أثر أيديولوجية نظام الملالي على الشعب الإيراني والخليج العربي
ذ.محمد المهدي اقرابش
عضو أكاديمية نيم الفرنسية
لقد اهتدى العقل السياسي المعاصر إلى تأسيس دولة وطنية مؤسسة على قواعد دستورية، قائمة على مبادئ التناوب الديمقراطي، والفصل بين السلط، والتداول السلمي على السلطة ، ودولة الحق والقانون. ولا ضير في أن يكون الدين ضمن المرجعيات الأساسية للدولة، إلى جانب الحقوق المدنية والاجتماعية والثقافية والسياسية المتوافق عليها في الميثاقين الدوليين المبرمتين سنة 1966 ميلادية، بشرط أن يكون رافعة للسلام والأمن, واحترام الآخر والاعتراف بحرية التدين والاعتقاد، ورفض العنف والاستبداد السياسي.
إن هذه القواعد كفيلة بتجاوز مرحلة سياسية وتاريخية أليمة ومعقدة عاشتها الأمة الإسلامية منذ قرون خلت. فلقد كانت العلاقات الدولية بين الدول الإسلامية من جهة و الدول الغير الإسلامية من جهة أخرى مبنية على منطق القوة والتغلب. وكانت الغلبة هذه هي السائدة والحاكمة عند كثير من المنظرين والفقهاء السياسيين كابن خلدون والقلقشندي والجويني وميكياڤيلي و هوبز وغيرهم.
سلم فقهاء الإسلام بمقولة “المُلْكُ لمن غلب” حقنا للدماء وحفاظا على بيضة الإسلام ووحدة الجماعة.
و لنا أن ننظر في تاريخ سقوط الدول وما صاحبها و أعقبها من عنف وحروب ودماء، ابتداء من الدولة الأموية والعباسية ومرورا بدولة السلاجقة والمماليك والعثمانيين والمرابطين والموحدين وغيرها من الدول التي قامت بالسيف والبطش والقوة. وليست الدول الكاثوليكية والبروتستانتية والأنجليكانية والوثنية وغيرها، بدعا من الأمم التي تأسست وحُكِمت بالحديد والنار. ثم اهتدت البشرية بعد الحرب العالمية الثانية إلى قواعد جديدة، وقوانين متطورة، لتدبير وضبط العلاقات الدولية في منتظم عالمي، قائم على مؤسسات جامعة لشعوب ودول.
لكن العالم الآن، يتغير أمام أعيننا بسبب رجوع منطق القوة والهيمنة والحروب التي تشنها دول عظمى، حفاظا على قيادتها وريادتها السياسية للعالم؛ ولا أدل على ذلك من تبني الولايات المتحدة الأمريكية اسم وزارة الحربية بدل وزارة الدفاع، استعداداً لمواجهة القوة المتنامية والصاعدة للصين. وجدت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة سانحة لبسط وفرض مزيد من الهيمنة على الصعيد الدولي.
أصبحت كل دولة تبحث عن موطئ قدمها على الساحة الدولية الجديدة. و لهذا شهدنا ميلاد مؤسسة جديدة تحمل اسم مجلس السلام الدولي، لتحل مكان منظمة الأمم المتحدة. إذ أن هذه الأخيرة قد فشلت في تدبير كثير من الملفات السياسية المعروضة عليها إن لم نقل كلها. لم يستوعب نظام الملالي في إيران هذا التحول الجيوسياسي الجديد، و لم يكف عن سعيه لتصدير ايديولوجيته الدينية وزعزعة استقرار دول الجوار منذ تأسيسه سنة 1979 ميلادية. ولا ينقضي عجبي من دفاع حركات إسلامية وأحزاب سياسية في العالم العربي عن نظام الملالي، بحجة أن إيران مظلومة ومعتدى عليها!
ذلك انهم يذكرون آخر الأمر وينسون أوله! لم يتردد النظام الإيراني في قصف دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وباقي الدول الأخرى، وذلك بحجة الدفاع عن النفس ضد الغرب، رغم أن دول الخليج قد نأت بنفسها عن هذه الحرب، وأبانت عن حكمة ورشد في التعامل مع الاعتداءات الإيرانية.
كيف يمكن نسيان مافعلته بعض الطوائف المدعومة من نظام الملالي بأهل السنة وغيرهم في العراق وسوريا ولبنان واليمن وشمال أفريقيا؟ كيف يمكن إغفال ما يدرس في بعض عقائدهم تجاه اهل السنة والعداء الذي يكنه نظام الملالي لمخالفيهم، والتقية التي ينهجها بعضهم سياسة واعتقادا؟ إذ أن أفعاله لا تصدق أقواله في عدة مواطن ومواقف.
شهدنا أثناء هذه الحرب المستعرة حركات إسلامية وسياسية، تدافع عن هذا النظام بدل أن تدافع عن الشعب الإيراني، وبدل أن تدافع عن دول الخليج، متناسية محاولات نظام الملالي المستمرة للتدخل في شؤون الدول العربية مدعية الدفاع عن المظلومين والشعوب المستضعفة! مالهم كيف يحكمون! وقولنا هذا، لا يعني الاصطفاف مع من يقصفونهم ويحاربونهم، لأن الأبرياء هم الضحايا في ويلات هذه الحروب؛ ولا ذنب لهم إلا لأنهم تحت نظام يريد تصدير ايديولوجية ولاية الفقيه . إن نظاما لا يحمي شعبه ولا يجنبه المخاطر لا يستحق الثناء، لأن السياسة الحكيمة تسعى دائما إلى توفير الأمن والازدهار للشعب وتجنيبه العزلة والقصف والدمار.
أما الغرب فقد وجد ضالته ومصلحته لبسط مزيد من الهيمنة والنفوذ على المنطقة، لأن منطق المصالح السياسية هو الغالب في العلاقات الدولية. كان لزاما على النظام الإيراني ان يغير من سلوكه تجاه محيطه وأن لا يقصف جيرانه قبل أي شيء. أما على مستوى العقائد، فإن التقريب بين المذاهب والحوار البناء لأجل تحقيق السلام ، وتكريس مبدأ رابح رابح، هو ممكن بشرط تنحية الأيديولوجية جانبا.
لقد صار العالم أشد خطورة بسبب غياب الحكمة والرشد السياسي الذي يسعى إلى السلم ونبذ العنف والكراهية.
حفظ الله المسلمين والإنسانية جمعاء من شر الحروب والدمار وبسط السلم والسلام والأمن والأمان في جميع الأوطان.
التعليقات