إدانة الغرب أو حيلة الحركات الإسلامية في نقد الحداثة 

27 فبراير 2026

مارك مجدي

منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر وبدء الإبادة الإسرائيلية للشعب الفلسطينى، كانت الفرصة مواتية لتستعيد إحدى الثنائيات المميزة لعصرنا فى منطقتنا العربية صدارتها على الساحة، ثنائية مفصلية تمثل بوصلة للحركة السياسية والثقافية المصرية والعربية وينقسم على إثرها فريقان كبيران لطالما تصارعا منذ بدء لحظة التحديث القومى فى القرن الثامن عشر. أتحدث هنا عن الثنائية المنبثقة عن الموقف من المنجز الحضارى الغربى ومدى قبولنا له كشرقيين أو شرق أوسطيين أو عرب أو أيًا كان التوصيف محل السجال.

الثنائية التى نتحدث عنها هنا هى نسخة أكثر تفصيلًا من تلك التى نعرفها فى الأدبيات النقدية تحت عنوان الأصالة والمعاصرة. نحن هنا نتعامل مع موقف معقد ينبثق عنه الموقف الأصولى المحافظ الذى يريد شجب مجمل ما يأتى من الغرب ومعه منجز الحداثة كله على أثر النقد الأخلاقى له، ممكن اختصار الموقف الأصولى أو المحافظ أو التراثى الراهن فى السؤال التالى: كيف يمكن أن نثق فى الحداثة كمنظومة سياسية وفكرية وقيمية تروج لنا على أنها الأنجح بعد أن ولدت الاستعمار والإبادة متمثلة فى الصهيونية والدعم الغربى لها؟

هذه حيلة ذكية لترسيخ الموقف المحافظ الذى يريد التمسك بما هو موروث وكذلك الموقف الأصولى الذى يريد تغيير العالم نحو نموذج متخيل يسعى لتحقيق معكوس الحداثة أو نقيضها الكامل فى زمن حديث. لكن هذا الموقف يقع فى معضلة جوهرية، بل معضلة توضح حقيقة الموقف الرافض للحداثة، إنه موقف لا يعرف أنه يعيش الحداثة بكل جوانبها.

بالفعل هناك ممارسات استعمارية إبادية يمارسها الغرب أو يدعمها فى حالة إسرائيل، والممارسات الاستعمارية التى ارتبطت بالعصر الحديث كثيرة ومتنوعة، وكذا الممارسات الإبادية لشعوب بعينها، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن هل اخترعت الحداثة الاستعمار أو الإبادة؟ بالتأكيد لا، بل بالعكس، يُحسب للعصر الحديث أنه حاول أن يصنع إطارا شرعيًا دوليًا يؤكد على سيادة الدول واستقلالها وحرية تقرير الشعوب لمصيرها، غلبت القوة فى النهاية، لكن ليست الحداثة هى الغلبة بالقوة فقط هى أيضًا محاولة إيجاد نظام دولى محكوم بقوانين. بينما فى العصر الوسيط، أى العصر الذهبى الذى يريد الأصولى استعادته، كان غزو البلاد والسيطرة على ثروات الشعوب أمرًا عاديًا، لا تجد من يدينه، بل هو جزء أساسى من تشكل الدول ما قبل الحديثة أو الدول الإمبراطورية.

كيف عرف الأصولى الرافض للحداثة أصلًا أن فعل الاستعمار فعل ممكن إدانته أخلاقيًا وسياسيًا؟ لقد عرف ذلك من خلال الحداثة التى وضعت مفهوم الدولة والوطن والسيادة وحقوق الإنسان كون الدولة الحديثة أصلًا هى نتاج الحداثة، وعرف كذلك حق الشعوب فى الحياة ورفض العنصرية. بينما التراث القديم والوسيط لم يكن يعرف مثل هذا النقد للممارسات التوسعية والاستعمارية والعنصرية، عرف العصر الوسيط فى منطقتنا إبادات وإزالات لمدن بسكانها على أساس مذهبى، الأمثلة كثيرة: إبادة القرامطة والصراع المذهبى فى العهد البويهى فى السياق العباسى، ويمتد الأمر للصراع بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية.

وهكذا المشكلة الأوسع فى هذه المسألة، هى الممارسة المتحايلة التى يستخدمها الأصوليون والمحافظون باحترافية، وهى استعمال أدوات حداثية لشجب منجز الحداثة كله دون نقده نقدًا من واقع التحول نحو حداثة أفضل وأكثر إنسانية وأكثر استيعابًا للشعوب، يمتد هذا الموقف من السياسة للثقافة، وربما أفضل من مارس هذه الحيلة هو عبدالوهاب المسيرى على مستوى الفكر. المسيرى، فى مشروعه الضخم «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية»، استند إلى مناهج العلوم الإنسانية الحديثة من التحليل السوسيولوجى المقارن، والنماذج التفسيرية الكلية، وأدوات النقد الحضارى المستمدة من الفلسفة الغربية ذاتها، بل اعتمد على أرشيف ومراجع أكاديمية غربية فى الأساس. حين صاغ مفهوم «النموذج المعرفى» أو ميّز بين «العلمانية الجزئية» و«العلمانية الشاملة»، كان يتحرك داخل أفق إبستمولوجى حداثى تشكل فى قلب الفكر الأوروبى والأمريكى. لقد استخدم أدوات الحداثة المفاهيمية، ولغتها التحليلية، ومنهجها الموسوعى، لكى يدين الحداثة بوصفها نسقًا ماديًا عدميًا شاملًا. وهنا تكمن المفارقة: نقده لم يكن ممكنًا خارج الشروط المعرفية التى أنتجتها الحداثة نفسها. يمثل المسيرى المثال الأوضح على توظيف المنجز الحداثى فى بناء خطاب يعلن القطيعة معه، دون أن يعترف بأن أرضيته المعرفية نفسها حداثية فى بنيتها وأدواتها وهنا تكمن المفارقة التى تفجر مشروع المسيرى برمته.

لا يريد المسيرى ولا الفريق الأصولى الرافض للحداثة أن يعترف بأن ما نمر به اليوم هو مرحلة ارتداد الغرب على قيم الحداثة ومبادئها وليس قناعًا سقط كما يرددون، فمثلما لديها خصوم هنا فهى لها خصوم هناك، هم المتطرفون والأصوليون والرافضون للقيم العقلانية والتنويرية من صهاينة ويمين متطرف لا يعترف بالمواطنة والديمقراطية وتقدم المجتمع وحق الإنسان.

المصدر: صحيفة المصري اليوم

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...