إصدار حول الفقيه الأديب البشير بن العلامة القاضي التهامي أفيلال

2 أبريل 2026

عبد الرحيم الوهابي

“السَّفر في الجغرافيا هو ارتحال الأقدام والأنظار، والسفر في التاريخ هو امتداد السنين والأحداث، والسفر في الذات هو تحول الإنسان في معارج الفكر والتجربة” هذه التقاطعات تبرز جلية في النصوص الرحلية للفقيه الأديب البشير بن العلامة القاضي التهامي أفيلال.

والتي كانت موضوع آخر إصدارات أخينا د. يونس السباح ، في مؤلفه الجديد (سِفر في السَّفر)، وكان العنوان دقيقا وموفقا.

وبالقطع كان التوفيق والسداد حليفيه وفي ركابه في كل مراحل هذا العمل المتميز: في تقديمه ودراسته وعنايته -غاية الاعتناء- بتلك النصوص. جمعها ورتبها وفق التسلسل الزمني، ووضع لها ملاحق وفهارس دقيقة مع الترجمة للأعلام والبشرية والحضرية والتعليق عند الاقتضاء.

والعلامة المشارك الأديب الأريب البشير بن التهامي أفيلال، هو ممن دانت له العلوم ولانت له الفهوم، وطاع له اللسان وأسلم له القلم العنان. الفقيه المطلع والمثقف المتشعب المعارف، والفنان العاشق للخط، والإنسان ذو الروح المرحة. تلقى عن كبار وقته: أبوه القاضي وأخوه الوزير، وشيخا الجماعة الزواقي والرهوني، وشيخ العلوم محمد المرير، والعلامة ابن الأبار، والعمراني الغماري، والمودن العلمي، والحسن أفيلال والعلامة المؤرخ محمد بن العياشي سكيرج وكان شيخه في الرواية والدراية وفي السلوك. ولقيه الشيخ العلامة القاضي أبو العباس أحمد سكيرج بدار أخيه، ودارت بينهما مكاتبات، وأجازه بمعجمه (قدم الرسوخ) وبسنده في الطريقة التجانية، ومدحه بنونية ضمّنها كتابه (رياض السلوان).

لكنه مال إلى البعد عن الشهرة وآثرالخمول والعزلة، قانعا عفيف اليد. وذكر د.محمد الراضي كنون في ترجمته له أنه “َكَانَ وَطَنِيّاً صَادِقاً، مُخْلِصاً فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَقَدْ اسْتَدْعَاهُ يَوْماً جَلَالَةُ المَغْفُورِ لَهُ الحَسَنِ الثَّانِي طَيِّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ إِلَى قَصْرِهِ العَامِرِ بِمَدِينَةِ الرِّبَاطِ، وَقَالَ لَهُ فِي مَعْرِضْ حَدِيثٍ دَارَ بَيْنَهُمَا: مَا عَسَايَ أَنْ أُقَدِّمَ لِعَالِمٍ كَبِيرٍ مِنْ حَجْمِكَ؟ فَقَالَ لَهُ سَيِّدِي البَشِيرُ أَفيلال: الدُّعَاءُ الحَسَنُ، مِنْ أمير حَسَنٍ”.

نصوص السِّفر رحلات داخلية (فاس، جبل العلم، مراكش، خريبكة) وأندلسية. علمية وأخوية، زيارية واستشفائية. تعكس شخصية صاحبها العلمية المطلعة وعينه الناقدة. تعددت أغراضها وامتدت على عقود. تدوينات الرحلة وإن طغى عليها الوصف فهي تنبئ عن عين شاهدة على التحولات ونفس متشبثة بالدين والجذور مع ميل صوفي هادئ. وأبرزت لديه بجلاء الجانب الروحي والسلوكي كما الجانب الإصلاحي، وحنينا إلى الإرث الأندلسي وتشوفا إلى الوقوف على الآثار الباقية الدالة على التاريخ المجيد والماضي التليد.

