أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية (3)
محمد المهدي اقرابش
المبحث الثاني: السيرة النبوية في كتابات علماء المسلمين والمستشرقين
لقد اعتنى الصحابة رضي الله عنهم، منذ فجر الإسلام، بسيرة وحياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ للاقتداء به واتباع سنته، فأسسوا بذلك لحضارة إسلامية مبنية على منهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتعامل مع الآخر، وهي حضارة قائمة على النفع العام، والتيسير، والتبليغ ونبذ الإكراه، امتثالًا لقول محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس»، وقوله: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». وقد شكّل هذا الوعي بالسيرة إطارًا ومرجعا حضاريًا أسهم في بناء مجتمع إنساني متماسك، قائم على العدل والرحمة والتعايش، وهي قيم ينتقل أثرها من البيئة الإسلامية إلى الإنسانية جمعاء.
وسار على نهج الصحابة التابعون، كالشعبي، وأبان بن عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير وغيرهم، فتتبعوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجمعوا أخبارها، إدراكًا منهم لأهمية حفظ النموذج النبوي باعتباره مرجعًا أخلاقيًا وحضاريًا للأمة. وقد أسهم هذا الجهد في ترسيخ الوعي التاريخي الإسلامي، وربط الأجيال اللاحقة بجذورها القيمية، مما ساعد على استمرار المشروع الحضاري الإسلامي عبر العصور.
ويُعدّ عروة بن الزبير، من كبار التابعين والفقهاء السبعة، ومن أوائل من دوّنوا في المغازي من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت رواياته متناثرة. فقد روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وجاءت بعض رواياته في الصحيحين وغيرهما، من طريق ابنه هشام بن عروة، ومن طريق أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل.
واشتهر في عصر التابعين ايضا موسى بن عقبة برواية السير والمغازي، وقد كان له أثر حضاري واضح في ربط السيرة بالوقائع التاريخية والعسكرية، بما يُبرز أخلاقيات الحرب في الإسلام، وقيم ضبط القوة، واحترام الإنسان، وهي معانٍ إنسانية صححت كثيرا من التصورات عن الصراع والحروب في الحضارات المختلفة.
ثم جاءت مرحلة الإمام محمد بن إسحاق، الذي أخذ عن الإمام الزهري، وأسس لعلم السيرة النبوية تأسيسًا متينًا، فصار بذلك مرجعًا في موضوعات السيرة، لما جمعه من أخبار شاملة عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي. وقد كان لعمله أثر حضاري بالغ، إذ نقل السيرة من مجرد روايات متفرقة إلى علم مستقل يخدم فهم نشأة الدولة الإسلامية وتطورها. فإمامة محمد بن إسحاق في هذا الفن ظاهرة رغم رفض الإمام مالك لأقواله، غير أن الإمام البخاري قد وثّقه وذكره في تاريخه، مما يدل على مكانته العلمية وأثره العميق في تشكيل الوعي الحضاري الإسلامي.
ثم هذّب ابن هشام الحميري البصري سيرة ابن إسحاق، فحذف منها إسرائيليات، وأثبت روايات وقصصًا وأشعارًا، وعلّق عليها، فصارت سيرة ابن هشام مرجعًا رئيسًا لكثير من الفقهاء والمؤرخين. وقد أسهم هذا التهذيب في تنقية السيرة، وترسيخ المنهج النقدي في التعامل مع المصادر، وهو بعد حضاري مهم أسهم في بناء عقلية علمية نقدية كان لها أثرها في تطور العلوم الإنسانية داخل الحضارة الإسلامية.
وألّف محمد بن عمر الواقدي في المغازي، وقد ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك بقوله: “كان الواقدي من المتسعين في العلم”، وذكره الذهبي فقال: «أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه…ومع هذا فلا يُستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم».
تعكس هذه الأقوال وعي العلماء بأهمية المادة التاريخية لكتب السير في فهم التجربة الحضارية الإسلامية، مع التنبيه المنهجي على ما يشوبها من ضعف، وهو ما يخدم الإنسانية في ترسيخ مبدأ النقد العلمي وعدم التقديس المطلق للنصوص التاريخية.
ثم توالت بعد ذلك مؤلفات ومصنفات كثيرة، من أبرزها الروض الأنف للإمام السهيلي، الذي لخص وشرح فيه سيرة ابن هشام، مهتمًا بالنحو والبيان واللغة، مما أضفى على السيرة بعدًا حضاريًا لغويًا وأدبيًا، خدم اللغة العربية بوصفها وعاءً للمعرفة الإنسانية.
