إصدار.. المستقبل الاستراتيجي لإيران
عزت إبراهيم. كاتب مصري
بمناسبة التصعيد الأمريكي ووضع إيران أمام خيار صفري في محادثات جنيف غدا .. هناك كتابات تستحق التوقف عندها قبل اللحظات الحاسمة ومنها هذا الكتاب الذي يحمل عنوان “فك شفرة السياسة الخارجية الإيرانية، المصالح والسلطة والنفوذ”..
يقدم كتاب «Decoding Iran’s Foreign Policy: Strategic Interests, Power, and Influence» لروس هاريسون محاولة جادة لفهم السلوك الخارجي الإيراني من خلال منطقه الخاص، إذ ينطلق المؤلف من فرضية بسيطة في ظاهرها لكنها ثقيلة في مضمونها، مفادها أن سياسة الدول لا تقرأ عبر الأحكام الأخلاقية أو الانطباعات السياسية السريعة، بل عبر تحليل مصادر التهديد، وحدود القوة، وتراكم الخبرة التاريخية. وهو ما ينعكس بوضوح في فصل “المستقبل الاستراتيجي” الذي لا يسعى إلى التنبؤ بقدر ما يفرض على القارئ عملية عقلية يختبر فيها المسارات الممكنة، ويزن احتمالات الاستمرار والتغيير دون الوقوع في غواية السيناريوهات الدرامية أو القراءة التحليلية المريحة.
ينحاز الفصل منذ صفحاته الأولى إلى واقعية محسوبة، حيث يضع سيناريو الاستمرار بوصفه الاحتمال الأكثر ترجيحا، ليس لأن إيران عاجزة عن التغيير، بل لأن الدول التي بنت شرعيتها ومؤسسات أمنها القومي على سردية صراع ممتد، وعلى تعريف خاص لدورها الإقليمي، نادرا ما تقدم على انعطافات جذرية إلا تحت ضغوط استثنائية، ومن ثم فإن الحديث هنا لا يدور حول جمود سياسي، ولكن حول منطق مؤسسي يرى في التعديل التدريجي خيارا أقل كلفة من إعادة التموضع الشامل، وهو طرح يبتعد عن اللغة المتشائمة أو التفاؤلية، ويقترب من توصيف نمط سلوكي شهدته حالات تاريخية عديدة.
يبرز النص أن ما بعد 7 أكتوبر لم يكن حدثا عابرا في الحسابات الإيرانية، لأن اهتزاز قواعد الردع التقليدية، وتزايد احتمالات الاحتكاك المباشر، وتآكل بعض أدوات النفوذ غير المتماثل، كلها عوامل دفعت طهران إلى العمل داخل بيئة أكثر سيولة وأعلى مخاطرة، وهي بيئة لا تلغي الاستراتيجية القائمة بقدر ما تفرض عليها إعادة معايرة، بحيث تتحول بعض الأدوات من عناصر ردع إلى مصادر ضغط، وتتحول بعض الساحات من مجالات نفوذ إلى مساحات استنزاف محتمل.
في هذا السياق، يناقش الفصل سيناريو الاستمرار بوصفه مسارا ديناميكيا متحركا وليس لا ساكنا، إذ يتوقع تعديلات تكتيكية في شبكة العلاقات الإقليمية، ومحاولات احتواء للتوترات، وربما انفتاحات محسوبة على مسارات دبلوماسية، لكن من دون تغيير جوهري في الفلسفة العامة للسياسة الخارجية، حيث تبقى أولوية بقاء النظام، وإدارة الردع، وتثبيت عمق استراتيجي عبر أدوات متنوعة، عناصر ثابتة في المعادلة.
يتعامل المؤلف بحذر مع فكرة التقارب الإقليمي، خصوصا مع السعودية، فيراه متغيرا مهما لكنه ليس حاسما، لأن تخفيض التوتر لا يعني إعادة صياغة النظام الإقليمي، ولأن المصالح المشتركة قد تتعايش مع استمرار الشكوك البنيوية. ومن ثم فإن التقارب يقرأ كآلية لإدارة المخاطر أكثر من كونه بداية لتحالفات استراتيجية مستقرة.
ينتقل الفصل إلى مستوى أوسع من التحليل حين يربط سلوك إيران بتماسك أو انقسام النظام الدولي، موضحا أن تراجع الإجماع بين القوى الكبرى يخلق مساحات مناورة للدول المتوسطة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من ضبابية الحسابات، إذ تصبح الرسائل أقل وضوحا، وتصبح خطوط الردع أكثر التباسا، وهو ما قد يشجع بعض الأطراف على اختبار الحدود أو رفع سقف المخاطرة.
أحد أكثر مقاطع الفصل إثارة يتمثل في طرح “أفضل حالة” المستلهمة من تجربة فيتنام، حيث لا تقدم التجربة كنموذج قابل للاستنساخ، بل كعدسة تتيح التفكير في إمكانية انتقال الدول من صدام أيديولوجي حاد إلى براجماتية واقعية، وهو انتقال يحدث ليس بفعل تبدل القيم فجأة، ولكن عبر إعادة تعريف المصلحة الوطنية، وتغير إدراكات الكلفة والعائد، وتراكم ضغوط داخلية وخارجية تجعل ما كان يعد مستحيلا خيارا عمليا.
