أخلاق الصائم
د. صلاح الدين المراكشي
يُعَدُّ الصيام من أجل العبادات التي شرعها الله تعالى، وأعظمِ القُرُبات التي تسمو بالعبد في مدارج الإيمان، وتقرّبه من ربّه. وليس الصيام مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسةٌ إيمانية متكاملة تُهذِّب النفس، وتُرقّي الروح، وتغرس في القلب معاني التقوى والمراقبة. وقد بيّن القرآن الكريم هذه الغاية السامية كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فجعل سبحانه التقوى الثمرة المرجوّة من الصيام، والهدف الأسمى من مشروعيته.ومن ثَمَّ؛ فإن الصيام عبادةٌ تتجاوز المظاهر الشكلية إلى جوهرٍ تربويٍّ عميق؛ فهو تربيةٌ عملية على الالتزام بالأخلاق الفاضلة، وتعويدٌ للنفس على فعل الخير ومجاهدة الشر. وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «جُنّة»، أي: وقايةٌ وحصنٌ يحمي صاحبه من الوقوع في الآثام، فقال: «الصيام جُنّة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم» متفق عليه. وفي هذا التوجيه النبوي إشارة واضحة إلى أن حقيقة الصيام تتجلّى في ضبط السلوك، وكبح جماح الغضب، والتحلّي بالحلم والصبر.
انطلاقًا من هذا المعنى، يظهر أثر الصيام في تفاصيل الحياة اليومية. فالصائم الصادق يضبط لسانه، ويكفّ غضبه، ويستحضر عبوديته لله في كل موقف. فإذا تعرّض لإساءةٍ من زميلٍ في العمل أو جارٍ في السكن، آثر الصفح على الخصام، وواصل عمله بإتقان وهدوء. وفي الأسواق، حيث قد يحتدم النقاش بين البائع والمشتري، يدفع استحضار حرمة الشهر إلى الصدق وترك الكذب واليمين الكاذبة، والتحلّي بالأدب والسماحة. وحتى في الطريق، سائقًا كان أو راجلًا، قد يواجه الصائم تصرّفًا مستفزًا، فيتذكّر صيامه، فيستغفر ويتجاوز، حرصًا على أجره وثوابه. ويمتد هذا الأثر إلى البيت والمدرسة وسائر مجالات الحياة؛ فالأب أو الأم يقابلان خطأ الأبناء بالحكمة والتسامح بدل الانفعال، والطالب يحافظ على احترامه للآخرين مهما تعرّض لمضايقات.
وفي أوقات الترويح المباح، في الملاعب أو الحدائق، يبقى الصائم يقظًا للسانه، فيصونه عن السبّ والغيبة والنميمة، مدركًا أن الكلمة الجارحة قد تُنقص أجر صيامه وإن لم تُفطره. وهكذا يتجلّى الصيام عبادةً تُصلح الظاهر والباطن معًا، وتربط بين صفاء الروح واستقامة السلوك. فالصائم الحقّ هو من تصوم جوارحه قبل بطنه؛ فيكفّ سمعه وبصره ولسانه عن الحرام، ويمتنع عن الزور والبهتان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري. وفي حديثٍ آخر: «ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر» رواه ابن ماجه وأحمد. ومن هنا تتّضح الرسالة الكبرى للصيام: أنه عبادةٌ وأخلاق قبل أن يكون امتناعًا عن المفطرات؛ فمن لم يتغيّر سلوكه، ولم يتهذّب خلقه، لم ينتفع بصومه الانتفاع المأمول.
وفي المقابل، فإن أعظم الناس انتفاعًا بصومه من يتحلّى بحسن الخلق؛ لأن الأخلاق روح العبادة وثمرتها. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» رواه أحمد وأبو داود. ولذلك، فمن أراد أن يغنم بركات رمضان وينال مغفرة الله، فليتحلَّ بأخلاق الصائمين من صبرٍ وكرمٍ وعفوٍ وسماحة، وليبتعد عن كل ما يخدش صيامه من قولٍ أو فعل. وقد لخّص جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا المعنى بقوله: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء» رواه ابن أبي شيبة. فهو توجيهٌ بليغٌ إلى أن الصيام حالةٌ أخلاقية شاملة، تنعكس وقارًا وسكينةً وانضباطًا في السلوك. وبهذا الفهم المتكامل يتحوّل الصيام – بإذن الله – إلى عبادةٍ جامعةٍ بين إخلاص العبودية لله تعالى وتهذيب النفس وإصلاح المجتمع، فينعكس أثره في البيت والعمل والشارع، وفي مؤسساتنا التعليمية والإدارية، ليغدو سلوكًا يوميًا يعبّر عن التقوى الحقيقية.
وهكذا يرتقي المسلم في مدارج الكمال، ويبلغ أسمى درجات القرب من الله تعالى. فاللهم تقبّل منّا صيامنا وقيامنا، وزكِّ نفوسنا، وحسِّن أخلاقنا، واكتبنا من عتقائك من النار، واجعلنا من المقبولين الفائزين.
التعليقات