هل المطلقة امرأة فاشلة؟ ومن أعطانا حق محاكمة حياتها الخاصة؟

3 أكتوبر 2026

كريمة العزيز. طبيبة وباحثة في علم الاجتماع

كثيرا ما أتوقف أمام الطريقة التي ينظر بها مجتمعنا إلى المرأة المطلقة، وكأن كلمة “مطلقة” وحدها تكفي للحكم عليها، وكأن انتهاء زواجها يعني بالضرورة أنها فشلت في تدبير أسرتها، وأن من لم تنجح في حياتها الزوجية لا يمكن أن تنجح في حياتها المهنية أو الاجتماعية.

منذ متى أصبح نجاح الزواج أو فشله معيارا للحكم على قدرات الإنسان في بقية مجالات حياته؟ وهل كل امرأة بقيت متزوجة نجحت بالضرورة في إدارة أسرتها؟ وهل كل امرأة انتهى زواجها فشلت بالضرورة؟ ومن يعرف أصلا ماذا يحدث داخل البيوت؟ كم من امرأة صبرت وحاولت وتنازلت وأعطت فرصا متكررة من أجل استمرار زواجها، وكم من امرأة بقيت في علاقة مؤلمة فقط لأنها كانت تخاف من كلمة “مطلقة” ومن نظرة المجتمع إليها أكثر مما تخاف استمرار معاناتها؟ ومن قال إن بقاء الزواج مهما كانت ظروفه دليل على النجاح؟ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: “الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان” (البقرة: 229)، وقال عز وجل: “وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته” (النساء: 130)، وقال سبحانه: “وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا” (البقرة: 231).

إذا كان الله قد شرع الطلاق ونظم أحكامه، فكيف تحول ما سماه “تسريحا بإحسان” إلى عار اجتماعي اسمه “مطلقة”؟ وكيف أصبح انتهاء علاقة زوجية قد استحالت معها الحياة المشتركة دليلا على فشل المرأة وحدها؟ وإذا رجعنا إلى الماضي سنجد أن بقاء المرأة في الزواج لم يكن دائما دليلا على نجاح العلاقة، كما أن طول الزواج لا يعني بالضرورة أن الحياة داخله كانت سعيدة أو سليمة

كانت المرأة في كثير من الحالات أقل استقلالا اقتصاديا، ولا تملك دخلا خاصا يمكنها من إعالة نفسها وأطفالها، وكانت العودة إلى بيت الأسرة بعد الزواج أمرا ثقيلا، كما كانت تخشى كلام الناس ونظرة المجتمع، وقد تتحمل العنف والإهانة والتسلط والتدخلات العائلية، لأن الطلاق في ذلك الوقت كان أمرا صعبا اجتماعيا وماديا، ومحاطا بنظرة مجتمعية قاسية وكثير من المحظورات التي كانت تجعل المرأة تتردد كثيرا قبل الإقدام عليه. لذلك لا ينبغي أن نقيس نجاح نساء الماضي بعدد الزيجات التي استمرت من دون أن نسأل عن الظروف التي جعلت بعض النساء غير قادرات على الخروج منها. أما اليوم فقد تغيرت الظروف.

أصبحت المرأة أكثر تعلما واستقلالا وأكثر معرفة بحقوقها وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات لم تكن قادرة على اتخاذها في الماضي. وهذا لا يعني أنها أصبحت تريد الطلاق بسهولة، بل إن المرأة خصوصا عندما يكون هناك أطفال قد تكون آخر من يفكر في الانفصال، وتحاول وتصبر وتعطي فرصا وتبحث عن حلول قبل أن تصل إلى هذا القرار. وقد تكون الأسباب عنفا أو إدمانا أو خيانة أو مشاكل مادية أو اختلافا عميقا في طريقة التفكير أو انعدام التواصل أو تدخلا عائليا أو عدم توافق عاطفي أو جنسي أو أسبابا أخرى لا يعرف تفاصيلها إلا أصحاب العلاقة. ولهذا لا يمكن لمن يقف خارج البيت أن يعرف الحقيقة كاملة ولا أن يحول نهاية الزواج إلى محاكمة أخلاقية للمرأة. والأغرب أن المجتمع لا يتعامل دائما مع الرجل المطلق بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع المرأة المطلقة.

