آية واحدة… وتأويلات تصنع الحروب: البشاري يحاكم منطق العنف باسم القرآن
رشيد المباركي
لم تكن الندوة التي ناقشت كتاب الدكتور محمد البشاري مناسبةً للاحتفاء بإصدارٍ فكري جديد بقدر ما كانت وقفةً نقدية أمام واحدة من أخطر الإشكالات التي تواجه الخطاب الديني المعاصر: كيف تتحول آية قرآنية من نصٍّ هادٍ إلى أداة تعبئة، ومن قيدٍ أخلاقي إلى ذريعة صدام؟
في مداخلته، وضع البشاري المسألة في إطارها الحاسم: المشكلة لا تكمن في «آية السيف» ذاتها، بل في العقل الذي يتعامل معها بوصفها تفويضًا مفتوحًا للعنف، ويجردها من سياقها، ويمنحها سلطةً لم يمنحها لها القرآن نفسه. فالآية، كما شدّد، ليست «راية حرب» ولا «شعار مواجهة»، بل نصٌّ نزل في سياق محدد، تحكمه شروط وضوابط، ولا يمكن فصله عن المنظومة القرآنية التي تجعل السلم والعدل وحفظ العهد قيمًا مؤسسة لا هوامش أخلاقية.
الندوة، التي شارك فيها الدكتور عمرو ورداني والدكتور عبدالله النجار، وبحضور الدكتور محمود الهباش، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب كشفت أن كتاب «آية السيف.. نص في سياق أم ذريعة في صراع؟» لا يسعى إلى تبرئة التاريخ ولا إلى شيطنة التراث، بل إلى تفكيك منطقٍ تأويلي ما زال ينتج فقهًا متوترًا مع العالم، ويغذّي سرديات العنف باسم النص.
وأوضح البشاري أن أخطر ما يواجه الفقه اليوم هو تحويل الاستثناء إلى أصل؛ فبينما جعل الإسلام القتال حالةً استثنائية مرتبطة بالعدوان ونقض العهد، جرى—في بعض القراءات—قلب المعادلة، ليصبح السلم حالةً مؤقتة تحتاج دائمًا إلى تبرير، بينما يُقدَّم القتال كخيارٍ مبدئي. وهذا الانقلاب، بحسب البشاري، لا يقوم على النص بقدر ما يقوم على قراءة انتقائية تختزل القرآن في آية، وتغلق الباب أمام عشرات الآيات المؤسسة لفلسفة السلم والعدل.
وتوقف البشاري مطولًا عند ما وصفه بـ«النسخ السهل»، أي ذلك المنطق الذي يتعامل مع النسخ كأداة جاهزة لإلغاء النصوص غير المرغوبة، مؤكدًا أن النسخ في التراث الأصولي آلية دقيقة ومحدودة، لا تُفعل إلا بشروط صارمة، وأن تحويله إلى مطرقة تأويلية يعني عمليًا تفكيك البنية الأخلاقية للقرآن، لا حمايتها.
وفي طرحه، بدا واضحًا أن الكتاب لا يكتفي بنقد خطاب الغلو، بل يرفض أيضًا الخطاب المقابل الذي يسعى إلى تفريغ النص من قدرته التنظيمية باسم الواقعية أو التعايش. فالمطلوب، كما قال، ليس نزع القوة من النص، ولا إطلاقها بلا قيد، بل ردّها إلى وظيفتها الطبيعية: منع العدوان، لا إنتاجه، وحماية الإنسان، لا تصنيفه هدفًا مشروعًا.
ومن هنا جاءت دعوته إلى إعادة التفكير في التقسيمات الفقهية القديمة للعالم، التي نشأت في سياقات سياسية وتاريخية مغايرة، مقترحًا الانتقال من منطق «دار الحرب» و«دار الإسلام» إلى أفقٍ أوسع يقوم على التعارف والمواثيق الدولية، دون إسقاط الشروط الشرعية أو تجاهل موازين القوة، بل عبر قراءة مقاصدية تربط الحكم بحقيقته الواقعية لا بصورته الذهنية الموروثة.
واختتم البشاري مداخلته برسالة بدت أقرب إلى تحذير معرفي منها إلى خلاصة فقهية: الخطر الحقيقي لا يكمن في آيةٍ تُساء قراءتها مرة، بل في منهجٍ يُنتج سوء القراءة باستمرار. فحين يُختزل القرآن في شعارات، وتُدار النصوص بعقل الصراع لا بعقل المقاصد، يصبح العنف نتيجة متوقعة لا انحرافًا عارضًا.
وبين نقد الغلو والتحذير من التفريط، يطرح كتاب البشاري سؤالًا يتجاوز الجدل الفقهي إلى عمق الأزمة الفكرية:
هل نملك اليوم الشجاعة لإعادة بناء خطاب ديني يعيد للنص وقاره، وللفقه مسؤوليته، وللعلاقة مع العالم ميزانها العادل، دون أن يتحول القرآن إلى وقودٍ لصراعات لا تنتهي؟
التعليقات