أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية. المقالة الأولى

25 مارس 2026

محمد المهدي اقرابش

الإطار العام:

يمكن إدراج هذا المقال الموسوم ب: “أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية” ضمن الأنشطة الدينية والعلمية التي تهدف إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنا على مولد سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. جاء هذا الاحتفاء استجابة للرسالة المولوية الشريفة التي تفضل مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتوجيهها إلى المجلس العلمي الأعلى، والمتعلقة بالعناية المتجددة بالسيرة النبوية. وقد حظيت بشرف المشاركة بهذا المقال استجابة لدعوة كريمة من المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة.

يهدف المقال إلى ربط السيرة النبوية الشريفة بموضوع التواصل الحضاري، وإبراز أهميتها للإنسانية عامة ولنا كمسلمين مواطنين في المجتمعات الغربية خاصة، إذ يسهم هذا المقال في إبراز الصورة المشرقة والحضارية لشخصية نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا في علاقته مع الآخر. ولما لمثل هذه الدراسات والبحوث من كبير أثر في تعزيز الفهم العلمي والتطبيق العملي لمبادئ السيرة النبوية.

انطلاقًا من هذا الهدف، ارتأيت تناول موضوع “أسس التواصل بين الحضارات في ضوء السيرة النبوية” مستلهما مضامينه من أربعة نصوص نبوية في سياقات اعتبرها نماذج جامعة ومؤسِّسة لمبادئ التواصل الحضاري، وهي كما يلي:

أولًا: حلف الفضول:

يُعدّ حلف الفضول، الذي أقرّه النبي محمد صلى الله عليه وسلم نموذجًا مبكرًا للتعاون الإنساني القائم على العدل ونصرة المظلوم، رغم انعقاده في الجاهلية. فقد كان تعاقدًا بين بعض أفخاذ قريش (هاشم وزهرة وتيم) على الوقوف صفًّا واحدًا مع المظلوم حتى يُؤدّى إليه حقه. وقد أثنى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف لما تضمنه من قيم إنسانية سامية، فقال: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت…” وسماه في موطن آخر: حلف المطيبِين كما في الرواية الأخرى عند الإمام أحمد. فهذا الحلف يمثل أساسًا حضاريًا للتعاون الإنساني العابر للاختلافات الدينية والثقافية، والقائم على العدل، والمساواة، ونصرة المظلوم، وهو ما يجعله نموذجًا لتحالف القيم الإنسانية المشتركة.

ثانيًا: وثيقة المدينة (الصحيفة):

تُعدّ وثيقة المدينة من أهم النصوص المؤسسة للتنظيم المجتمعي والتعايش المشترك في الإسلام، إذ وضع بها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم دستورًا ينظم العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع، ويُقرّ المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز ديني أو عرقي. وقد أرست الوثيقة مبادئ كبرى، من أبرزها المواطنة، والعدل، والعيش المشترك، والتكافل، وإدارة التنوع كما جاء في نصها: ” بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس… وإن المؤمنين المتقين على من بغى بينهم… وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرِين عليهم… وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين… وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم… وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم”.

وتكشف هذه الوثيقة عن رؤية نبوية رائدة في بناء مجتمع متعدد الديانات والثقافات، قائم على العدل والاحترام المتبادل وحفظ الحقوق.

ثالثًا: خطبة حجة الوداع:

تُمثل خطبة حجة الوداع إعلانًا إنسانيًا كونيًا لحقوق الإنسان والقيم الأخلاقية العامة. فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم التاسع من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة، وحوله ما يقارب مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا من المسلمين. وكان الصحابي ربيعة بن أمية بن خلف رضي الله عنه يردد كلمات النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري ليسمعها الناس، في مشهد تجلّت فيه قدرة الله تعالى في إيصال خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحاضرين.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة على حرمة الدماء والأموال والأعراض، والمساواة بين البشر، في وحدة الأصل الإنساني، فقال: ” أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا… إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى… ألا هل بلغت، اللهم فاشهد”. وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع:” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت..”.

رابعا: صلح الحديبية:

في السنة السادسة للهجرة عقد النبي محمد صلى الله عليه وسلم صلحا مع قريش، بعد أن خرج ومعه نحو ألف وأربعمائة صحابي قاصدين البيت الحرام لأداء العمرة. فكتب علي بن أبي طالب وثيقة الصلح وكانت بين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش في شخص سهيل بن عمرو. وصيغتها ما يلي:

“باسمك اللهم. هذا ما صلح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين يأمن فيهم الناس ويكف بعضهم عن بعض. (على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا، أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله). على أنه من آتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريش ممن مع محمد لم يردوه عليه. وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.

وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب السيوف في القرب ولا تدخلها بغيرها. وعلى أن الهدى حيث ما جئناه ومحله فلا تقدمه علينا. أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين”.

يُتبع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...