د. إبراهيم حدكي
ليس خافيا على الباحثين والدارسين لتاريخ المغرب الأخلاقي أو الاجتماعي أو الديني أو غيرها من أضرب ومجالات التاريخ المختلفة، ذلك الحضور التراكمي والمتعدد لشخصية الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في المجال التداولي المغربي، بحيث إن هذا الحضور النبوي في تاريخنا المغربي هو حضور مركزي، وإن شئت قلت حضورا موجها وهاديا وبانيا في آنٍ ذاته.
فهو ليس مجرد حضور ديني نسكي مقتصر على كتب الدين والتدين، أو خاص بمجال التعبد والزهد، أو على من يسعى في خاصة نفسه إلى تحصيل الأجر الدنيوي متوسلا بمحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل عمل يقرب إلى حاله الشريف.
بل إن شخص النبي الكريم، بما هو وحدة قياسية معيارية نموذجية للكمالات الأخلاقية التي يُهتدى بها، قد انتقل من الديني إلى الحضور العمراني والأخلاقي والاجتماعي، فهو يشكل الخيط الجامع والإطار الناظم لشخصية الإنسان المغربي.
لقد اجتمعت في الهوية المغربية عرامة النبض النبوي كرما وتعاونا وأخلاقا وصفات حسنة وغيرها، وترسخت في نفوس أهل المغرب أوصاف الوقار والإجلال، وتغنوا بمقامات المحبة والشوق، وظهر في سلوكهم رحمة بعضهم ببعض، وتعايشهم مع مختلف الأجناس دون حيز أو ميز، فرغم بُعد الشقة بينهم وبين المقام النبوي جغرافيا، إلا أن الحضور النبوي في وجدانهم كان أقرب إليهم من أنفسهم، بل إنه الحضور النبوي هو ساكنهم ومحرك لواعج المحبة والإبداع في أنفسهم، فأحبوا من جاءهم ممن هو من نسل الجناب النبوي، وأحبهم من خالطهم وجاورهم واستقر بموطنهم، فهم بحق استمدوا من المقام النبوي الشريف وأمدوا غيرهم كما هو مبسوط في التاريخ.
إن مظاهر الحضور النبوي في المجال المغربي مما يطول بذكره المقام، ولكن نشير فقط إلى خلق ومبدأ التوقير وما يقترن به معتقدين أنه أصل هذا الفضل.
لقد أبدع المغاربة إبداعا عجيبا في إجلال النبي الكريم وكل ما يحقق الوصال به، وهذا أجل من أن يحصى، فقد أفاضت كتب التاريخ والطبقات والأخلاق بذكرها، بما يذهل دارسها والناظر إليها، ولكن لا بأس أن نشير إلى ما يعين على إدراك المقصود وتنوير العقول، فمن ذلك أنهم حققوا هذا الميسم الحسن بوسائل مختلفة، منها الكتابات الكثيرة والتآليف المتفردة، التي حازت قصب السبق في التاريخ الإسلامي ولم يسبق إليها، ككتاب الشفا للقاضي عياض اليحصبي، والروض الأنف للسهيلي، والقصيدتين الماتعتين “البردة والهمزية” للإمام البوصيري، ودلائل الخيرات، وغير ذلك كثير.
وقد ظل المغاربة بمختلف مكاناتهم الاجتماعية أوفياء محافظين على قراءة كتاب الشفا في مختلف مؤسساتهم الدينية، استمدادا للآداب النبوية في تحقيق السلم الداخلي والسلم الكوني، كما حافظ المغاربة وإلى الآن على ختم الجامع الصحيح للإمام البخاري في مجالسهم وفي مختلف أرجاء المملكة، تحقيقا للوصل بالجناب النبوي الكريم وصيانة لكل ما يرتبط به أو يذكرهم به.
كما وُجدت مظاهر التعلق بالرسول الكريم في العادات الاجتماعية للمغاربة، فقد كانت صيغ الصلاة والسلام على رسول الله حاضرة بطرائق وكيفيات مختلفة في الحفلات والأفراح والمناسبات الاجتماعية، بل في كل التجمعات التي تقوم على مبدأ التضامن والتعاون، فكأن الصلاة على رسول الله بما هي مظهر من مظاهر التوقير، مفتاح لما أغلق وتوسل به صلى الله عليه وسلم، لأن يكشف الحق ما أشكل على الخلق.
وقد شكلت أسماء الرسول الكريم وصحابته الأماجد، إحدى السمات الملازمة للأسر المغربية، فلا تكاد تخلو أسرة مغربية من حضور الاسم والوسم النبوي أو كل ما يتصل به من أوصاف، أو أخلاق أو قيم أو غيرها، وهنا لا يفسر الأمر بوجود مقتضيات التعبد الأصلية فحسب، ولكن باعثه هو وجود محبة خاصة للمقام النبوي الشريف، بحيث إن هذا المقام بعد أن صار موجها، صار هو الوجهة، يتحاشى المغاربة الإدلاف عنها مخافة فقدان البوصلة الروحية.
إن هذا الاستمساك بعرامة النبض النبوي، تظهر آثاره في قيم المغاربة وتماسكهم الاجتماعي وتلاحمهم فيما بينهم، كلما حل بهم خطر يهدد وحدتهم ووطنهم وأمنهم الروحي.
إن ما انبجس في المجتمع المغربي، من قيم أصيلة وأخلاق حميدة، وانضباط محكم، وتآزر وتعاون بين مختلف مكونات هذا المجتمع الأصيل في مختلف المناسبات، ليجلي بصورة لامعة ذلك التعلق بالقيم النبيلة التي استمدها المغاربة من الجناب الشريف، والتي كانت دائما ميسما متفردا ومميزا للمغاربة عبر التاريخ.
إن هذا المسلك الأخلاقي لأهل المغرب، وهذه القيم التي تنساب فيما بينهم وتسري منهم إلى غيرهم تساكنا وإحسانا، وهذا التعلق المتميز لهم بالجناب النبوي الكريم، من أهم المداخل المُشكِّلة والمؤسِّسة للأمن الروحي في إطار توابث أخرى ناظمة وجامعة.
إن ما ذكر هو حقائق يقينية، ومواقف مشرقة، ومظاهر واقعية، لا يمكن أن تغيرها عاطفة افتراضية أو خاطرة تعبيرية، قد تقع سهوا أو خطأ أو غيرها من الأوصاف التي تسري على الإنسان، فمع طول الأمد ينمحي النسيان وتتغير العواطف، وتتقلب الخواطر، وتبقى الحقائق التاريخية والواقعية راسخة وضاءة، ويبقى نور الشوق ساريا ينير درب الحائرين، ويهمس في قلب التائهين، ويعصم القاصدين سبل الصيانة والتحصين لأمنهم الروحي والوجداني من كل شائبة قد تلحق بهم الأدران.