وزان .. المشيخة الوزانية والأضرحة: من يملك حق التدبير؟

11 سبتمبر 2026

محمد التهامي القادري

ليس من السهل، عند تناول علاقة المشيخة الوزانية بالأضرحة، أن نتجاوز سؤالا يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه في عمقه يمس جوهر الشرعية وحدود الاختصاص: “على أي أساس أصبحت المشيخة معنية بتدبير شؤون الأضرحة أو الإشراف عليها؟”، هل يستند ذلك إلى عرف وزاني مستقر ومعلوم، أم إلى تقليد تاريخي موثق، أم إلى مقتضى شرعي يمنح للمشيخة مثل هذا الاختصاص، أم إلى سند قانوني صريح يخول لها ممارسة سلطة أو وصاية على هذه المقامات؟

إن طرح السؤال بهذه الصيغة ليس تجريحا في المشيخة ولا انتقاصا من مكانتها التاريخية، وإنما هو إعمال لمبدأ بديهي في كل بناء مؤسسي، ومؤدى ذلك أن الاختصاص لا يثبت بمجرد الادعاء به، والسلطة لا تستمد مشروعيتها من مجرد الممارسة، وإنما تحتاج إلى أصل يحدد مصدرها وحدودها ومسؤولياتها. وما يزيد هذا السؤال إلحاحا أن الذاكرة المحلية، على الأقل في حدود ما عايشناه ووعيناه، لم تكن تقدم المشيخة باعتبارها جهازا إداريا أو تدبيريا للأضرحة، فقد كانت هناك دائما مسافة واضحة بين مقام الشيخ باعتباره رمزا دينيا وتاريخيا للزاوية، وبين الضريح باعتباره فضاء له حرمته ووظيفته وسياقه الخاص. وحتى حين تكشف بعض الروايات التاريخية عن صلات وثيقة بين شيوخ الزاوية وبعض الأضرحة، فإنها تثبت الزيارة والتبرك والاعتناء والارتباط الرمزي، ولا تثبت بالضرورة نشوء سلطة مؤسساتية للمشيخة على الأضرحة. بل إن المصادر التاريخية نفسها تقدم لنا صورا لشيوخ وزان يزورون الأضرحة ويتعاملون معها ضمن المجال الديني والاجتماعي السائد آنذاك، دون أن يعني ذلك تلقائيا أن المشيخة كانت صاحبة اختصاص قانوني أو إداري عليها. ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل العلاقة التاريخية أو الرمزية إلى سلطة مفترضة، لأن الفارق بين أن تكون المشيخة جزءا من التاريخ الروحي للمقام وبين أن تكون صاحبة ولاية على شؤونه فارق جوهري لا يجوز طمسه بالتقاليد العامة أو بالتأويلات غير الموثقة.

والأهم من ذلك أن البحث في الإطار القانوني المغربي المعاصر يزيد المسألة وضوحا، لا غموضا، فمدونة الأوقاف تعتبر الزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية وقفا عاما بقوة القانون، وتنص على أن إدارة الأوقاف هي التي تتولى تدبير الوقف العام وتمثيله قانونا. كما أن النصوص المنظمة لاختصاصات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تسند إليها مراقبة أوقاف الزوايا والأضرحة والعمل على صيانتها والحفاظ عليها، وتضم مصالحها المختصة تتبع أنشطة الزوايا والأضرحة.

