوسطي كما يمثله أبو القاسم الجنيد، ثم ازداد ترسخا بفضل المشروع الإصلاحي لأبي حامد الغزالي، الذي أعاد وصل الفقه بالتزكية، وربط بين تقويم الظاهر وتهذيب الباطن. ومن ثم لم يكن التصوف في التجربة المغربية الغالبة مسارا منفصلا عن الضبط الفقهي أو الانضباط العقدي، بل بُعدا أخلاقيا تعميقيا للإيمان، يجعل من تزكية النفس شرطا لإصلاح العمران.

وعليه، فإن هذه الثلاثية لا تُفهم بوصفها صيغة جامدة أو احتكارا للحقيقة، بل باعتبارها نموذجا تاريخيا تشكّل عبر التفاعل والجدل، واستقرّ بوصفه الإطار الغالب الذي انتظمت داخله التجربة الدينية المغربية، بما وفّر لها قدرا معتبرا من الاستقرار المذهبي والاتساق العقدي والتوازن الروحي.

لقد ظلّ هذا النسق الثلاثي بمثابة “الميثاق الضمني” الذي يحكم التدين المغربي، حتى في الفترات التي شهدت اضطرابات سياسية أو تحولات اجتماعية عميقة. ومع دخول العصر الحديث واحتكاك المغرب بالاستعمار الأوروبي، ثمّ انخراطه في مشروع الدولة الوطنية، برز سؤال الإصلاح الديني بصيغة جديدة. حيث لم يعد الأمر متعلّقا فقط بصيانة المرجعية، بل بكيفية تنزيلها في سياق دولة دستورية، ومجتمع متحوّل، وعالمٍ متشابك المصالح والتأثيرات.

إنّ الإصلاح الديني في المغرب المعاصر اتّخذ طابعا مؤسسيا واضحا، تجلّى في إعادة هيكلة الحقل الديني، وتوحيد المرجعية الفقهية وتنظيم الفتوى وتأطير الخطاب الديني وتكوين القيمين الدينيين والأئمة المرشدين والمرشدات. وهذه الخطوات لم تكن قطيعة مع الماضي، بل كانت استئنافا واعيا لوظيفة تاريخية، لكن بأدوات العصر.

إنّها محاولة لترجمة ما أشار إليه الشاطبي حين قرّر أنّ “مقاصد الشريعة ترجع إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال”، فحفظ الدين هنا لا يتحقّق بمجرد الشعارات، بل ببناء مؤسسات قادرة على صيانته من التسييس المفرط ومن الفوضى التأويلية ومن الانغلاق الذي يُفقده روحه.

لقد وعى المغرب مبكرا خطورة “الفتوى المنفلتة” في عصر الإعلام المفتوح، حيث يمكن لأي صوتٍ أن يدّعي تمثيل النصّ، وأن يقتطع من التراث ما يخدم رؤيته الضيقة. ومن هنا جاء تنظيم الفتوى ضمن مؤسسات رسمية، تُراعي الضوابط العلمية، وتستحضر السياق الوطني وتلتزم بالمذهب المعتمد. وهذا ليس تضييقا على الاجتهاد، بل هو توجيه له ضمن إطارٍ جماعي، يُجسّد ما عبّر عنه ابن تيمية بقوله إنّ “الفتوى تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والأحوال”، لكن بشرط أن تصدر عن أهلها، وأن تُحاط بضمانات العلم والمسؤولية.

ومن مظاهر الإصلاح كذلك العناية بالخطاب الديني، عبر تأهيل الأئمة وتوحيد خطبة الجمعة في موضوعاتها الكبرى، بما يحفظ وحدة الوجدان الديني، ويمنع المنابر من التحوّل إلى فضاءات للتجاذب الإيديولوجي. لقد قال عبد الرحمن بن خلدون إنّ “الخطابة صناعةٌ تؤثّر في الجمهور بحسب ما يُلقى فيها من المعاني”، وهو تنبيهٌ مبكر إلى خطورة الكلمة حين تصدر من منبرٍ له رمزيته. ومن ثمّ، فإنّ توجيه الخطاب الديني في المغرب لم يكن قمعا للرأي، بل كان صيانةً للفضاء العام من الانقسام.

