هل اقترب الخيار النووي في حسم المعركة ضد إيران؟

3 مارس 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
تفرض الحرب الجارية على إيران إعادة صياغة السؤال الاستراتيجي من أساسه، لأن المسألة لم تعد تنحصر في مقدار الدمار الذي تستطيع الضربات الأميركية والإسرائيلية إحداثه، وإنما اتجهت إلى اختبار قدرتها على إنتاج حسم نهائي يمنع طهران من الاستمرار في القتال أو من إعادة بناء قدراتها النووية تحت ضغط الحرب.

إن القوة العسكرية حين تعجز عن التحول إلى نتيجة سياسية مستقرة، تكشف حدودها الموضوعية مهما بلغ تفوقها العملياتي.

وتشير المعطيات المتراكمة خلال المرحلة الأخيرة إلى أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بوجود برنامج نووي إيراني حساس، وإنما يتصل بالبنية المادية والتنظيمية لهذا البرنامج، من حيث توزيعه على منشآت متفاوتة التحصين، ومن حيث تمركز أجزاء أساسية منه داخل مواقع عميقة ومحكمة الحماية، بما يجعل تدميرها الكامل بالقوة التقليدية مسألة مركبة تتجاوز منطق الغارات الكثيفة أو الضربات المتتابعة.

يقوم هذا التفسير على فرضية أن الحرب تُخاض لمنع إيران من التسلح النووي، غير أن الواقع السياسي يوحي بأن هذا التبرير لا يكفي وحده لفهم ما يجري، فتصريحات إسرائيل والولايات المتحدة، كما منطق التحركات الجارية، تكشف أن المسألة تتجاوز الملف النووي إلى رهانات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة وتكريس الهيمنة في الشرق الأوسط.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر خطورة في التفكير الاستراتيجي المعاصر: ما الذي يبقى في حسابات القوة حين تتوسع الحرب، وحين لا تبدي إيران أي استعداد للاستسلام، وحين يتضح أن الضربات التقليدية تؤخر أكثر مما تحسم.

فعندما تبلغ القوة التقليدية حدودها العملية من دون أن تفرض النتيجة السياسية المرجوة، يبدأ التفكير في الأدوات القصوى بوصفه امتدادا مباشرا لمأزق الحسم وباعتباره نتيجة منطقية لعجز الوسائل القائمة عن بلوغ الغاية المنشودة.

وتكشف التقديرات المنشورة منذ صيف 2025 مفارقة استراتيجية ذات دلالة عميقة، إذ إن الضربات الوقائية الموجهة ضد إيران تصيب بالفعل عناصر حساسة من بنيتها العسكرية والنووية، وفي الوقت نفسه قد تعزز داخل طهران موقع التيار الذي يرى أن الردع التقليدي استنفد وظيفته، وأن السلاح النووي لم يعد مجرد أداة نفوذ أو ورقة تفاوض، وإنما تحول في وعي أصحابه المحتملين إلى ضمانة وجودية.

وتنبع خطورة هذه المفارقة من أن الحرب قد تنقلب على مقصدها الأصلي، فهي تستهدف إضعاف المشروع النووي الإيراني، وقد تسهم، من حيث لا تريد، في تقوية المبررات الداخلية الدافعة إلى تسريع مساره.

وتعزز هذه القراءة فرضية أن استهداف المنشآت والقواعد والعلماء لا يفضي تلقائيا إلى التراجع الإيراني، وقد يفتح الطريق أمام ما يمكن توصيفه باختراق نووي يجري تحت ضغط الحرب، فعندما يترسخ داخل الوعي السياسي الإيراني أن التراجع لا يفضي إلى التهدئة، وأنه قد يستجلب مزيدا من الضربات، يصبح من السهل على التيارات المتشددة أن تعيد تعريف القنبلة النووية بوصفها شرطا للبقاء، لا أداة للهيمنة فقط.

وعند هذه النقطة، تنتقل الحرب من محاولة منع السلاح النووي إلى خطر الإسهام غير المباشر في إنتاج دوافعه وتسريع منطقه.

