أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية (2)

26 مارس 2026

محمد المهدي اقرابش

مقدمة:
تُعدّ السيرة النبوية من أهم العلوم وأشرفها وأنبلها، لأنها تُعنى بحياة سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فهي الترجمة العملية لديننا الحنيف، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. ومن هذا المنطلق، تمثل السيرة النبوية مرجعًا حضاريًا جامعًا، يجمع بين الهداية الدينية والبناء الإنساني، ويجسد منظومة القيم العليا التي أسهمت في توجيه مسار الحضارة الإسلامية وتأثيرها في غيرها من الحضارات.
وتتجلى هذه القيم بأبهى صورها في شخصية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يمثل نموذجًا حضاريًا ومثالًا راقيًا لمن أراد أن يحيا حياة كريمة وطيبة، فهو خير الناس وأحسنهم سيرةً وخُلُقًا على الإطلاق، وقد جمع بين السمو الروحي والرقي الأخلاقي والوعي الاجتماعي، مما جعله قدوة إنسانية لكل زمان ومكان، تتجاوز حدود الانتماء الديني أو الثقافي. وقد “سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُقه صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان خُلُقه القرآن”. وقد اهتمّ الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من علماء الإسلام بدراسة مراحل حياته الشريفة من حيث نسبه، ونشأته، وشمائله، وبعثته، ودعوته، وهجرته، وغزواته، وبعوثه، وسراياه، وأصحابه من المهاجرين والأنصار، معتمدين على القرآن الكريم والسنة النبوية، وما تضمنته من روايات الصحابة والتابعين، في كتب الحديث والتاريخ والأدب والسير. وحقا؛ قد أسهم هذا التتبع الدقيق في حفظ الذاكرة الحضارية للأمة، وتقديم نموذج تاريخي موثوق يُحتذى به في بناء المجتمعات. فما اجتمع لنبي من الأنبياء كما اجتمع لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث تتبع آثاره، وتطلب أقواله وأفعاله وتصرفاته، وإمامته للاقتداء به في كل شأن، مهما صغر أو كبر.
المبحث الأول: التعريفات المفاهيمية
1. الأسس لغة واصطلاحا:
الأسس لغة: جمع أساس، وهي كلمة قرآنية وردت بصيغة الفعل (أُسِّس) في سورة التوبة، وهي من الألفاظ العربية القديمة. والأُسّ، والأسَس، والأساس، معناها أصل الشيء وقاعدته التي يُبنى عليها، وفي المعاني يُقال: أساس الأمر، أي قوامه وما يُعتمد عليه، وهو الأصل الثابت الذي يقوم عليه الشيء حسًّا ومعنًى. وفي الاصطلاح: يُفهم الأساس من الناحية الفلسفية المرجعية الفكرية، أو الدينية، أو القيمية التي تُوجّه التفكير والسلوك الإنساني. ومثال ذلك أن أساس الأخلاق هو المبدأ الذي تُستنبط منه الواجبات الجزئية. ويُبرز هذا المفهوم البعد الحضاري للأسس بوصفها الضابط الناظم للعلاقات الإنسانية، والموجّه لسلوك الأفراد والجماعات داخل الحضارات المختلفة.
2. التواصل لغة واصطلاحا:
التواصل لغة: من وصل وتواصل تواصلا خلاف صرم وتصارم تصارما والتواصل يقتضي التفاعل المستمر بين طرفين أو أكثر مع بقاء الصلة. توصل إليه، أي انتهى إليه وبلغه وتلطف حتى وصل إليه
ويُطلق من الناحية الاجتماعية على العلاقات الانسانية مثل صلة الرحم والمودة. وهو عملية ناتجة عن تبادل المعاني، أو المعلومات، أو المشاعر، بين طرفين أو أكثر، باستخدام اللغة، أو الرموز، أو الإشارات، أو الوسائط المختلفة، بهدف الفهم والحوار والتأثير المتبادل.
والكلمة من الجذر (و ص ل)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، وهو ما يبرز البعد الحضاري للتواصل باعتباره أداة لربط البشر بعضهم ببعض، وتجاوز القطيعة والصراع نحو التعارف والتعاون.
3. الحضارة لغة واصطلاحا:
الحضارة كلمة من الجذر (ح ض ر)، ويقابلها عند ابن خلدون مفهوم البداوة.
وفي الاصطلاح: هي مجموع المنجزات المادية والمعنوية التي يُبدعها الإنسان في مجتمع معين، وتشمل القيم، والعلوم، والفنون، والنظم، وأنماط العيش. وهي انتقال من الهمجية إلى المدنية، ومن الطبيعة إلى التنظيم الاجتماعي والقانوني، وتدل على تطور المجتمع بعد مرحلة البداوة. وقد ربطها ابن خلدون في الثقافة العربية والإسلامية بمفهوم العمران والاستقرار والعصبية.
4. السيرة النبوية لغة واصطلاحا:
السيرة لغة عند ابن منظور: هي الطريقة، يُقال سار بهم سيرة حسنة، والسيرة الهيئة، وفي التنزيل الكريم: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾، وسَيرُ السيرة: حديث الأوائل. وبذلك يكون معنى السيرة النبوية في اللغة ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من السنة، والطريقة، والهيئة، وأحاديث الأوائل.
أما اصطلاحًا، فهي دراسة شاملة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسلوكه، وأثره في المجتمع، وفي الحضارة الإنسانية، بهدف الاستفادة الدينية، والتربوية، والأخلاقية. وهي علم من علوم السنة قائم بذاته. أما في الفكر الغربي أو الاستشراقي، فتُدرس السيرة بوصفها موضوعًا تاريخيًا وثقافيًا في سياق اجتماعي وسياسي، وغالبًا ما تُفصل عن الإيمان والدين، بدعوى الموضوعية والعقلانية. في حين أنها تشكل نموذجًا حضاريًا يجمع بين البعد الإيماني والبعد الإنساني.
التعريف الإجرائي للعنوان:
” أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية” أقصد به مجموعة من القيم والمبادئ التي يُبنى عليها التواصل بين الثقافات، والأديان، والحضارات المختلفة، بما يحقق التعارف الإنساني، ويُسهم في إرساء السلم والتعاون بين الشعوب، انطلاقًا من السيرة النبوية بوصفها مرجعًا دينيًا وحضاريًا جامعًا.

يُتبع

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...