هل يسقط “الصبر الاستراتيجي” الإيراني في فخ الهدوء المضلل؟
علي البلوي
التقيتُ بالمدير السابق لدائرة المفاوضات في وزارة التجارة ومن ثم في وزارة الخارجية الصينية، الذي كرس خبرته الطويلة بعد التقاعد للإشراف المباشر على تدريب الوفد المفاوض الإيراني، ملقناً إياهم فنون استنزاف الوقت، وبراعة إعادة التفاوض على المسائل التي حُسمت سابقاً، والمناورة بالتوقف المفاجئ عن الحوار لإرباك المفاوض المقابل.
غير أن ما غاب عن حسابات طهران في هذا المسار التعليمي الممنهج، هو صدام خبرتهم المكتسبة مع واقع جيوسياسي جديد يفرضه التعامل مع “ملك المفاوضات والصفقات ” دونالد ترامب؛ حيث تتقاطع هذه الديناميكيات الصينية مع الرؤية البراغماتية التي طرحها الدبلوماسي الأمريكي جون ليمبرت في كتابه “التفاوض مع إيران: صراع مع أشباح التاريخ” (Negotiating with Iran: Wrestling the Ghosts of History).
ومن هنا، يتشكل مشهد التفاوض كواحد من أعقد الملفات السياسية في العصر الحديث، حيث لم يعد مجرد تبادل للمصالح أو الأرقام، بل تحول إلى اشتباك مفتوح بين أساليب المناورة الممنهجة وجروح الذاكرة الحية، تلتقي فيه الدبلوماسية بأدوات الاستخبارات في ساحة مليئة بالرموز الأيديولوجية والسيكولوجية بالغة التعقيد.
يجادل ليمبرت في أطروحته المركزية بأن العائق الأكبر أمام أي تقدم ليس تقنياً أو قانونياً، بل هو تراكم ثقيل من عدم الثقة التاريخي المتبادل، لكنه في زمن كتابته لهذا الطرح لم يعاصر الجروح الأعمق والأكثر دماءً التي تشكلت في الذاكرة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة؛ فالمفاوض الإيراني اليوم لا يستحضر فقط “شبح” انقلاب عام 1953، بل يجلس إلى طاولة الحوار وهو محاصر بذاكرة مشتعلة لسياسات “الضغوط القصوى” التي انتهجتها إدارة ترامب.
هذه الذاكرة مثقلة تماماً باغتيال قاسم سليماني في قلب بغداد، وهي الضربة التي لم تنظر إليها طهران كعملية تصفية عسكرية عادية، بل كاستهداف مباشر لرمز من أهم رموز “الكرامة الوطنية” و”النفوذ الإقليمي”.
يضاف إلى ذلك سلسلة الاغتيالات النوعية التي نفذها الموساد في عمق العاصمة طهران، واستهداف قيادات بارزة كانت في ضيافة الدولة الرسمية، وصولاً إلى الغطاء الذي مُنح لاستهداف حسن نصر الله، وصولًا الى صفقة انهاء الاسد مما حول مفهوم التفاوض في العقلية الجمعية الإيرانية من “بحث عن حلول وسط” إلى “مواجهة استراتيجية لمنع الانكسار الوجودي”.
وعلى الجانب الأمريكي، يتجاوز المشهد لغة الدبلوماسية التقليدية ليشهد تحولاً بنيوياً ومؤسساتياً عميقاً؛ حيث يبرز دمج أجهزة الاستخبارات الأمريكية وتعزيز العمليات الخارجية كإشارة واضحة لمرحلة جديدة وجذرية من الصراع. هذا التداخل الوثيق بين “مجتمع الاستخبارات” و”وزارة الخارجية” خلق حالة من التوجس الوجودي الدائم لدى صانع القرار في طهران، الذي بات يرى أن التنسيق الفائق بين وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) وقوات العمليات الخاصة، لم يعد يهدف فقط لجمع المعلومات الروتينية، بل لتصميم “عمليات هجينة” متكاملة تسبق أو ترافق أي جولة تفاوضية.
هذا التوجس الإيراني ينبع من إدراكهم العميق بأن المفاوض الأمريكي الجالس أمامهم اليوم مدعوم بآلة استخباراتية جبارة قادرة على اختراق دوائر القرار الضيقة، مما يجعل كل مبادرة دبلوماسية أو إشارة إيجابية تبدو في أعين الإيرانيين كطعم استراتيجي لاستدراجهم نحو كشف أوراقهم الميدانية وقدراتهم الفعلية.
هنا يبرز البعد السيكولوجي الفارسي الذي يتسم بتركيبة معقدة تمزج بين “الأنا” المتضخمة بفعل الإرث الإمبراطوري التاريخي، وبين “مظلومية الحسين” الراسخة عقائدياً وبين مخاوف إنهيار القلعة والمعبد.
