يكاد الذكاء الاصطناعي أن يتحول مع مرور الوقت إلى منظومة معرفية تغزو عمق الأسئلة الوجودية والدينية التي ظلت لقرون حكرا على الفلسفة واللاهوت..
والمثير في هذا التحول هو اللغة التي باتت تستخدم لوصفه: “الخلاص”، “النبوءة”، “المعجزة”، “الإله الرقمي”، وغيرها من المصطلحات التي تشي بتصاعد “خطاب ديني” ضمني حول هذا التطور التكنولوجي الخطير.
لقد أصبحت بعض أوساط وادي السيليكون (Silicon Valley) تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان “مشروعا روحانيا” جديدا، قادرا على منح الخلود، وتجاوز محدوديات الجسد، واستبدال الدين بنظام رقمي بديل..
وتجاوز الأمر حدود الاستعارات والمجازات إلى بناء سرديات خلاصية تشبه إلى حد بعيد قصص الأديان: حديث عن يوم قادم تتجاوز فيه الآلة الإنسان، عن وعود بتحرير البشرية من الألم، عن ولادة “وعي” غير بشري يسكن الفضاء الرقمي… كل ذلك وسط تواطؤ لغوي ينزلق من الحياد العلمي إلى طقوس عقائدية مضمرة.
وتكمن الخطورة في إضفاء طابع “شبه ديني” على التكنولوجيا، بما يجعل من الذكاء الاصطناعي مرجعا ميتافيزيقيا جديدا، ومصدرا للمعنى في زمن ما بعد الحداثة.
وإذا كان الإنسان قد اعتاد أن يسائل التقنية عن فائدتها، فإنه الآن بات يسائلها عن خلاصه وهويته ومستقبله (والفتوى أيضا)، في انزياح مقلق من المنطق التوظيفي إلى المنطق التقديسي.
لقد نبهت الأديان التوحيدية، عبر العصور، إلى خطورة تأليه ما تصنعه الأيدي البشرية، والتنبيه إلى حدود العقل ومحدودية الخلق.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يطرح التحدي في صيغة جديدة: حين ينتج الإنسان عقلا يحاكيه، بل قد يتفوق عليه، فهل يبقى المرجع الأخلاقي ثابتا؟
أليس من الممكن أن تتحول هذه الآلة الجبارة، شيئا فشيئا، إلى “إله جديد” تعبده البشرية؟
يعلمنا القرآن الكريم أن العقل قد يتحول من نعمة إلى فتنة، كما حصل مع قارون حين قال: “إنما أوتيته على علم عندي”، أو كما وقع لقوم إبراهيم عندما صنعوا بأيديهم أصناما ظلوا لها عاكفين، حتى سألهم خليل الله مستنكرا: “أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون” صدق الرحمن.