وإذا كان الإصلاح المؤسسي ضرورة، فإنّ الإصلاح الفكري لا يقلّ أهمية. لقد شهد المغرب حراكا فكريا واسعا في العقود الأخيرة، انخرط فيه علماء ومفكرون سعوا إلى تجديد النظر في التراث دون أن يقطعوا معه. ويمكن هنا أن نستحضر أعمال محمد عابد الجابري الذي دعا إلى “نقد العقل العربي” من داخل بنيته لا من خارجها، وأعمال طه عبد الرحمن الذي شدّد على مركزية الأخلاق في أي مشروع تجديدي، وأعمال عبد الله العروي الذي قرأ الحداثة بوصفها أفقا تاريخيا لا مهرب منه. إنّ اختلاف هؤلاء في المناهج لم يمنعهم من الالتقاء في نقطةٍ أساسية: ضرورة الوعي بالتاريخ، وعدم الاكتفاء بتكرار الموروث.

في هذا السياق، يبدو الإصلاح الديني المغربي وكأنه يسير على خيطٍ دقيق: يحفظ الثوابت العقدية والفقهية، وفي الوقت نفسه ينفتح على مقاصد الشريعة وروحها. إنّه يرفض الجمود الذي يحوّل الدين إلى متحف، كما يرفض التسيّب الذي يفرغه من معناه. وهو في ذلك يستحضر روح ما قاله أبو إسحاق الشاطبي حين اعتبر أنّ الشريعة “جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا”.

لقد تجلّت إحدى أبرز إيجابيات هذا النموذج في قدرته على تحصين المجتمع من موجات التطرف التي اجتاحت مناطق عديدة من العالم. ولم يكن ذلك بالمعالجة الأمنية وحدها، بل بالمعالجة الفكرية والتربوية، وبإعادة الاعتبار للتصوف السني كمدرسة في الاعتدال والتهذيب.

إنّ تجربة الزوايا في المغرب لم تكن يوما هامشية، بل لعبت دورا في نشر العلم وتثبيت قيم السلم وربط الأطراف بالمركز. وقد أشار غير واحد من المؤرخين إلى أنّ الزوايا كانت في لحظات تاريخية ملاذا اجتماعيا وروحيا تُرمّم ما تُفسده الصراعات السياسية.

كما أنّ انفتاح المغرب على محيطه الإفريقي والأوروبي في مجال التأطير الديني يعكس ثقةً في نموذجه، ورغبةً في تقاسم الخبرة. إنّ تكوين الأئمة من بلدان إفريقية وأوروبية داخل المؤسسات المغربية ليس مجرّد نشاطٍ دبلوماسي، بل هو تعبير عن رؤيةٍ تعتبر الدين عنصرا من عناصر السلم الدولي. وهذا ينسجم مع ما قرّره الفارابي في حديثه عن “المدينة الفاضلة” التي تقوم على التعاون من أجل الخير المشترك.

ومع ذلك، فإنّ أي حديث عن الإصلاح لا يكتمل دون وعيٍ بالتحديات. فالعالم الرقمي يفرض إيقاعا جديدا في تلقي المعرفة الدينية، والشباب يعيشون تحوّلات عميقة في أنماط التفكير والتواصل. وهنا يبرز سؤال تجديد الخطاب، لا بمعنى تغيير الثوابت، بل بمعنى إعادة صياغتها بلغةٍ قادرة على مخاطبة العصر. لقد قال ابن رشد إنّ “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها”، وهي عبارة تصلح اليوم أساسا لفهم العلاقة بين الدين والعقل والنصّ والواقع، وبين الإيمان والتفكير الحر.

