وزان .. ضريح مولاي التهامي: من حرمة المقام إلى ضرورة تحريره من الوصاية والاختلال

10 سبتمبر 2026

محمد التهامي القادري

لم تعد الأضرحة، في ظل التحولات التي يعرفها الوعي الديني والاجتماعي المعاصر، بمنأى عن الأسئلة النقدية التي تفرضها إعادة النظر في كثير من الممارسات التي استقرت بفعل العادة والتوارث الاجتماعي. فقبل السؤال عن كيفية تدبير الضريح، أو الجهات التي تُشرف عليه، أو طبيعة الممارسات والطقوس التي تجري في محيطه، يظل هناك سؤال أعمق وأكثر جذرية يتعلق بأصل المشروعية: “هل إقامة الأضرحة على القبور، وما ارتبط بها عبر التاريخ من بناء وتعظيم وطقوس وممارسات، تستند في أصلها إلى مشروعية دينية؟”، إن طرح هذا السؤال لا يستهدف شخصا بعينه، ولا ينتقص من مكانة أحد، وإنما يندرج ضمن حق مشروع في التمييز بين ما هو من صميم الدين وتعاليمه، وما أضافته الممارسة البشرية عبر التاريخ من أعراف ورموز وتصورات. ولذلك فإن المحافظة على نهج وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، بعيدا عن كل الشوائب والممارسات التي قد تُلحق بالدين ما ليس منه، تظل أصلا مرجعيا لا ينبغي أن يخضع للمساومة أو التوظيف. ومن هذا المنظور تحديدا، فإن إثارة النقاش حول ضريح جدنا مولاي التهامي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها موقفا عدائيا من مقامه أو تنكرا لمكانته في الذاكرة العائلية والمحلية، وإنما باعتبارها محاولة لفتح نقاش مسؤول حول واقع مقام قائم بالفعل، وما يحيط به من ممارسات وطقوس وأشكال تدبير وعلاقات نفوذ. فوجود الضريح واستقرار رمزيته في الذاكرة لا يجعلان المكان محصنا من النقد، كما أن احترام صاحب المقام لا يعني بالضرورة التسليم بمشروعية كل ما يُمارس داخله أو حوله، إذ ينبغي دائما التمييز بين حرمة الشخص ورمزيته من جهة، وبين مشروعية الطقوس والممارسات البشرية التي ارتبطت بالمكان من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة تدبير الضريح ومسؤولية من يتولى خدمته باعتبارها قضية تستحق قدرا كبيرا من الدقة والوضوح. فمقدم الضريح – مثلا – ليس مجرد شخص يؤدي بعض الطقوس أو يستقبل الزوار، ولا وظيفة ينبغي أن تُسند على أساس القرب أو العلاقات الشخصية أو الولاء للقائمين على شؤون المشيخة، وإنما مسؤولية ذات طبيعة رمزية وأخلاقية وعملية تقتضي توافر حد أدنى من الكفاءة والاستقامة وحسن السيرة. ومن الطبيعي أن يكون من يتولى هذه المهمة على معرفة بالثوابت الدينية وكتاب الله، وقادرا على أداء ما يرتبط بالمقام من أذكار ومدائح، ومطلعا على تاريخه وعلى تاريخ الزاوية الوزانية وشيوخها ورموزها، إلى جانب امتلاكه القدرة على التواصل الرصين مع الزوار والشرفاء والشريفات، والتعامل مع مختلف المواقف بالحكمة والوقار والحزم المتزن. فالمقدم، بهذا المعنى، ينبغي أن يكون خادما للمقام ومؤتمنا على حرمته، لا تابعا لشخص أو جهة، ولا وسيطا لتوسيع نفوذ فئة أو تكريس وصاية على المكان ورواده. وما دام يؤدي مهمته مقابل أجر معلوم، فإن الأمر يتجاوز مفهوم التفضل أو العمل التطوعي الشخصي ليصبح تكليفا يرتبط بواجبات ومسؤوليات محددة، ويقابله أداء يمكن تقييمه ومساءلته عند الإخلال بمقتضياته. والأصل هنا بسيط وواضح: من يتولى خدمة الضريح لا يملك الضريح، ومن يؤتمن على حرمته لا يملك حق احتكارها أو تحويلها إلى سلطة شخصية للقائمين بأعمال المشيخة أو مجالا مشروعا لبناء النفوذ أو توسيع دائرة الولاءات لها.