وفي هذا السياق تفسر الخلفية السابقة عودة الحديث، داخل بعض الدوائر التحليلية، عن الخيار النووي التكتيكي بوصفه الاحتمال “الأكثر إثارة للقلق والأقل احتمالا” في آن واحد، فظهور هذا الخيار في النقاش لا يعني تحوله إلى قرار وشيك، غير أنه يدل بوضوح على أن الحرب دفعت التفكير الاستراتيجي إلى حدوده القصوى، لأن السلاح النووي لا يُستحضر هنا بوصفه أداة اعتيادية ضمن ترسانة الردع، وإنما بوصفه التعبير النهائي عن مأزق الحسم عندما تصطدم الرغبة في إنهاء البرنامج النووي الإيراني بعجز الوسائل التقليدية عن تحقيق التدمير الكامل لبعض الأهداف العميقة.

ويكشف مجرد تداوله أن المنطق التقليدي للحسم بدأ يفقد جزء من كفاءته التفسيرية والعملياتية.

وتعيد تطورات مارس 2026 هذا النقاش إلى مستوى أعلى من الحساسية، لأن بعض القراءات الحديثة ترى أن الرهان الأميركي على الإخضاع بالقوة المحدودة دخل طور التآكل البنيوي، فقد تأسست سياسة الضغط، في أحد أركانها الرئيسية، على افتراض أن إيران ستوازن بين بقاء النظام وبين كلفة التصعيد، وستختار في النهاية امتصاص الضربات أو التراجع تفاديا للانهيار، الا أن اتساع الحرب، وتحولها من ضغوط متدرجة إلى مواجهة أكثر انفتاحا، أظهر أن طهران قد تميل إلى توسيع مسرح الرد عوض القبول بشروط تُقرأ داخليا باعتبارها صيغة من صيغ الاستسلام.

وإذا صح هذا التقدير، فإن واشنطن وتل أبيب تصبحان أمام معادلة شديدة الكلفة، قوامها الاختيار بين حرب أطول وأكثر استنزافا، وبين البحث عن ضربة (نووية) توصف داخل بعض دوائر القرار بأنها حاسمة وقادرة على إنهاء المعركة دفعة واحدة.

وهنا تحديدا تظهر الأسلحة القصوى بوصفها إغراء استراتيجيا في لحظات العجز، لأنها تبدو، في نظر بعض صناع القرار، اختصارا مميتا لحرب لا يراد التورط فيها زمنيا وبشريا إلى مدى مفتوح، ومن ثم، فإن تحول النووي يكشف حدود القوة التقليدية حين تعجز عن تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي قابل للاستمرار.

وتحذر المعطيات نفسها من أن هذا السيناريو، حتى إذا بقي في مستوى التفكير النظري، يحمل آثارا تتجاوز إيران في بعدها الجغرافي والسياسي، فأي استخدام نووي ضد هدف إيراني لن يُقرأ في النظام الدولي كسابقة تضرب البنية التي قام عليها الردع والضبط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وتكشف القراءة الأعمق أن أخطر ما في الحرب الحالية  يتمثل في وجود بنية صراع قد تجعل هذا السؤال أكثر حضورا كلما طال أمد المعركة من دون تسوية، فعندما تكون إيران غير مستعدة للاستسلام، وعندما تكون المنشآت المتبقية أكثر تحصينا أو أكثر حساسية، وعندما تكون كلفة الحرب البرية أو الاحتلال الواسع مرتفعة إلى حد كبير بالنسبة لواشنطن، تصبح فكرة الضربة الحاسمة أكثر جاذبية داخل بعض الدوائر المتشددة، حتى لو ظلت كارثية من منظور السياسة والأمن الدولي.

وهذا هو جوهر الخطر الحقيقي، لأن استمرار الحرب من دون أفق سياسي قد ينقل ما كان مستبعدا بالأمس إلى دائرة المفكر فيه اليوم.

ولهذا فإن أخطر استنتاج هو أن منطق الحرب، إذا تُرك وحده من دون فرامل سياسية ودبلوماسية صارمة، قد يجعل هذا السؤال نفسه جزء متكررا من الحسابات المقبلة.

وعندما يصبح مجرد السؤال عن ضربة نووية ضد إيران جزء من النقاش الجدي، فإن ذلك يعني أن المنطقة لا تقف على حافة تصعيد عسكري فحسب، وإنما على حافة أزمة حضارية تمتحن معنى الردع، وحدود القوة، ومصير الأمن الدولي برمته.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...