إصدار.. ذاكرة واحة: نداء النخيل، جديد الكاتب المغربي أحمد صابر

6 أبريل 2026

رشيد المباركي

صدر عن دار العين كتاب جديد للباحث مولاي أحمد صابر بعنوان “ذاكرة واحة: نداء النخيل”، وهو الجزء الأول من مشروع أوسع لذاكرة الواحات.

يطلُّ هذا العمل كوثيقة وجدانية نادرة، لا تكتفي بنفض الغبار عن الذاكرة، بل تعيد بعث الروح في تفاصيل “الحياة بالواحات” العريقة. ومن خلال “الشذرات” التي يقدمها الكاتب، لا نجد أنفسنا أمام سرد تاريخي جاف، بل أمام مرثية أدبية تحتفي بالمكان والإنسان، وتستنطق صمت النخيل لتصوغ منه حكاية جيل كامل، عَبَر سنوات الطفولة والحلم.

ينطلق الكاتب من المحلي بواحة خوض درعة والراشدية وطاطا وفكيك. بالمغرب. ويربط ذلك بما هو كوني بواقع وأهمية الواحات عبر العالم خاصة في العالم الاسلامي… ملفتا النظر لأهمية النخيل وصلته بالذاكرة في الثقافة الاسلامية. كما يلفت نظر القارئ يكون الواحات تشكل خزان ذاكرة الإنسانية عبر العصور. ويضعدنا المؤلف وسط إشكالات حضارية وبيئية ترتبط بالتصحر وزحف الرمال… فالواحات أول من يتضرر من خلال التحول المناخي وهي تعاني الجفاف والقحط في صمت. ولا ننسى هنا ان احتفاء الكاتب بالواحات وثقافتها هو احتفاء بثقافة الصحراء.

ويمكن إدراج هذا العمل ضمن “أنثروبولوجيا الأدب” كقراءة نقدية ثاقبة وفائقة الأهمية؛ فهذا الإصدار لا يقدم سرداً أدبياً محضاً، بل يشتغل بوصفه “حفرية ثقافية” تستنطق الذاكرة لترميم ملامح مجتمع الواحات الذي بدأ يتلاشى بفعل الزمن والتحولات المناخية.

والكتاب دعوة لاسترداد الحواس؛ دعوة لشم رائحة خبز الغداء المنبعثة من بين السطور، وسماع تغريدة اليمام الأخيرة وخرير المياه وتراتيل تأبير النخيل وحنين ناي تبرعات وصيحات المقاومة ضد المستعمر ومزيج بين الأنثروبولوجيا الشعبية والسيرة الذاتية، ليقدم في المحصلة صورة بانورامية لحياة الواحة؛ لا بصفتها بقعة جغرافية فحسب، بل بوصفها حالة شعورية وكيانا حضارياً يقاوم الاندثار. إنها رحلة في “الفراغ الممتلئ” بالذكريات، وشهادة إنصاف في حق رجال ونساء صنعوا مجد الواحة ببساطتهم وعفويتهم.

وجاء في كلمة الغلاف الثاني للكتاب أن نداء النخيل ليس مجرد حكاية، بل هو صدى روحي عميق قادم من أعماق التاريخ، ونداء الواحات الأبية التي رسخت قيمة التعايش عبر الزمن. لطالما احتضنت ظلال النخيل الوارفة أجيالًا من البشر، على اختلاف ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، فكانت رمزًا للحياة والرخاء. والآن، نراها تواجه مصيرها وحيدة، تئن جذوعها ويتأوه سعف جريدها، لكنها لا تزال تقف شامخة، شاهدة على قدرتها على الصمود ورافضة للاستسلام، مُذكِّرة إيانا بقوتها الكامنة في جذورها العميقة وتاريخها الطويل.

ومن هنا، تكمن في صميم هذا النداء جدلية الواحات والصحراء، وهو صراع بقاء وتحدٍّ مستمر. النخيل هنا ليس مجرد شجر، بل هو أيقونة للحياة، وللصمود العنيد في وجه الفناء، وللجذور العميقة التي تجمعنا. هذا النداء هو صدى لحكايات الحب الذي لا يموت، وصوت مجتمع تتآلف فيه الديانات والثقافات والأعراق، لكن أشباح الزوال تُحاصره. فهل ستصمد الواحات أمام الرياح العاتية؟ وهل يُسمع نداء النخيل قبل فوات الأوان؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...