هل نجحت إيران في الانتقال من “الصبر الاستراتيجي” إلى “توازن الردع”؟
سعيد الزياني ـ دين بريس
يقتضي تطور الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إعادة النظر في مفهوم الردع كما كان متداولا في الإقليم خلال العقود الماضية، لأن ما تكشف في الأسابيع الأخيرة هو انتقال تدريجي نحو معادلة أكثر صرامة، قوامها أن استهداف البنية التحتية سيقابله استهداف مماثل، وأن ضرب الطاقة سيولد ردا على الطاقة، وأن الاقتراب من العقد النووية سيستدعي اقترابا مقابلا من العقد النووية أو من محيطها الحساس.
وقد ظهر هذا التحول على نحو متتابع في أكثر من ساحة، من استهداف منشآت الغاز والطاقة الإيرانية، إلى التهديدات الإيرانية المعلنة باستهداف منشآت طاقة أمريكية وإسرائيلية في المنطقة إذا نفذت تهديدات واشنطن بضرب محطات الكهرباء الإيرانية، إلى القصف الذي طال “ديمونا” و”عراد” بعد الضربة على “نطنز”، في سياق يوحي بأن طهران شرعت في العمل على تكريس قاعدة ردعية جديدة عنوانها “التماثل في مجال الألم الاستراتيجي”.
ويكشف هذا المسار أن إيران نجحت، إلى حد معتبر، في نقل الحرب من مستوى التفوق العسكري الأحادي إلى مستوى التوازن في القدرة على إيلام الخصم في مفاصله الحساسة، فإسرائيل والولايات المتحدة دخلتا الحرب وهما تراهنان على الفارق الهائل في التكنولوجيا الجوية، والاستخبارات، والدفاعات، والقدرة على الضرب بعيد المدى، إلا أن الأداء الإيراني خلال المراحل الأخيرة أظهر أن الردع يمكن قياسه أيضا بالقدرة على فرض كلفة متواصلة على العدو، وعلى تهديد ما يعده هذا العدو جوهر أمنه الاقتصادي والرمزي.
ولهذا يمكن القول إن طهران قررت أن تجعل كلفة الحرب موزعة على الجميع، وألا تبقى الضربات الواقعة على بنيتها الحيوية من دون أثر مماثل في الجهة الأخرى، وقد أسهم هذا المنحى في رفع أسعار النفط والغاز، وفي تعميق القلق العالمي من استمرار إغلاق أو تعطيل المرور في مضيق “هرمز”، بما جعل الحرب تتحول من نزاع عسكري مباشر إلى أزمة طاقة عالمية مفتوحة.
ويظهر في ملف الطاقة، على وجه الخصوص، أن إيران نجحت في ترسيخ واحدة من أكثر صور الردع فعالية، وهي معادلة النفط مقابل النفط، أو الأصح الطاقة مقابل الطاقة، ذلك أنه بعد استهداف الحقول والمنشآت الإيرانية، اتجهت طهران إلى الرد على مرافق طاقة ومنشآت مرتبطة بالسوق الخليجية، وترافق ذلك مع تعطيل واسع في هرمز، ومع تهديدات واضحة بتوسيع الاستهداف إذا مضت واشنطن في ضرب محطات الطاقة الإيرانية.
والمعنى الاستراتيجي لذلك أن إيران بدأت تدافع عن منشآتها عبر توسيع دائرة الخطر إلى سوق الطاقة الإقليمية والدولية كلها، وهو أسلوب يحقق وظيفة ردعية مركزية، لأنه يقنع الخصوم بأن استهداف البنية الاقتصادية الإيرانية لن يبقى محصورا داخل الحدود الإيرانية، وأن كلفته ستنتقل إلى الخليج، وإلى أوروبا، وإلى الاقتصاد العالمي الأوسع.
ويبدو أن طهران أدركت أن قدرتها على فرض الألم الاقتصادي العابر للحدود أهم، في كثير من الأحيان، من قدرتها على معادلة التفوق الجوي الإسرائيلي أو الأمريكي داخل الميدان الخالص.
ويتجلى المنطق نفسه في معادلة البنية التحتية مقابل البنية التحتية، بعدما لم تعد الحرب تقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة، وإنما امتدت إلى الكهرباء، والموانئ، والمصافي، وخطوط الإمداد، والمرافق التكنولوجية، وكل ما يتصل باستمرارية الحياة اليومية للدول.
ويبرز أحد أهم أبعاد الردع الإيراني، لأنه يقوم على ترسيخ قناعة لدى الخصم بأن استهداف البنية الإيرانية لن يمر من دون كلفة مقابلة، وأن أي ضربة تطال منشأة حيوية داخل إيران ستفتح الطريق، بصورة شبه تلقائية، أمام استهداف منشأة حيوية مقابلة في الجهة الأخرى، ويتناسب هذا النوع من الردع مع الحروب الطويلة، لأنه يبحث عن إنهاك إرادة الخصم، وتآكل ثقته في جدوى الاستمرار.
ومن الناحية التحليلية، لا يبدو أن إيران حققت تكافؤا كاملا مع إسرائيل والولايات المتحدة في كل مكونات القوة، لكن المؤكد أنها نجحت في خلق توازن نسبي في مجال التهديد البنيوي، أي في قدرتها على جعل المرافق الحيوية لدى الطرف الآخر عرضة للاضطراب كلما اتسع الاستهداف على جبهتها الداخلية.