إنّ النموذج المغربي في إصلاح الشأن الديني يقدّم نفسه بوصفه تجربةً في التوازن. ليس توازنا هشا، بل توازنا مبنيا على تراكمٍ تاريخي، وعلى مؤسسات راسخة، وعلى إرادة سياسية واضحة. وهو في جوهره تعبير عن وعيٍ بأنّ الدين ليس شأنا خاصا معزولا، ولا أداةً في يد السلطة، بل هو رأسمال رمزي وأخلاقي، ينبغي تدبيره بحكمة، وصيانته من الإفراط والتفريط.

إنّ هذا المسار بما فيه من إيجابيات، يفتح أفقا للتفكير في فلسفة الإصلاح ذاتها: هل الإصلاح هو العودة إلى الأصل أم هو إعادة تأويله؟ هل هو تثبيت الهوية أم هو إعادة بنائها في ضوء التحولات؟ لعلّ التجربة المغربية تجيب بأنّ الإصلاح الحقّ هو الذي يجعل من الأصل مصدر إلهام لا قيدا، ومن الهوية أفقا مفتوحا لا سورا مغلقا. وهو جوابٌ يليق بتاريخ بلدٍ ظلّ عبر قرونه يجمع بين الثبات والحركة، بين الوفاء والتجديد وبين الجذور والآفاق.

إنّ الإصلاح الديني في عمقه الفلسفي، ليس إجراءً إداريا مؤسسيا يُختزل في إعادة هيكلة مؤسسات أو إصدار ظهائر أو تنظيم منابر، بل هو فعلٌ تأويلي طويل النفس، يُعيد ترتيب العلاقة بين النصّ والتاريخ، وبين المقدّس والاجتماع وبين الثابت والمتغيّر.

ولعلّ سرّ التجربة المغربية أنّها لم تنظر إلى الشأن الديني باعتباره مجالا تقنيا معزولا، بل باعتباره نسيجا حيا تتقاطع فيه التربية والهوية والسياسة والاقتصاد والرمزية الجماعية. فالدين هنا ليس مجرد عقيدة فردية، بل هو ذاكرة شعب ونبرة خطاب، وإيقاع احتفال وصيغة تعايش.

حين نتأمّل مسار الإصلاح، نجد أنّه ارتكز على إعادة بناء “الوساطة العالِمة” بين النصّ والجمهور. لقد عانت مجتمعات كثيرة من تفكّك هذه الوساطة، إمّا بسبب تهميش العلماء أو بسبب انغلاقهم على ذواتهم، أو بسبب انفلات الخطاب في فضاءات غير مؤطرة. أمّا في المغرب، فقد كان الرهان على إعادة الاعتبار للمؤسسة العلمية بوصفها حارسا للمعنى، لا مالكا له.

إنّ العالم في التصوّر السني الكلاسيكي ليس كاهنا يحتكر الخلاص، بل هو شاهدٌ على النصّ ومبيّنٌ لمقاصده، ومسؤولٌ أمام الله والناس. وقد قال الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، وهي عبارة تؤسّس لروحٍ حوارية، تُبعد الفتوى عن الادعاء، وتجعلها اجتهادا بشريا منضبطا.

لقد كان تنظيم المجالس العلمية وتأهيل الأئمة، وإدماج المرأة في التأطير الديني عبر تجربة المرشدات والسيدات العالِمات العضوات بالمجالس العلمية خطوةً ذات دلالة عميقة. فهي تعكس وعيا بأنّ الإصلاح لا يكتمل دون إشراك كلّ الطاقات، وأنّ المرأة ليست موضوعا للخطاب الديني فحسب، بل فاعلا فيه. إنّ هذا المسار يستحضر ما قرّره ابن حزم حين أقرّ بجواز أخذ العلم عن المرأة إذا توفّرت فيها شروطه، وهو ما يؤكد أنّ الانفتاح على مشاركة المرأة ليس خروجا عن التراث، بل استعادةً لوجهٍ من وجوهه.