ومن هنا تتسع دائرة الأسئلة لتشمل بنية التدبير نفسها: من يتولى إدارة الضريح فعليا؟، ومن يتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية؟، ومن يُشرف على نظافته وصيانته وأمنه وتنظيم الزيارات؟، وما طبيعة الموارد المالية التي تدخل إليه؟، وكيف تُدبر؟، ومن يملك حق التصرف فيها؟، ومن المسؤول عن مرفق الدفن بالمقبرة وبيع القبور فيها؟، وما هي المبادرات والإجراءات الواجب اتخاذها لمعالجة هذه المعضلة؟، وما الجهة التي يمكن أن يلجأ إليها الزائر أو أحد الشرفاء والشريفات أو أي متضرر عند وقوع تجاوز أو اختلال؟. إن الإشكال الأخطر ليس دائما في وجود سلطة على المرفق، وإنما في وجود سلطة غير واضحة الحدود وغير معلومة، أو مسؤولية تُمارس فعليا دون أن تكون محددة بصورة صريحة، أو نفوذ يتحرك في الواقع من دون إطار واضح للمساءلة. ويندرج ضمن هذا السياق أيضا موضوع الشريفات اللواتي يقمن أو يمكثن في محيط الضريح، وهو موضوع بالغ الحساسية ينبغي مقاربته بعقلانية وتجرد، بعيدا عن الإشاعات والتلميحات والأحكام المسبقة، فلكل واحدة منهن ظروفها الخاصة، ولا يجوز أن تتحول معالجة الوضع إلى مساس بكرامتهن أو مصالحهن أو حقوقهن. وفي الوقت نفسه، فإن حساسية المكان تقتضي البحث الهادئ عن حلول واقعية ومتوازنة تنظم الوضع بما يحفظ خصوصية المعنيات وكرامتهن، ويصون حرمة المقام وسمعة الشرفاء، دون أن تتحول المعالجة إلى تضييق أو وصاية أو تدخل في الخيارات والظروف الشخصية. فالغاية ليست إقصاء أحد، وإنما الانتقال من وضع مفتوح على التأويل والإحراج إلى وضع أكثر وضوحا وأمانا واحتراما للجميع، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، وفي السياق ذاته، من الواجب الانتباه إلى ما يُتداول من أن بعض الشرفاء والشريفات من داخل المغرب وخارجه أصبحوا يتحاشون زيارة ضريح جدهم مولاي التهامي، أو يشعرون عند زيارته بأن المكان لم يعد على الصورة التي عرفوها سابقا، هذا الأمر يجب أن يُقابل بالبحث لا بالإنكار، وبالاستماع لا بالحساسية. وإذا ثبت وجود مثل هذا الشعور، فإن السؤال يصبح مشروعا: “ما الذي جعل بعض الزوار ومنهم أحفاد وحفيدات مولاي التهامي من جهات مختلفة يشعرون بالنفور أو التحفظ تجاه مقام يفترض أن يرتبط في وجدانهم بالسكينة والوقار والألفة؟.. وإذا كان بعضهم يفضل زيارة مقام مولاي عبد الله الشريف بدل ضريح مولاي التهامي، فإن هذه الظاهرة، إن تأكدت، لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها إساءة، بل باعتبارها مؤشراً يستحق الدراسة لفهم الأسباب التي أنتجتها. فالمقامات تستعيد اعتبارها بالوضوح وحسن التدبير والكفاءة والنزاهة والعناية الفعلية بالمكان، لا بإخفاء الاختلالات أو تحصينها من السؤال والنقد.