هذه السيكولوجية تعتمد بشكل كلي على مفهوم “الصبر الاستراتيجي” وما يطلق عليه النظام الإيراني “المرونة البطولية”؛ حيث يتم استهلاك الوقت والمناورة الطويلة الصبورة لاستنزاف صبر الخصم مع الحفاظ الصارم على الخطوط الحمراء الأيديولوجية.
غير أن هذه الشخصية المفاوضة، رغم صلابتها الظاهرية، تحمل في طياتها “مناطق ضعف” جوهرية يدركها المحلل الاستخباري الغربي جيداً؛ وأبرزها الحساسية المفرطة تجاه “التحقير” أو المساس بالهيبة الوطنية.
فعندما يتم استهداف رموز سيادية في قلب طهران، يُصاب العقل الجمعي الإيراني بحالة من “الشلل الاستراتيجي” والتخبط بين الرغبة الجامحة في الانتقام وبين الخوف الوجودي من زوال النظام، وهي الفجوة الزمنية والنفسية التي تستغلها واشنطن وتل أبيب لتحويل كل جلسة سياسية إلى محطة اختبار أمني غير مباشر يقيس مدى تماسك النظام وهشاشة جبهته الداخلية أمام الضربات النوعية.
خلف لغة الدبلوماسية الهادئة والبروتوكولات الرسمية، يتحرك مسار استراتيجي تعتبر فيه واشنطن التفاوض مجرد أداة لإدارة الصراع لا لحله بشكل نهائي، حيث يمنح المسار التفاوضي المفتوح غطاءً سياسياً وأخلاقياً يهدئ الضغوط الدولية، بينما تتقدم في الخلفية استعدادات تقنية لبناء بنك أهداف أكثر دقة وفتكاً.
تتحول الابتسامات المتبادلة على طاولة الحوار إلى وسيلة ذكية لخفض حالة الاستنفار القصوى لدى الدفاعات الإيرانية، وصناعة “إحساس مضلل بالاستقرار” يمهد الطريق لـ “الضربة الذكية” القاصمة.
فالخطر الحقيقي في هذا المشهد لا يكمن في احتمال انهيار الطاولة أو فشل الحوار، بل في قدرة هذا المسار على تخدير حواس الخصم وشل قدرته على التنبؤ قبل لحظة خلط الأوراق الكبرى بضربة مركزة تستهدف مكامن القوة النوعية والمنشآت الحيوية.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا المشهد المعقد عن العمق العقائدي المترسخ؛ فبالنسبة لطهران، غالباً ما تُسقط عمليات التفاوض على سردية “مأساة كربلاء”، حيث يُنظر إلى الضغوط الأمريكية المكثفة كنسخة حديثة من حصار جيش يزيد للحسين بن علي.
هذا الربط الميثولوجي يجعل من “الصمود المأساوي” خياراً سياسياً مشروعاً بل ومقدساً، فتصبح الدبلوماسية في جوهرها محاولة إيرانية مستميتة لتجنب “السم” الذي تجرعه الخميني عند إنهاء الحرب العراقية الإيرانية.
وفي المقابل، يظل المفاوض الأمريكي متمسكاً بابتسامته الدبلوماسية وهو يدرك تمام الإدراك أن العملية الحاسمة والفعلية لا تُصاغ أبداً في أروقة الفنادق الفاخرة، بل في غرف الحرب ومختبرات الاستخبارات التي تترصد لحظة الضعف القاتلة الناتجة عن فرط الثقة بالنفس أو الإنهاك التاريخي المتراكم.
يبقى السؤال الاستراتيجي المعلق فوق طاولة المفاوضات: هل تدرك طهران حقاً أن “مرونتها البطولية” قد تُفسَّر في غرف عمليات الخصم كعلامة إنهاك واضحة تستوجب تسريع الضربة لا تأجيلها؟ .
إن الصدع المتنامي والواضح بين أجنحة النظام الإيراني – بين من يرى في التفاوض طوق نجاة أخير، ومن يراه فخاً استخبارياً محكماً – يضع إيران أمام خيار واختبار تاريخي مرير ومصيري؛ فإما المضي في دبلوماسية “الأشباح” التقليدية التي قد تنتهي بصدام جراحي موجع، أو ابتكار معادلة جديدة بالكلية تكسر حلقة المظلومية التاريخية قبل أن تتحول طاولات الحوار نفسها إلى منصات انطلاق فعلية للطائرات المسيرة والعمليات الهجينة.
في نهاية المطاف، قد يكتشف الجميع أن أخطر ما في التفاوض ليس شروطه الصعبة، بل ذلك الهدوء الخادع الذي يسبق دائماً لحظة خلط الأوراق الاستراتيجية الكبرى.
التعليقات