غير أن المؤلف يضع قيودا واضحة على هذا التشبيه، مشيرا إلى أن الشرق الأوسط يفتقر إلى بنية مؤسسية شبيهة بآسيان، وأن الإقليم لم يدخل بعد طور الاستقرار النسبي الذي يسمح بتحولات كبرى منخفضة المخاطر، وأن طبيعة الصراع الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل تختلف جذريا عن تجربة فيتنام مع واشنطن، سواء من حيث الجغرافيا السياسية أو من حيث امتداد ساحات الاشتباك.
يفكك النص الفروق بين الحالتين بدقة، موضحا أن فيتنام خرجت من حرب مباشرة على أرضها، بينما تتحرك إيران في صراع إقليمي ممتد متعدد الساحات، وأن فيتنام وجدت نفسها معزولة بعد انهيار السوفييت، بينما استطاعت إيران تخفيف عزلتها الغربية عبر شراكات مع روسيا والصين، وأن جنوب شرق آسيا كان في طريقه نحو الاستقرار، بينما ما زال الشرق الأوسط يعاني من اختلالات هيكلية حادة.
ومع ذلك، يلتقط الفصل تشابها مفاهيميا بالغ الأهمية، يتمثل في انتقال الأفكار داخل النخب السياسية من خانة “المحظور الأيديولوجي” إلى خانة “الخيار الواقعي”، حيث تصبح البراغماتية نتيجة تحولات تدريجية في تعريف المصلحة، لا انقلابا فكريا مفاجئا، وهي فكرة يستخدمها المؤلف لتوسيع أفق التفكير بشأن إيران دون الادعاء بأن التحول وشيك أو محتوم.
يذكر الفصل بأن إيران أظهرت مرونة تكيفية في لحظات سابقة، وأن توقيع الاتفاق النووي عام 2015 كان مثالا على قدرة النظام على الدخول في ترتيبات بدت مستبعدة سابقا، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن حدود المرونة ليست مفتوحة بلا سقف، خصوصا حين تمس القضايا جوهر الهوية الثورية أو شرعية النظام.
يتناول النص مسألة العلاقة مع إسرائيل بوصفها اختبارا صارخا لحدود الواقعية، إذ يرى أن اعتبارات الهوية، والتاريخ، والبنية السياسية، تجعل تصور انخراط إيراني بناء مع تل أبيب أمرا بالغ الصعوبة في المستقبل المنظور، مهما تغيرت الحسابات التكتيكية.
ينتقل التحليل بعد ذلك إلى شروط التحول الممكن، مؤكدا أن غياب “معمار إقليمي” هو أحد أكبر العوائق، لأن الدول لا تتحرك في فراغ، ولأن أي تحول استراتيجي يتطلب بيئة تقلل كلفة التغيير وتوفر غطاء سياسيا داخليا، وهو ما يفتقر إليه الشرق الأوسط حتى الآن.
يقترح المؤلف مقاربة تدريجية تقوم على بناء آليات خفض احتكاك، وقنوات اتصال، ومسارات تعاون اقتصادي، باعتبارها خطوات تمهيدية يمكن أن تخلق ديناميات ثقة وتوازنات مصالح تسمح لاحقا بتحولات أوسع، دون افتراض ظهور منظمة إقليمية شاملة في المدى القصير.
يتناول الفصل دور القوى الكبرى، ولا سيما الصين والولايات المتحدة، موضحا أن بإمكانهما، رغم تنافسهما، التأثير في استقرار الإقليم عبر الضغط على الحلفاء والشركاء، وعبر دعم ترتيبات تخفيف التوتر، مستشهدا بالوساطة الصينية بين الرياض وطهران كنموذج لتحول في أدوات إدارة الأزمات الدولية.
يؤكد النص أن “أفضل حالة” ليست نتاج قرار إيراني منفرد، بل نتيجة تفاعل معقد بين سلوك طهران، واستعداد القوى الإقليمية، واتجاهات النظام الدولي، وأن أي قراءة اختزالية لهذا التفاعل تفقد التحليل عمقه وتدفعه نحو استنتاجات مضللة.
في الخلاصة، يترك الفصل القارئ أمام صورة غير مبسطة: الاستمرار يبدو الاحتمال الأقرب، التحول يظل ممكنا نظريا، لكن المسافة بينهما مليئة بقيود بنيوية، وحسابات ردع، وتوازنات قوة، وتفاعلات دولية تجعل المستقبل أقرب إلى ساحة احتمالات مفتوحة منه إلى خط تطور يمكن رسمه بثقة، وهي نهاية منسجمة مع روح الكتاب التي تفضل التحليل المركب على اليقين الزائف.
التعليقات