وفي البعد التربوي، سعى الإصلاح إلى إعادة وصل المدرسة بالمرجعية الدينية الوسطية، بعيدا عن التلقين الجامد أو التبسيط المخلّ. إنّ خطة تسديد التبليغ في المغرب لم تُرِد فقط نقل النصوص الدينية، بل صُممت لتكون وسيلةً لبناء الوعي الأخلاقي وترسيخ قيم الرحمة والعدل والتعايش بين الأفراد والجماعات.

وقد أكّد أبو حامد الغزالي أنّ “الشرع جاء لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال”، وهو ما يجعل من التبليغ والتوجيه الديني أداة لفهم الحياة ضمن منظومة متكاملة من القيم، لا شعارات مجردة. وإذا كان الإصلاح قد انطلق من الداخل، فإنّه لم ينغلق على ذاته، بل استثمر مؤسسات الدولة والمجالس العلمية لإعادة بناء الوساطة العالِمة بين النصّ والجمهور، وضمان أن يكون التوجيه الديني أداة للسكينة والاستقرار الاجتماعي، لا وسيلة للتفريق أو الانقسام.

لقد أدرك المغرب أنّ زمن العزلة قد ولّى، وأنّ التدين في عصر العولمة يتأثر بشبكات عابرة للحدود. ومن هنا جاءت مبادرات التعاون مع دول إفريقية وأوروبية في مجال تكوين الأئمة وتقاسم الخبرات في تدبير الحقل الديني. إنّ هذا البعد الدبلوماسي الروحي يُذكّر بما أشار إليه ابن عربي حين قال: “قلبي قابلٌ لكلّ صورة”، في إشارة إلى سعة الأفق الروحي القادر على احتضان التعدّد دون أن يفقد هويته.

ولعلّ من أبرز ما يميّز النموذج المغربي قدرته على الجمع بين المرجعية التقليدية ومفاهيم الدولة الحديثة. فالدستور المغربي نصّ على أن إمارة المؤمنين بوصفها ضامنا لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وهو ما يشي بفهمٍ خاص للعلاقة بين الدين والدولة. ليست دولة ثيوقراطية تُخضع السياسة لرجال الدين، ولا دولة علمانية تفصل الدين عن المجال العام فصلا جذريا، بل صيغةٌ وسطى، تُبقي الدين في قلب الهوية الجماعية، وتؤطّره ضمن مؤسسات دستورية. وقد أشار عبد الله العروي إلى أنّ التحديث في السياق العربي لا يمكن أن يكون استنساخا أعمى للنموذج الغربي، بل هو مسارٌ تاريخي يتشكّل وفق خصوصيات المجتمع.

هذا التوازن الدقيق بين الخصوصية والانفتاح لم يكن سهلا. فقد واجه تحديات فكرية من تيارات سلفية متشدّدة رأت في التنظيم تضييقا، ومن أصوات حداثية متطرفة رأت في المرجعية التقليدية عائقا. غير أنّ التجربة المغربية اختارت طريقا ثالثا، يقوم على الإصلاح الهادئ والتدرّج والحوار. إنّها روح قريبة ممّا دعا إليه محمد عابد الجابري حين تحدّث عن ضرورة “العقلانية النقدية” التي تُميّز بين ما هو تاريخي وما هو كوني في التراث، دون أن تُسقطه دفعةً واحدة.

كما أنّ البعد الصوفي ظلّ حاضرا في هذا الإصلاح لا بوصفه ممارسة طقوسية معزولة، بل كخلفية روحية تؤنس العقل وتلطّف الخطاب. إنّ التصوف المغربي الممتدّ في طرقٍ كالشاذلية والقادرية وغيرها كان تاريخيا مدرسةً في الاعتدال، وفي ربط الذكر بالعمل، والعبادة بخدمة المجتمع. وقد قال أحمد زروق إنّ “التصوف علمٌ يُصلح القلوب”، وهي عبارة تختصر جوهر الحاجة المعاصرة: إصلاح القلب حتى لا يتحوّل الدين إلى أداة صراع.