وإذا كان إصلاح واقع المقام مطلوبا، فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في تنظيف الجدران أو الأرضيات أو تحسين المظهر الخارجي، لأن جوهر الإشكال يتصل، قبل كل شيء، بطريقة إدارة المكان والعلاقات التي تنتظم داخله وحوله. فثمة حاجة إلى تنظيف التدبير من الغموض، والعلاقة من الخوف، والرمزية من التوظيف، والسلطة من الوصاية غير المؤسسة على أساس واضح، والمقام من كل ممارسة وطقس يمكن أن تنتقص من هيبته أو تنفر أبناء العائلة والزوار منه. إن استعادة الاعتبار لضريح مولاي التهامي، ما دام قائما ومقصودا من الناس، تقتضي إعادة بناء الثقة قبل تحسين الصورة، وذلك عبر تحديد المسؤوليات، وضبط الاختصاصات، وإقرار معايير واضحة لتولي مهمة خدمته، وإخضاع التدبير للمساءلة والشفافية، ومنع أي نفوذ شخصي أو فئوي من تحويل المقام إلى مجال مغلق تتحكم فيه الولاءات والعلاقات. فاحترام صاحب المقام لا يعني منح القائمين عليه سلطة مطلقة، كما أن الدفاع عن حرمة الضريح لا يستلزم الدفاع عن كل ما يجري فيه أو حوله. بل إن من مقتضيات الوفاء الحقيقي أن نمتلك الشجاعة الكافية للتمييز بين الرمز وتوظيف الرمز، وبين خدمة المقام واستغلال المقام، وبين حفظ الذاكرة واحتكارها. ومن ثم، فإن كل وصاية لا تستند إلى أساس واضح، وكل نفوذ لا يجد مشروعيته في القانون أو الشرع أو الأخلاق، ينبغي أن يخضع للمراجعة، لا بدافع الخصومة، وإنما حمايةً للمكان من التحول إلى مجال للهيمنة الشخصية أو الفئوية.

وفي المحصلة، فإن قضية ضريح مولاي التهامي تتجاوز مسألة تعيين مقدم أو طريقة تنظيف مقام أو تنظيم الزيارات، إنها قضية أوسع تتصل بالحدود الفاصلة بين الدين والممارسة، وبين الرمز التاريخي ومشروعية توظيفه، وبين احترام الذاكرة وحق المجتمع في مساءلة أشكال تدبيرها. ولذلك فإن طرح الأسئلة، حتى عندما تكون محرجة أو مستفزة لبعض التصورات الراسخة، لا ينبغي أن يُفسر تلقائيا باعتباره عداء لصاحب المقام أو تنكرا لمكانته، بل يمكن أن يكون تعبيرا عن رغبة في إعادة النظر بعلم ومسؤولية في كل ما تراكم حول المقام من ممارسات وعلاقات وأشكال نفوذ. وما دام الضريح قائما، فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي صيانة حرمته، وحماية زواره وأهله من كل ما يمس كرامتهم، وضمان أن يتولى خدمته من تتوافر فيه شروط الكفاءة والاستقامة وحسن السيرة، وأن يخضع تدبيره لمبادئ الوضوح والنزاهة والمساءلة. فالمقام أقدم من الأشخاص، والذاكرة أوسع من الفئات، والحرمة أرفع من المصالح، ومن ثم فإن تحرير ضريح مولاي التهامي من الوصاية والاختلال لا يعني المساس بمكانته، وإنما يعني – على العكس- حماية هذه المكانة من كل ما قد يشوهها أو يستغلها. فالوفاء الحقيقي لمولاي التهامي لا يكون بتحصين مقامه من الملاحظة، وإنما بتحصين حرمته من الاختلال، وصون اسمه من التوظيف، والحفاظ على نهج وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف بعيدا عن كل ما ليس منه. وعندما يصبح احترام المقام مقترنا بالشفافية، وخدمته مقرونة بالكفاءة وعزة النفس، ورمزيته منفصلة عن النفوذ، وتدبيره خاضعا للنقد والمساءلة، يمكن حينها القول إننا لا نحمي حجارة المكان فحسب، وإنما نحمي المعنى الذي تركه في الذاكرة، ونمنع أن تتحول حرمة المقام إلى ذريعة لتحصين الأشخاص أو المصالح أو الطقوس والممارسات من النقد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...