ويُعدّ كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض كتابًا علميًا حضاريا متميزًا، عقد فيه أبوابًا لم يتطرق إليها أصحاب السير من قبل. فذكر في القسم الثاني من كتابه حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على الأنام من حيث محبته، والإيمان به، واتباعه. قرر القاضي عياض أن محبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كاملة وغير منقوصة إذ أن المحبة تنبني على أسباب ثلاثة، اجتمعت له صلى الله عليه وسلم، وهي:
* جمال الصورة والهيئة والخِلْقَة.
* جمال الخُلُق والصفات.
* الإحسان والإنعام منه صلى الله عليه وسلم على أمته ورحمته بها.
تعكس هذه الأسباب رؤية حضارية متكاملة للإنسان الكامل لأنها تجمع بين الظاهر والباطن، والجمال الحسي والمعنوي.
ومن الكتب النافعة أيضا في السيرة النبوية “الرحيق المختوم ” لصفي الرحمن المباركفوري، عرض فيه السيرة بأسلوب علمي يخاطب الإنسانية بلغة العصر. وكتاب “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي” لمصطفى السباعي، خاصة فيما يتعلق بردوده على الاستشراق والمستشرقين، ذابا بذلك عن السيرة النبوية في سياق حضاري عالمي، وقد أجاد في نقده للاستشراق بغض النظر عن رؤاه في مجالات لا تتعلق بالسيرة النبوية الشريفة. وتُعدّ مؤلفات وكتابات محمد مصطفى الأعظمي وردوده على المستشرقين من أهم الجهود المبذولة في إعادة الاعتبار للمصادر الإسلامية في الدراسات الإنسانية المعاصرة.
وجدير بالذكر أن هذه الكتب تستمد مادتها الأساسية من مصادر متنوعة، في مقدمتها القرآن الكريم، ثم كتب السنة، بما تحتويه من كتب المغازي والشمائل والخصائص والدلائل، إضافة إلى كتب الطبقات والأنساب والتاريخ. ويُبرز هذا التنوع في المصادر ثراء المكتبات الإسلامية في توثيق التجربة النبوية لسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعه بين البعد الإنساني والديني والتاريخي والسياسي والثقافي والاجتماعي.
لقد بسطت هذه المصادر، على تنوعها وغناها، سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فذكرت كمقدمات بين يدي السيرة بدء الخلق وإهباط آدم وزوجه إلى الأرض، وأحوال الأمم وتاريخ مكة، والقبائل التي تداولت عليها، وذكرت أجداد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واصطفاء الله لإبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام، ثم اصطفاء كنانة، ثم قريش، ثم بني هاشم، واصطفاء سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، فهو خيار من خيار. ثم عرضت هذه المصادر لحياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم دون إغفال أي جانب من جوانب شخصيته الشريفة. وهذا التنوع في المصادر ينم عن رؤية حضارية شاملة للإنسان والزمان والمكان.
تكتسي مصادر الحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية العطرة على تنوعها وغناها، أهمية كبرى في الارتقاء الحضاري للشعوب والدول. لهذا ما فتئ مولانا أمير المؤمنين، الملك محمد السادس حفظه الله، يولي عناية خاصة بالحديث الشريف والسيرة النبوية رواية ودراية، فهمًا وتطبيقًا. ولا أدل على ذلك من إصداره – حفظه الله -، جرياً على هدي أسلافه الميامين، أمره السامي بإنشاء كرسي علمي بالحديث وعلومه، موجه بشكل خاص إلى القيمين الدينيين وإلى غيرهم؛ مع التأكيد على ضرورة الاعتناء بالسيرة النبوية بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على مولد سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. تُبث هذه الدروس – بحمد الله- على قناة محمد السادس “السادسة” المغربية للقرآن الكريم، وكذا على موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعلى منصات المجالس العلمية والمواقع الإلكترونية المختلفة والمخصصة لهذا الغرض. تعكس توجيهات أمير المؤمنين حرصه الدؤوب على ترسيخ الإيمان وقيم الرحمة والوسطية والحوار والتعايش والانفتاح الحضاري، وهو ما يبرز البعد الحضاري للنهج الملكي في تعزيز التواصل بين الشعوب والثقافات.
