إصدار: وجهة القلب: فلسفة الشعائر الإسلامية
محمد بن جماعة. باحث تونسي يقيم في كندا
هذه فقرات من من مقدمة كتابي: “وجهة القلب: فلسفة الشعائر الإسلامية”.
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
في هذه الآية مفتاح فهم الشعائر: فليست العبرة بمجرد الأداء الظاهري، بل بالتعظيم الذي هو موقف القلب الواعي المتفكر، وهو ثمرة تقوى القلوب التي تجمع بين الفهم العميق للمعنى والحضور الحي في التجربة. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في شعيرة الأضحية: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾، فالقيمة الحقيقية ليست في الفعل المادي وحده، بل في المعنى الباطني الذي يحمله، في القصد والحضور والتعظيم.
من هنا تنبع فكرة هذا الكتاب.
حين ننظر إلى التراث الإسلامي الغزير في موضوع العبادات، نجد أنفسنا أمام محيط واسع من الكتب والمصنفات. لدينا كتب الفقه التي تشرح الأحكام بدقة متناهية: كيف نتوضأ، متى نصلي، ما يبطل الصيام، كم نخرج من الزكاة. ولدينا كتب السلوك والتصوف التي تتحدث عن أسرار العبادات وآداب القلوب، بلغة روحية عميقة أحياناً يصعب على القارئ المعاصر فهمها أو تطبيقها.
لكن ما يبدو غائباً، أو قليلاً على الأقل، هو ذلك النوع من الكتابة الذي يجيب عن أسئلة من نوع آخر: لماذا نصلي خمس مرات في اليوم تحديداً؟ ما الحكمة الفلسفية من هذا الإيقاع الزمني المحدد؟ ما المعنى الذي تحمله حركات الصلاة: الوقوف، والركوع، والسجود؟ كيف يمكن للصيام أن يحوّل علاقتنا بالرغبة والإرادة؟ ما الرمزية العميقة في التوجه نحو الكعبة، أو في رمي الجمرات، أو في الطواف؟ وكيف تصنع الشعائر المتكررة وعياً مختلفاً، وكيف تبني إنساناً أكثر حضوراً وطمأنينة؟
هذه الأسئلة ليست أسئلة فقهية بالمعنى الدقيق، وليست صوفية محضة، إنها أسئلة فلسفية: تبحث عن المعنى، عن الحكمة، عن العلاقة بين الرمز والفعل، بين الظاهر والباطن، بين الجسد والروح. وهذا ما نعنيه بـ”فلسفة الشعائر”: محاولة فهم لماذا نعبد بهذا الشكل، وما الذي تصنعه هذه العبادات في أنفسنا وفي علاقاتنا وفي وعينا بالوجود.
وفي زمن تتجاذب فيه الشباب تطرفات متعددة – بين الغلو الديني والجفاء العلماني، بين القلق المفرط واللامبالاة المطلقة – تبرز الحاجة إلى فهم عميق لوظيفة الشعائر في بناء شخصية متوازنة، قادرة على التحكم في انفعالاتها، مطمئنة القلب، واعية المقصد، متصلة بالجماعة دون ذوبان في الجماهير. الشعائر ليست طقوساً معزولة، بل هي نظام حياة متكامل يصنع إنساناً أكثر توازناً ووعياً ورحمة.
5. لمن هذا الكتاب؟
هذا الكتاب موجه إلى كل من يريد أن يفهم الشعائر بعمق، ويتذوقها بحضور.
• إلى من يؤدي الشعائر – صلاة، صياماً، زكاة – لكنه يشعر أحياناً بالفراغ، بالروتين، بالبُعد، ويتساءل: أين المعنى؟ أين اللذة التي تحدث عنها النبي ﷺ حين قال “أرحنا بها يا بلال”؟ كيف أحوّل الواجب إلى رغبة، والتكليف إلى متعة؟
• إلى من يبحث عن المعنى في حياته، ويريد أن يفهم: كيف تصنع الشعائر إنساناً أكثر حضوراً، وطمأنينة، وتوازناً؟ كيف تُجيب الصلاة عن القلق؟ كيف يُحرّر الصيام الإرادة؟ كيف تُطهّر الزكاة من التعلق المَرَضي بالمال؟ كيف يجدد الحج الهوية؟
• إلى من يعاني من جفاف الممارسة الدينية، ويريد أن يستعيد الروح التي فقدها، أن يخرج من الروتين إلى الحضور، من الغفلة إلى اليقظة، من الأداء الآلي إلى التجربة الحية.
• إلى من يريد أن يربط الدين بالحياة، لا أن يفصل بينهما. من يريد أن يفهم كيف تُنظم الشعائر يومه، كيف تبني شخصيته، كيف تصنع إيقاعاً وجودياً يمنحه الاستقرار في وسط فوضى العصر.
• إلى الباحث عن الله، الذي يريد أن يقترب منه، لا بمجرد أداء حركات، بل بفهم عميق وقلب حاضر.
• وإلى كل من يتساءل: لماذا نعبد بهذا الشكل بالذات؟ ما الحكمة الفلسفية من الصلاة خمس مرات؟ من الصيام شهراً كاملاً؟ من رمي الجمرات؟ من الطواف حول بناء من حجر؟
هذا الكتاب محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، بلغة فلسفية واضحة، ومنهج يجمع بين العقل والقلب، بين التفكر والتذوق.