‎أزمة التمييز المقامي في الفقه المعاصر: نقد المنهج والوعي

24 مارس 2026

‎أحمد المهداوي
‎في زمن تتكاثر فيه الفتاوى وتتنازع فيه الخطابات الدينية حول تمثيل الشريعة وتأويلها تبرز الحاجة الماسّة إلى مساءلة المنهج قبل مساءلة النتائج، وإلى تفكيك آليات الفهم قبل الانشغال بتعداد الأحكام، ومن هذا الأفق النقدي تنطلق قراءة الدكتور إسماعيل الحسني، أستاذ مقاصد الشريعة والفقه المعاصر بجامعة القاضي عياض-المغرب، حيث لا يتوجه بالنقد إلى جزئيات فقهية معزولة، بل ينفذ إلى عمق الإشكال الكامن في بنية الوعي الفقهي ذاته، وفي المنهج الحاكم لعلاقة النص بالواقع، والحكم بمقامه، والفتوى بأثرها الأخلاقي.

‎يستند الدكتور الحسني في قراءته الموسومة بـ«الفقيه والبضاعة النقدية المزجاة» إلى أطروحة مركزية مفادها أن الخطاب الشرعي لا يُفهم إلا داخل شبكة دقيقة من المقامات والسياقات؛ فمن خلال هذه القراءة يأسس لرؤية نقدية عميقة لمأزق الفقه المعاصر، لا من زاوية الأحكام الجزئية بل من زاوية المنهج الحاكم للفهم والتنزيل؛ فالمقال ينطلق من مسلّمة مركزية مفادها أن الوجود الإنساني محكوم بتعدد المقامات، وأن المكلَّفين –عوامًا كانوا أو خواص، حكّامًا أو محكومين– لا يستوون في مواقعهم ولا في مقتضيات الخطاب الموجَّه إليهم، وبالمثل فإن التصرفات القولية وغير القولية لا تُفهم إلا داخل مقاماتها التي صدرت عنها إذ يختلف الحُكم باختلاف المقام، ويتغيّر المعنى بتغيّر الموقع والوظيفة والسلطة.

‎من هذا المنطلق، يلفت الكاتب إلى أن التصرفات النبوية نفسها –وهي أرفع ما يُحتجّ به في الشريعة– لم تكن على نسق واحد بل توزعت بين مقام التبليغ عن اللّٰه، ومقام الفتوى، ومقام القضاء، ومقام الإمامة والسياسة، ومقام التدبير البشري المرتبط بظروف الزمان والمكان، وإن إغفال هذا التمايز الدقيق يُفضي حتمًا إلى اضطراب في الفهم، وإلى إسقاط غير مشروع للأحكام، وإلى تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تجريدها مما شُرعت من أجله.

‎غير أن الإشكال، في نظر الدكتور الحسني، لا يقف عند حدود الخطأ العلمي بل يتجاوزه إلى خلل أعمق يمسّ بنية الوعي الفقهي المعاصر، ففقيه الوقت –كما يصوره– يعاني ضعفًا في “بضاعته النقدية”؛ أي في قدرته على التفريق، والتمحيص، والتحرر من الجاهز والموروث حين يتعارض مع مقاصد الشريعة وروحها، هذا الضعف لا ينشأ فقط من قصور في التكوين الأصولي وإنما من غياب الاستقلالية العملية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم موقف الفقيه عند تعريفه بالحكم الشرعي وتنزيله على الواقع.

‎ويبرز هنا نقد لاذع لحالة الغفلة عن سياق الخطاب الشرعي ومقامه حيث يتعامل بعض الفقهاء مع النصوص وكأنها خطابات مجردة، صالحة للتعميم الآلي، دون اعتبار لمن خوطب بها، ولا للسلطة التي صدرت عنها، ولا للمصلحة التي راعتها، وفي هذا التجريد تتآكل حيوية الشريعة، وتتحول من خطاب هداية وتنظيم أخلاقي إلى منظومة أوامر جامدة قابلة للتوظيف والتبرير، وفوق ذلك إضفاءً للمشروعية على الظلم والتناقض.

‎والأخطر، كما يبين الدكتور الحسني، أن عدم التنبه للفروق المقامية لا يظل حبيس دائرة “الضلال الفكري” بل قد ينقلب إلى “فسوق” أخلاقي حين يُفتى بما لا يحل، أو يُخرق الإجماع، أو يُناقض المعلوم من الدين بالضرورة باسم الجهل أو التسرع أو التبعية.

‎وفي هذا السياق يستحضر الكاتب تحذير الفقيه الأصولي الناقد شهاب الدين القرافي الذي قرر بوضوح أن الجهل بالفروق في الفتوى قد يوقع صاحبها في الفسوق وخرق الإجماع في دين اللّٰه، لا لشيء إلا لعجزه عن إدراك المقامات ومقتضياتها.

‎بهذا المعنى، لا يقدّم الدكتور الحسني، مجرد مرافعة ضد فقيه بعينه، ولا ضد اتجاه فقهي محدد ولكنه يوجّه نقده إلى نمط من الوعي الفقهي فقد حساسيته للسياق، وغفل عن العلاقة العضوية بين النص والواقع، وبين الحكم ومقاصده، وبين الفتوى وأثرها الأخلاقي، وهو بذلك يذكر بأن الفقه ليس تكديسًا للأقوال، ولا ترديدًا لما قيل، بل مسؤولية علمية وأمانة أخلاقية، لا تستقيم إلا بوعي المقامات، وبصيرة المقاصد، واستقلال الضمير.

‎إن الرسالة الضمنية التي تحملها قراءة الدكتور إسماعيل الحسني واضحة مكمنُها في كون الفقيه الذي لا يميّز بين المقامات، ولا يتحرر من بضاعته المزجاة، لا يخطئ فقط في الفهم بل إنه يعرّض الدين نفسه للتشويه، ويحوّل الشريعة من رحمة وعدل إلى أداة اضطراب وتناقض، وفي ذلك تحذير بالغ الدلالة، لا لفقيه الوقت وحده، بل لكل من يتصدر للقول عن اللّٰه دون علمٍ محقق، أو وعيٍ نافذ، أو خشيةٍ تقيه منزلقات الجهل والهوى.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...