وفي مواجهة التطرف لم يكتفِ المغرب بالمقاربة الأمنية، بل اعتمد برامج للمصالحة وإعادة الإدماج، تقوم على الحوار الديني وإعادة قراءة النصوص. إنّ هذه المقاربة تنسجم مع ما قرّره ابن القيم من أنّ “الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد”، وأنّ كلّ ما خرج عن العدل والرحمة فليس من الشريعة في شيء. فحين يُستعاد النصّ في أفق الرحمة ينحسر العنف.

غير أنّ الإصلاح مهما بلغ من رسوخ يظلّ مشروعا مفتوحا. فالعالم الرقمي يخلق تحديات جديدة: فتاوى عابرة للقارات وخطابات شعبوية، تأويلات مبتورة. وهنا تبرز الحاجة إلى حضورٍ رقمي مؤسسي، يُقدّم المعرفة بلغةٍ معاصرة، ويستثمر الوسائط الجديدة دون أن يفرّط في العمق.

إنّ الشباب اليوم لا يكتفون بخطابٍ وعظي بل يبحثون عن معنى، عن إجابات عقلانية، وعن انسجام بين إيمانهم وحياتهم اليومية. حيث يؤثر عن ابن رشد قوله : إنّ “الحكمة لا تضادّ الشريعة، بل توافقها وتُشهد لها”، وهي قاعدة يمكن أن تؤسّس لحوارٍ خصب بين الدين والعلوم الإنسانية والطبيعية.

إنّ الإصلاح الديني المغربي في محصّلته، ليس مشروعا مثاليا خاليا من النقص، لكنه تجربة جديرة بالتأمل. قوّته في اعتداله، في اعتماده على التاريخ دون أن يُستعبد له، في انفتاحه على العصر دون أن يذوب فيه. وهو في جوهره تعبير عن ثقة مجتمعٍ في نفسه وفي علمائه وفي مؤسساته. إنّه نموذج يُراكم بهدوء، ويُفضّل البناء الطويل على الانقلابات المفاجئة.

إنّ إصلاح الشأن الديني في المغرب هو رحلةٌ في إعادة اكتشاف الذات. إنّه ليس صراعا بين قديم وجديد بل حوارٌ بينهما. ليس تثبيتا لسلطة بل تثبيتٌ لمعنى. إنّه بحثٌ عن تديّنٍ يطمئنّ إليه القلب ويقتنع به العقل وتنتظم به الجماعة. ولعلّ أجمل ما في هذا المسار أنّه لم يُقدَّم بوصفه انتصارا على أحد، بل خدمةً للصالح العام ووفاءً لتاريخٍ طويل من الوسطية.

إنّنا ونحن نتابع هذا النموذج، ندرك أنّ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرته على إحداث سكينة في النفوس وتماسك في المجتمع وأمل في المستقبل. فحين يكون الدين جسرا لا جدارا، ونورا لا نارا، ورحمةً لا قسوة، يكون الإصلاح قد بلغ غايته. والمغرب في مساره هذا، يقدّم درسا في أن التدبير الحكيم للشأن الديني يمكن أن يكون عنصر قوةٍ حضارية ومصدر إشعاعٍ روحي ودعامةً لاستقرارٍ لا يقوم على الخوف، بل على الثقة.

هكذا يتبدّى الإصلاح الديني المغربي كنسيجٍ من التاريخ والفقه والسياسة والروح، تتداخل خيوطه في انسجامٍ لا يخلو من تعقيد، لكنه تعقيد الحياة نفسها. إنّه مشروعٌ إنساني قبل أن يكون مؤسسيا؛ ومسؤوليةٌ أخلاقية قبل أن يكون خيارا سياسيا. وفي هذا تكمن قيمته، وبهذا يستحقّ أن يُقرأ، ويُدرس، ويُثنى عليه، بوصفه تجربةً عربيةً وإسلاميةً حاولت أن تصنع توازنها الخاص، في زمنٍ يندر فيه التوازن.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...