ويكتسب الردع الإيراني بعدا أكثر حساسية في الملف النووي، لأن الربط بين نطنز وديمونا، أو محيطها، يحمل دلالة رمزية تمس جوهر فلسفة الردع في الإقليم، فمنذ عقود، قامت العقيدة الإسرائيلية على فرضية أن المراكز النووية الإسرائيلية تقع ضمن نطاق حصانة استثنائي، وأن أي اقتراب منها يلامس أحد أكثر المحرمات حساسية في بنية الأمن القومي الإسرائيلي.
وعندما تتعرض نطنز لضربة، ثم ترد إيران بقصف “ديمونا” و”عراد” قرب مركز الأبحاث النووية في النقب، فإن البعد الأعمق يتحدد في أن طهران نجحت في كسر صورة الحصانة المطلقة، وفي إفهام خصومها أن المجال النووي الإسرائيلي لم يعد خارج الحسابات الإيرانية، وهذا نجاح ردعي لا يستهان به، لأنه يحول الموضوع النووي من ورقة إسرائيلية أحادية إلى ورقة تهديد متبادل، ولو بدرجات مختلفة.
ويفضي هذا التماثل النسبي في الردع إلى نتيجة سياسية بالغة الأهمية، وهي فتح باب التسوية والعمل الدبلوماسي، فالحروب لا تتجه عادة إلى التهدئة عندما يكون طرف واحد قادرا على الإيلام من دون أن يدفع ثمنا مقابلا، وإنما تميل إلى البحث عن المخرج حين يقتنع الجميع بأن الاستمرار سيزيد الكلفة على الجميع من دون حسم واضح.
وهذا ما بدأ يظهر في المؤشرات الأخيرة، حيث تزايد الحديث عن اتصالات، وضغوط، ورسائل، وإنذارات، وتحركات دولية مرتبطة بهرمز والطاقة والممرات البحرية، كما برزت في الوقت نفسه رغبة إيرانية معلنة في إبقاء هرمز مفتوحا أمام السفن غير المرتبطة بما تعتبره دولا معادية، وهي صيغة تعكس، في جوهرها، مزجا بين الضغط والفتح الجزئي لمسار تفاوضي.
إن التوازن الذي نشأ من استهداف الطاقة مقابل الطاقة، والبنية التحتية مقابل البنية التحتية، والعقد النووية مقابل العقد النووية، لم يؤد إلى إنهاء الحرب بعد، لكنه أنتج شيئا لا يقل أهمية، وهو الاقتناع المتزايد بأن الحرب المفتوحة لم تعد قابلة للاستمرار بالكلفة نفسها التي تخيلها من بدأها.
يفسر هذا أيضا التوتر الظاهر في الموقف الأمريكي، حيث انتقل الخطاب من الحديث عن الحسم إلى الإنذارات المرتبطة بفتح هرمز، وإلى التلويح بضرب محطات الطاقة الإيرانية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من أثر الحرب على الاقتصاد الأمريكي نفسه، وعلى التضخم وأسعار الوقود والطاقة.
وحين تصل المواجهة إلى هذه المرحلة، تصبح الدبلوماسية ضرورة تفرضها حدود القوة نفسها، فالتصعيد الذي أراد الضغط على إيران انتهى إلى رفع أسعار الطاقة، وتعريض الملاحة للخطر، وتوليد ضغوط داخلية في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج، كما أن الرد الإيراني الذي نجح في إظهار القدرة على المعاقبة المتبادلة لا يملك بدوره مصلحة في حرب استنزاف لا نهاية لها داخل بنية إيرانية منهكة أساسا.
لذلك، يبدو أن الردع الذي كرسه الإيرانيون، إلى حدود الساعة فتح باب السؤال عن كيفية الخروج من الحرب من دون هزيمة معلنة لأي طرف.
ويستخلص من كل ذلك أن ما تحقق لحدود الساعة هو الانتقال إلى مرحلة توازن نسبي في القدرة على إيلام البنى الحساسة، وهي مرحلة كافية عادة لتحريك السياسة بعد أن تكون الحرب قد استنفدت وهم الحسم السريع.
وقد نجحت طهران، في هذا الإطار، في تثبيت ثلاثي ردعي واضح، الطاقة مقابل الطاقة، والبنية التحتية مقابل البنية التحتية، والمجال النووي مقابل المجال النووي أو محيطه الرمزي، وهذا النجاح، حتى لو ظل جزئيا ومفتوحا على الانتكاس، غير شروط اللعبة، لأن الحرب صارت تدور في فضاء يفرض على الجميع التفكير في التسوية، أو على الأقل في إدارة التراجع نحو صيغة تخفيف تصعيد تحفظ ماء الوجه وتمنع الانزلاق إلى أفق أكثر تدميرا.
وإذا أخفقت الاتصالات الدبلوماسية الجارية خلال اليومين المقبلين في التوصل إلى تسوية مقبولة لجميع الأطراف، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة شديدة الخطورة، تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وتوازنات القوة الدولية، وعندها سيجد العالم نفسه أمام مسار مفتوح على تحولات كبرى قد تنتهي، مع مرور الوقت، إلى إعادة رسم خريطة العالم نفسه.
التعليقات