هجوم مسجد إسلام آباد يعيد تسليط الضوء على تنظيم “داعش ـ ولاية خراسان”
دين بريس ـ سعيد الزياني
أعاد الهجوم الانتحاري الدموي الذي استهدف مسجدا للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد تسليط الضوء على تنظيم داعش ـ ولاية خراسان، الذي تصفه تقارير أممية وإعلامية دولية بأنه أحد أكثر فروع تنظيم “الدولة الإسلامية” نشاطا وخطورة في المرحلة الراهنة.
وكان التنظيم قد تبنى الهجوم في بيان دعائي، زاعما أن منفذه يحمل الاسم الحركي “سيف الله أنصاري”، ومعتبرا العملية ضربة في “عمق المركز السياسي” للبلاد.
وأعلنت السلطات الباكستانية، في أعقاب التحقيقات الأولية، أن المهاجم يدعى “ياسر” وينحدر من مدينة بيشاور، مؤكدة أن استخدام أسماء حركية يندرج ضمن محاولات التنظيم تضليل الأجهزة الأمنية وإخفاء امتداداته التنظيمية.
ووقع الهجوم يوم الجمعة الماضي داخل مقام الحسينية بمسجد “خديجة الكبرى” في منطقة “ترلائي”، حيث استغل المهاجم تجمع المصلين، وبدأ بإطلاق النار على عناصر الحراسة، قبل أن يخترق الطوق الأمني ويفجر حزامه الناسف وسط باحة المسجد، ما أسفر عن مقتل 35 شخصا وإصابة 169 آخرين، في واحدة من أعنف الهجمات التي شهدتها العاصمة منذ عام 2008.
وأفادت التحقيقات بأن العملية لم تكن عفوية، بل سبقتها مراحل من التخطيط والتدريب، إذ تشير المعلومات إلى أن المنفذ تلقى تدريبات عسكرية داخل الأراضي الأفغانية قبل تسلله إلى باكستان.
وكشفت السلطات عن تفكيك خيوط شبكة دعم لوجستي، واعتقال عدد من أقارب المهاجم في بيشاور ونوشهره، وسط شبهات بوجود خلايا نائمة داخل العاصمة تولت مهام الرصد والتسهيل.
يشار الى أن نشاط تنظيم داعش ـ ولاية خراسان، الذي ظهر إلى العلن سنة 2015، تصاعد عقب انشقاق عناصر من حركة طالبان الباكستانية وبايعتهم قيادة “داعش” في العراق وسوريا.
وسعى التنظيم، منذ تأسيسه، إلى ترسيخ وجوده في المناطق الحدودية الوعرة بين أفغانستان وباكستان، مستفيدا من هشاشة المشهد الأمني والتداخل القبلي والجغرافي.
ويستمد التنظيم تسميته من “خراسان التاريخية”، وهي رقعة رمزية تشمل أفغانستان وأجزاء من باكستان وإيران وآسيا الوسطى، في توظيف إيديولوجي يمنحه، في خطابه الدعائي، بعدا يتجاوز حدود الدول الوطنية.
وتؤكد تقارير دولية أن هذا البعد الرمزي يُترجم ميدانيا إلى عنف مفرط، قائم على الهجمات الانتحارية واستهداف المدنيين، خصوصا الأقليات الدينية.
وتشير التقارير إلى أن التنظيم جعل من الشيعة ودور العبادة هدفا رئيسيا له، في محاولة لإشعال توترات طائفية وزعزعة الاستقرار الداخلي في كل من أفغانستان وباكستان، كما يخوض التنظيم صراعا مباشرا مع حركة طالبان، التي يعتبرها “خصما عقائديا”، منذ سيطرتها على كابل عام 2021.
ومن الناحية العملياتية، يعتمد التنظيم على خلايا صغيرة وشبه مستقلة، ما يمنحه مرونة في التنفيذ ويصعب على الأجهزة الأمنية تفكيك بنيته.
وتشير التقارير إلى أن التنظيم يركز على التجنيد المحلي والإقليمي، مستفيدا من الدعاية الرقمية متعددة اللغات لاستقطاب عناصر من آسيا الوسطى ومحيطها.
وبرز اسم داعش خراسان عالميا بعد تبنيه تفجير مطار كابل في أغسطس 2021، بالتزامن مع الانسحاب الغربي من أفغانستان، ومنذ ذلك الحين واصل تنفيذ هجمات نوعية داخل مدن كبرى، في رسالة مفادها أن انهيار “الخلافة” في العراق وسوريا لم يُنهِ قدرته على الضرب.
ويحذر فريق مراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي من أن التنظيم بات يشكل تهديدا إقليميا عابرا للحدود، قادرا على استهداف العواصم والمراكز الحضرية، واستغلال الثغرات الأمنية والتوترات الطائفية.
ويرى مراقبون أن الهجوم الأخير في إسلام آباد يعكس انتقال التنظيم من استهداف الهوامش الهشة إلى ضرب العمق السياسي والأمني، في مسعى لإحراج السلطات وبث رسالة مفادها أن العواصم نفسها ليست بمنأى عن العنف.
ويمكن اعتبار داعش – ولاية خراسان تنظيما متحولا يستثمر الفوضى الإقليمية، ويعيد توظيف الإرهاب الطائفي كأداة لإرباك الدول واستنزاف المجتمعات، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تنسيق استخباراتي إقليمي يتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية نحو معالجة أعمق لجذور التطرف العنيف.
التعليقات