إصدار في الدراسات الإسلامية المقارنة

20 فبراير 2026

محمد الصياد. باحث مصري 

في هذه الأيام المباركات، خرج إلى الناس كتابٌ ماتع، تراكمت عليه أنفاس الدرس، حتى استوى على سوقه، وبرز في حلّة قشيبة ومنظر مهيب.

وقد شرّفني الله أن أشارك فيه بدراسة، أكون فيها تابعًا لا متبوعًا، ومشاركًا لا مزاحمًا، مع أستاذنا الأصوليّ العلامة النظّار، البروفيسور أحمد عاطف، أستاذ الدراسات الإسلامية بسانت باربرا؛ وهو ممن عُرف في دوائر العلم بقوة التأسيس، واشتُهر بين الجماعة العلمية بإمعان النظر وتحقيق المسائل وتحرير الجهات المنفكة، مع ما استفيض عنه من طول النفس في مدارسة المسائل، لا يملّ إيراد الإشكالات حتى يفتّق مغالقها، ولا يرضى بالقشور من القول حتى يغوص إلى لُبّها وقرارها.

وقد كنتُ كتبتُ قبل مقالة في “الجزيرة” في شأن كتابه “فتور الشريعة”، لما صدر مترجمًا عن “الشبكة العربية”، فذكرتُ يومئذٍ أنّ الرجل لا يكتب ليُطمئن قارئه، بل ليوقظه؛ ولا يُسطّر ليُسكن اضطرابًا، بل ليوقِد عقلًا ويشعل جمرة، ويُقيم سؤالًا على سؤال، حتى تتبين الحدود، وتتحرر المسائل، وتتمايز الحقائق من الدعاوى. وذلك دالٌّ، من غير ريبٍ، على منهجه وألمعيته بين المعاصرين، وأعلميته عند العارفين، إذ ليس العلم بكثرة الحواشي، ولا بتنميق العبارات، كما قرر ابن خلدون، أو كما أصل الحجة الغزالي نفسه، وإنما بثبات القدم عند موارد الاشتباه، وحسن التصرّف عند تقاوم الأدلة على نحو ما فصله القاضي الباقلاني في “التقريب”، أو الجويني في “التلخيص”!

أما هذه الدراسة التي بين أيدي الناس اليوم، فليست مستخرج خاطر عابر، ولا وليدة طروء انفعال، إنما هي ثمرة حلقات علمية متصلة، ومجالس أصولية وفقهية ومقاصدية وكلامية، طال فيها الجلوس، واستقرّ فيها المكث، وكثر فيها الأخذ والرد وجادلتُ أستاذنا فتحمل، وعارضته غير مرة فتقبل، حتى خلصت مسائلها من شوائب الاستعجال، واستقرّت على جادة التحقيق. وقد أجهدتُ أستاذنا كثيراً سؤالًا وتنقيبًا، أستخرج من مكنون صدره ما استقرّ فيه من دقائق النظر، وأستجلي من عبارته ما يختبئ وراء الإشارة واللمحة، حتى كأننا في حلقة أكابر المتقدمين من الأصوليين والفقهاء المتقنين، أو كأننا في درس نحارير العلوم في بغداد بجامع المنصور، أو أروقة صناديد المعرفة في الأزهر المعمور، يتنازعون المسألة، لا لمراءٍ ولا لسمعة، بل لبلوغ الحق حيث كان، أهمّهم سؤال الحقيقة، وأقلقت مضاجعهم أسولة الشكّ!

ومن أعظم ما يمتاز به أستاذنا، على قِلّة من يشبهه في هذا العصر، أنه لا يستجيب للجوابات السريعة التي تُرضي العوام وتُسكت الخصوم، بل يعمد إلى السؤال فيقلّبه على وجوهه، ويستخرج من جوفه ما يضطرب فيه من مقدمات، على نهج الحُجّة الغزالي، إذ كان لا يرى للعلم حرمة إلا إذا عُرِض على مَحَكّ الشك أو مِحَكِّ النّظر، ولا يرى لليقين وجهاً إلا إذا خرج من رحم السؤال. فإن جاء الجواب إثر ذلك، كان شافيًا كدواء حكيمٍ جرّبه الطبيب مرارًا، وأحكم تركيبه حتى استقام؛ وإن لم يأت، لم يستنكف عن القول: لا أدري، أو يعلن توقفه فيه على نمط الكبار وسَننهم، إذ كانوا يعدّون التوقف منهجاً، ويجعلون محل الإشكال علما بذاته، على نحو ما قرر القرافي، ومن قبله أستاذه العز رضي الله عن الجميع.

ولعَمري، إن في هذا المنهج حياةً للعلم، وصونًا له من التكلّف، ونجاةً له من آفات الادعاء؛ فإن أسرع ما يفسد العلوم أن يتصدرها من يأنف الشك، ويستنكف من التوقف، وما هو إلا كمال الأدب مع الحقيقةِ والمنهج، وما أدراك ما المنهج! والله من وراء القصد؛

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...