مواقف بعض المستشرقين من السيرة النبوية الشريفة
أقرّ عدد من المفكرين والباحثين الغربيين المنصفين منهم بنموذجية ومثالية السيرة النبوية في الحضارة الإنسانية، أذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر. ففولتير الفرنسي، بعد أن كان مناوئًا للإسلام، اعتبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم شخصية استثنائية في التاريخ البشري، ومدح سيرته في دفاعه عن الحرية الدينية والعقلانية والعدل في التشريع، مقارنًا بذلك بين حكمة الإسلام في القيادة والقيادات الأوروبية في عصره.ورأى جون جاك روسو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أسس حضارة قائمة على عقد اجتماعي يوازن بين الفرد والمجتمع ويحقق قيمًا مشتركة .وأما غوستاف لوبون فقد احتفى بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ،وحضارته التي أعطت نموذجا راقيا في تنظيم المجتمع.و أثنى فيكتور هيغو على قيم العدالة والرحمة الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته الشهيرة بعنوان “العام التاسع للهجرة”.كما أعرب ألفونس دو لا مارتين عن إعجابه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر ألفونس إتيان دينات في كتابه “محمد رسول الله” أن الإسلام كدين قد تم تنظيمه بدقة شديدة حتى في أصغر تفاصيله، مؤكدًا على العدالة والمساواة.
وأشار توماس أرنولد إلى البعد الحضاري للسيرة النبوية في نشر العقيدة الإسلامية وتنظيم المجتمع العربي.
وأما زيغريد هونكه الألمانية، فإنها بينت في كتابها “شمس الله تسطع على الغرب”، أثر الدين الحنيف الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم والحضارة الإسلامية التي أنتجها على الغرب. أما الأديب الألماني يوهان جوته فقد نظم شعرا عظيما في مدح النبي صلى الله عليه وسلم واعترف بفضله وقال: “لم نصل نحن في أوروبا إلى ما وصل إليه محمد، ولن يتقدّم أحد عليه”
وامتد الثناء إلى الأديب الروسي تولستوي الذي راسل شيخ الأزهر محمد عبده فكتب كتابا جمع فيه ستمائة حديث نبوي شريف وأسماه “من حكم محمد” وقال: “يكفي محمداً فخر أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم”.
وهؤلاء المنصفون من المستشرقين قلة في مقابل الأغلبية الذين يشتغلون بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهم غالبا يستندون إلى ما ذكر أسلافهم وما دسوه في دراساتهم من أخطاء ومغالطات، قد تولى الرد عليها وتفنيدها كما سبق ذكره من عدد من العلماء والباحثين، كمحمد مصطفى الأعظمي، في كتبه العلمية ككتابه «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه”وكتابه ” دراسة نقدية لكتاب أصول الشريعة المحمدية للمستشرق شاخت «. ومصطفى السباعي في كتابه:” الاستشراق والمستشرقون: مالهم وما عليهم” وكتابه: “السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي”.
وأشير في هذا الصدد إلى مشاركتي عام2017 ضمن فعاليات ملتقى دولي حول السيرة النبوية، تحت عنوان: ” النبوات في الإسلام: خطابات وتصورات” وذلك في إطار الأكاديمية الصيفية للعلوم الإسلامية نظمتها جامعة إيكس أون بروفانس، وجامعة السوربون برعاية من المكتب المركزي للديانات الفرنسي التابع لوزارة الداخلية الفرنسية وبشراكة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث، وقد شارك في هذا الملتقى الذي استغرقت مدته عشرة أيام باحثون من عدة دول إسلامية وغربية.
تناولت المداخلات مواضيع متعددة تشمل: دلائل النبوة، وعصمة الأنبياء والمعجزات والسيرة والمغازي وقصص الأنبياء وتصور المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والدلالة الصوفية لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومسألة التوسل والشفاعة والاستغاثة، ونظرية الإنسان الكامل.
أشرف على التأطير الأكاديمي في هذا الملتقى كل من بول هيك، أستاذ الأديان والدراسات الإسلامية بجامعة جورج طاون بواشنطن. و ريشموت ستيفان أستاذ الاستشراق والأدب العربي والعلوم الإسلامية بالجامعة الألمانية، بوخوم. وآن سيلڤي بواليڤو، أستاذة متخصصة في الدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورغ.
سجلت خلال أشغال الملتقى أن هناك أعمالا تتميز بالعلمية ولكنها قليلة بالمقارنة مع ما نقرأه في دراسات غير دقيقة، وغير موضوعية نتجت عن جهل باللغة العربية وقواعدها وأصولها أو عن ترويج إعلامي ودعم تقدمه بعض المؤسسات لأهداف لا تتوخى بالضرورة الموضوعية والعلمية.
والخلاصة أن أغلب هذه الدراسات تعتمد أساسا على ما ذكره المستشرقون الأوائل في كتاباتهم كغولد تسهير وشاخت ومونتغمري وات وغيرهم.
التعليقات