وبذلك يصبح السؤال الأدق: “أين هو السند الذي ينقل تلك المكانة الرمزية للمشيخة من مجال الاعتبار التاريخي إلى مجال الاختصاص التدبيري؟، وما هو النص أو الظهير أو القرار أو العرف المؤسسي الموثق الذي يمنح المشيخة حق التدخل في تسيير الضريح أو تنظيم شؤونه أو اتخاذ القرارات المتعلقة به؟”، وإذا لم يكن ثمة سند من هذا القبيل، فإن استعمال مفهوم “المشيخة” لتبرير سلطة عملية على الأضرحة يظل بحاجة إلى إثبات، ولا يكفي فيه القول بأن الأمر جرى عليه العمل أو أن الضريح مرتبط تاريخيا بالمشيخة. فالاعتياد – مهما طال – لا يتحول بالضرورة إلى اختصاص، والعلاقة الرمزية لا تنشئ وحدها ولاية إدارية، والانتساب التاريخي لا يساوي سلطة قانونية. بل إن محاولة الجمع بين الأمرين قد تنتج مفارقة خطيرة: “سلطة تمارس دون تحديد دقيق لمصدرها، ومسؤولية تترتب على تلك الممارسة دون أن تكون حدودها واضحة”. وهنا يصبح من المشروع تماما أن يقال: “إذا كانت المشيخة قد وضعت يدها على الأضرحة وأصبحت تعتبر نفسها معنية بشؤونها، فإن عليها، قبل أن تطالب بحق التدخل، أن تقدم أيضا جوابا واضحا عن طبيعة هذا الحق ومصدره وحدوده، وأن تقبل – بالقدر نفسه – أن تطرح عليها أسئلة المسؤولية عن نتائج هذا التدخل.

وهذه النقطة تقودنا إلى السؤال الأكثر إزعاجا، وربما الأكثر إنصافا في الوقت نفسه: “ماذا أضاف هذا التدخل إلى واقع الأضرحة؟”، فإذا كان دخول المشيخة إلى هذا المجال قد جاء بدعوى التنظيم والإصلاح والحفاظ على حرمة المقامات وصيانة مكانتها، فمن حق الناس أن يتساءلوا عن حصيلة هذا التدخل، لا عن نواياه فقط. لأن المشيخة، حين اختارت أن تتدخل، لا يمكن أن تطالب بامتياز الاختصاص ثم تتنصل من تبعاته، ومن يتقدم إلى مجال التدبير عليه أن يتحمل -أخلاقيا ومؤسسيا – جزءا من مسؤولية النتائج التي ترتبت عن تدبيره. وهنا تبرز أسئلة لا يمكن إسكاتها بالشعارات ولا بترديد المكانة التاريخية: “كيف يمكن لمشيخة لم تستطع، على مدى سنوات طويلة، أن تحسم الإكراهات والتحديات التي تحيط بها من كل جانب، أن تقدم نفسها باعتبارها الجهة القادرة على ضبط فضاء آخر أكثر تعقيدا وحساسية؟”، “وكيف يمكن لمشيخة لم تنجح في توحيد الشرفاء الوزانيين داخل وزان حول رؤية مؤسساتية واضحة، أن تتحدث عن القدرة على توحيد الشرفاء الوزانيين في مختلف ربوع الوطن وخارجه؟”، وكيف يمكن لمرجعية لم تستطع أن تجعل من البيت الوزاني فضاء للحوار والتقارب وتدبير الاختلاف، أن تتحول فجأة إلى سلطة تنظيمية على مقامات ترتبط بذاكرة المدينة وبوجدان أهلها؟”.

إن المسألة هنا ليست مقارنة بين إخفاقات، وإنما هي مساءلة منطقية للقدرة على التدبير، وكذلك “من عجز عن ترتيب بيته الداخلي، كيف يقنع الناس بامتلاك أدوات ترتيب فضاء خارجي متشعب؟، “ومن لم يحسم علاقته بالشرفاء أنفسهم، كيف يستطيع أن يدير علاقات المجتمع بضريح يحمل رمزية تتجاوز حدود العائلة والمشيخة؟، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المشيخة من مؤسسة يفترض أن توحد وتؤطر وتحفظ الذاكرة إلى مركز إضافي لإنتاج الالتباس، بحيث يصبح السؤال عن صاحب الاختصاص أهم من السؤال عن حماية المقام، ويصبح الصراع حول من يملك حق التدخل أقوى من الاهتمام بما يحتاجه الضريح فعلا.