الرجل قد يطلق ويتزوج من جديد وغالبا لا يتحول طلاقه إلى هوية تلاحقه أينما ذهب، بينما تبقى المرأة مطالبة بتقديم تفسير دائم عن حياتها الخاصة: لماذا تطلقت؟ هل أخطأت؟ هل ستتزوج من جديد؟ ومن سيتزوجها؟ وماذا عن أولادها؟ وكأن الرجل لم يكن طرفا في الزواج نفسه. وقد قال الله سبحانه وتعالى: “وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف” (البقرة: 232)، وهي آية تؤكد أن انتهاء الزواج لا يعني إغلاق باب الحياة أمام المرأة ولا حرمانها من حقها في الزواج من جديد. لكن القضية الأهم تتجاوز الطلاق نفسه. فالحياة الخاصة للإنسان لا يمكن أن تكون معيارا آليا للحكم على قدرته في المجالات الأخرى. إدارة الأسرة لها ظروفها وتعقيداتها الإنسانية الخاصة، بينما إدارة مؤسسة أو شركة أو مسؤولية عامة لها معايير ومؤهلات مختلفة.

قد يكون الإنسان ناجحا في مهنته ولا ينجح زواجه، وقد يكون متزوجا منذ سنوات طويلة لكنه لا يكون بالضرورة ناجحا في عمله أو مسؤوليته العامة. الإنسان ليس تجربة واحدة تختصرها علاقة زوجية. لذلك عندما يتولى أي شخص مسؤولية عامة فمن حق الناس أن يناقشوا أداءه وقراراته وبرامجه ونتائجه وأن يختلفوا معه وينتقدوه بكل حرية. لكن ربط الأهلية المهنية أو السياسية بالحالة الاجتماعية للشخص وتحويل الطلاق إلى دليل على عدم الكفاءة ليس تقييما للأداء وإنما حكم مسبق على الحياة الخاصة. والأغرب أن هذا الحكم غالبا ما يوجه إلى المرأة أكثر مما يوجه إلى الرجل.

لقد آن الأوان في رأيي لأن نعيد النظر في هذه الكلمة التي حملناها أكثر مما تحتمل “مطلقة” . هي ليست صفة أخلاقية وليست شهادة فشل وليست دليلا على أن المرأة لم تعرف كيف تدبر أسرتها. هي ببساطة امرأة انتهت علاقة زوجية في حياتها مثلما ينتهي الزواج في حياة الرجل. ولا أحد يعرف كم من الألم أخفته امرأة قبل أن تتخذ قرار الانفصال وكم مرة حاولت إنقاذ زواجها قبل أن تصل إليه. الله شرع الطلاق لأنه يعلم طبيعة الإنسان ويعلم أن بعض العلاقات تستمر بالمعروف وأن بعضها قد يصبح استمرارها ظلما للطرفين. لذلك فإن انتهاء الزواج لا يعني انتهاء الكرامة ولا انتهاء الحياة ولا سقوط الإنسان. فالزواج قد ينجح وقد يفشل لكن فشل علاقة زوجية لا يعني فشل الإنسان رجلا كان أم امرأة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

مغرب الحداثة..

دين بريس ـ افتتاحية يقوم بناء مغرب الحداثة على مواصلة تحديث المؤسسات، وتعزيز الحقوق، وتوجيه ثمار التنمية نحو تحسين ظروف عيش المواطنين. و نهج المغرب، منذ انطلاق العهد الجديد، مسارا إصلاحيا متدرجا شمل مختلف جوانب الدولة والمجتمع، وعزز النقاش الوطني حول العدالة والمشاركة ومكانة المواطن في بلورة السياسات العمومية. وشكلت هيئة الإنصاف والمصالحة محطة بارزة […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...