بعض تلك النصوص لوحة متكاملة الأبعاد تجمع بين التوثيقي والتاريخي والوصف الجغرافي والتحليل الاجتماعي والتأمل الثقافي، يمكن اعتبارها مرجع نفيسا للباحثين والمهتمين بالدراسات الأدبية والاجتماعية. أما الجانب الإنساني زيارته لحامة غرناطة فهو وثيقة تكشف كيف للألم أن يتحول إلى تأمل وللتجربة الفردية أن تصبح مرآة للجماعة وللعلاج الجسدي أن يوقظ فينا سؤال الهوية والانتماء والإرث الحضاري. ويتجاوز الغاية الطبية ليعكس ايضا جوانب اجتماعية ثقافية ودبلوماسية، وقد كتب بلغة تتسم بالبلاغة في تراكيبها ووصفها، جمع فيها بين السرد الأدبي والتوثيقي، مما يعكس خلفية أدبية قوية. وقد أوضح فيه الكاتب رسالته التواصلية، أبرز من خلالها أهمية التواصل الفعال مع المجتمعات المختلفة، وأظهر قدرة عالية على التكيف مع الثقافات الأجنبية، والإشارة لبعض الجوانب النقدية، مثل صعوبة التنقل أو التعامل مع الحواجز. وسهلت له توصية من الخليفة السلطاني أمور رحلته وجنبته متاعب ومشاق.

ركب في سفراته جميع أنواع وسائل النقل، ووصف بدقة الطرق والمسارت والمركبات، وعقد مقارنات بين التطور والفوارق بين إسبانيا والمغرب، وبين منطقتي الحماية الفرنسية والإسبانية.

ألحق د.السباح بسفره مجموع نصوص زيارات الفقيه البشير أفيلال لشيخه وصديق عمره العلامة مَحمد سكيرج في مرضه. وكان يعتبره ” الصديق الأوحد”، ووصفه بقوله: “مثال الأدب التام ويتيمة درره في انتثار وانتظام” و”الآية البالغة وقد طمست الأعلام، والغرة الواضحة وقد تنكرت الأيام، والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام”. زاره بطنجة قبيل وفاته ست مرات في ظرف أربعة أشهر، مع السؤال شبه اليومي بالهاتف للاطمئنان على صحته ومتابعة حالته. وكان يحز في نفسه أن شغل البعد والشغل ولديه واقتصار المشقة البالغة في العناية به على زوجته الفاضلة السيدة حبيبة بنت الفقيه السميحي الغماري الطنجي.

أسبوعا بعد آخر زيارة، وصله نعي الصديق وخبر فراق الرفيق: ” وفي رابع المحرم الحرام عام 1385، فارق الحياة عند الفجر، ودفن رحمه الله ورضي بضريح سيدي محمد الحاج البقال، أغدق الله عليه غيثه ومغفرته ورضاه. ولم نحضر ساعة وفاته، بل أُعلِمتُ بالمصيبة تيلفونياً، فأسرعت مع المحب سيدي عبد الكريم الحساني، ودخلنا عليه البيت وهم يتولون غسله، ولم نَفْتُر عن صلاة الفاتح، والله يجازيه عنّي خير الجزاء، وكتبتُ كلمةً مختصرةً نقشت على سارية من سواري الزاوية”.

وقد وقفت على بعض الشوارد من الفرائد، لن تجدها في كتب التراجم وإنما موضعها مثل هذه النصوص:

• البشير أفيلال كان على علاقة وطيدة بالمهدي المنبهي وأسرته، واستدعاه لمراكش وعرفه على الباشا التهامي الكلاوي.

• زار دار العلامة أبي شعيب الدكالي مرتين، ولم يلقه إذ كان كثير الخروج لعزيبه بطريق زعير، ولقيه أولاده.

• مصاهرة أبو شعيب الدكالي للكلاويين: حيث أن ابنه عبد العزيز كان صهرا للمدني الكلاوي، وابنه الآخر الفقيه الأديب عبد الرحمن كان صهرا للتهامي الكلاوي.

• العلامة العربي العلوي كان صهرا للمنبهي.

• محمد سكيرج صاهر بابنته أسرة حصار السلاوية.

• الأمين الحاج إدريس بناني كان صهرا لأسرة بن البشير.

• في زيارة البشير أفيلال للدار البيضاء 1962 في طريق عودته من خريبكة، أفاده مقدم الزاوية التجانية بها، أن عدد زواياها بهذه المدينة يربو عن الأربعين.

الكتاب صدر مطلع هذا الشهر عن دار سليكي أخوين بطنجة في 198 صفحة من القطع الكبير.

ولا يفوتني أن أعرب عن الشكر الجزيل المقرون بالعرفان بالجميل للأخ العزيز والصديق الأود فضيلة الدكتور يونس السباح الطنجي على عنايته البالغة وهديته القيمة التي تلقيتها ليلة القدر المباركة.

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...