وتبلغ المفارقة ذروتها عند المقبرة المحاذية لضريحي مولاي التهامي ومولاي محمد، حيث لا يعود الأمر متعلقا بمسألة رمزية أو اختلاف في التأويل، وإنما بفضاء له حرمة دينية واجتماعية وقانونية، وبإشكالات مادية وتدبيرية لا يمكن أن تعالج بالخطاب الإنشائي. فإذا كانت المشيخة تعتبر نفسها صاحبة يد على الأضرحة أو مسؤولة عن محيطها، فما موقعها من هذه المعضلة؟، وأين تقف مسؤوليتها تحديدا؟، وأين تبدأ مسؤولية الجهات المختصة قانونا؟، فالمقابر ليست مجالا سائبا يمكن أن تتنازع بشأنه الاختصاصات الرمزية. علما أن الجهات الرسمية نفسها تعتبر المقابر من المجالات التي تحكمها قواعد خاصة، وتؤكد وزارة الأوقاف أن حرمة المقابر من صميم ما تتولى الجهات المختصة حمايته في إطار الأحباس، كما أن التدبير العمومي للمقابر تحكمه أيضا مقتضيات قانونية ومؤسساتية أخرى.

لذلك فإن المطلوب ليس أن تتحول المشيخة إلى بديل عن الدولة أو عن المؤسسات المختصة، وإنما أن تكون صريحة في تحديد موقعها. فإذا لم يكن لها اختصاص قانوني، فلا ينبغي أن تقدم نفسها باعتبارها صاحبة سلطة على هذه الفضاءات، وإذا كانت تدعي اختصاصا عرفيا أو تاريخيا، فعليها أن تظهر سنده وتاريخه وحدوده، وإذا كانت قد اختارت، رغم ذلك، أن تتدخل عمليا، فعليها أن تقدم للرأي العام الوزاني تقييما واضحا لما أنجزه هذا التدخل، وما أخفق فيه، ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات التي استمرت أو تفاقمت خلال فترة ممارسته.

إن القضية – في نهاية المطاف – ليست قضية أضرحة في مواجهة مشيخة، ولا مشيخة في مواجهة شرفاء، وإنما هي قضية انتقال من منطق السلطة المفترضة إلى منطق الاختصاص المحدد، ومن منطق الرمزية إلى منطق المسؤولية، ومن منطق “نحن أصحاب المكان” إلى منطق “ما الذي يخوله لنا القانون والتاريخ والعرف؟”. فالزاوية الوزانية إرث تاريخي يتجاوز الأشخاص، والأضرحة المرتبطة بتاريخها جزء من ذاكرة دينية وثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للنفوذ غير المحدد، كما أن المقابر المحيطة بها ليست هامشا منسيا يمكن أن تتقاذفه الجهات حين تكون المسؤولية حاضرة، ثم تختفي حين يحين وقت المحاسبة المعنوية.

وإذا كانت المشيخة تريد أن تكون مرجعية حقيقية، فإن أول شروط المرجعية أن تكون واضحة في اختصاصها، قوية في مؤسساتها، عادلة في علاقتها بالشرفاء، وقادرة على تقديم نموذج في تدبير الاختلاف قبل أن تقدم نفسها وصية على غيرها. أما أن تتسع دائرة الاختصاص كلما تعلق الأمر بموقع رمزي، ثم تضيق دائرة المسؤولية كلما ظهرت أزمة أو اختلال، فذلك ليس تأسيسا للمرجعية، وإنما إعادة إنتاج لمشكلة الشرعية نفسها. ولعل السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس: “هل يحق للمشيخة أن تتدخل في الأضرحة؟”، بل: “من منحها هذا الحق، ومتى، وبأي سند، وبأي حدود، وما الذي أنجزته منذ أن مارسته، ومن يتحمل تبعات ما لم تستطع إصلاحه؟”. وإلى أن تقدم المشيخة أجوبة موثقة عن هذه الأسئلة، يبقى من المشروع، بل من الضروري، الفصل بين احترام مقام المشيخة وبين التسليم لها باختصاص تدبيري لا يكفي الاسم لإثباته، وبين الوفاء لتاريخ الزاوية وبين تحويل هذا التاريخ إلى مصدر دائم لصلاحيات لم يثبت سندها، ولم تضبط قواعد ممارستها، ولم تحدد حدودها، ولا المسؤوليات التي تترتب على ممارستها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...