نفثة في زمن الحرب

13 مارس 2026

محمد التهامي الحراق

تتزاحم خواطر وأفكار ومشاعر وارتباكات حس ومعنى، في غمرة متابعتي لأطوار الحرب في “الشرق الأوسط”؛ وأُصاب في الغالب بالدوّار حين أسمع تحليلات “مُشرِّقة” و”مُغرِّبة”، لكن أغلبها أسير إمية هذا أو ذاك، مع أو ضد.

إنها لا تذهب إلى الدروس الاعتبارية العملية البعيدة التي على الإنسانية أن تستفيدها؛ من صراعات مصالح تلبس لبوسا عقديا أو إنسانيا مزيفا، وقرارات تتوارى خلف هذا المعجم أو ذاك لتتحكم في مصير الناس، وتقامر بحيواتهم بلا شفقة ولا درة إنسانية.

لا أعتقد إطلاقا أن الذين يقررون خوض الحروب، ويستسهلون ذلك، يملكون من الخيال الحي ما يكفيهم ليشعروا بحقيقة رُعبِ الناس وهم يواجهون الموت وجها لوجه في ساحة النار والدماء والأشلاء؛ لا أعتقد أن هؤلاء يملكون من الخيال الحيّ ما يجعلهم يتقمصون حال جنون الثكلى على أبنائها، أو هلع صغير مفجوع في أبويه، أو رعب شيخ يلفظ أنفاسه اختناقا، أو انفراط عقل عاشقة مفزوعة بفقدان حبّ حياتها….آلام من أجل أفكار أو مصالح أو حسابات لا يعيها المتألمون وقد لا تعنيهم، هم فقط حطبُ أوارها فيما يستفيد “الكبار” من “دفئها” أو “نورها”… غير عابئين بأن وقودَ تلك النار هم أناس مثلهم، لا أحد يمكنه أن يعوضهم عن هبةِ حياة لا ثمن لها.

المسألة لا شعر فيها، وإنما هو تَكلُّس في إنسانية من يستسهلُ خوض الحروب، بهذه الذريعة أو تلك، بلغة مصالح الأرض أو وعود السماء، ولا يرى في أنفس الناس الثمينة في الأرض والسماء أيضا، سوى أوار قتل أو أرقام ضحايا أو حسابات جيو سياسية لفئات وجهات وأنانيات.

لا أعتقد أن من يستسهل إعلان الحرب يكون أثناء إعلان ذلك إنسانا كامل الشعور بروح إنسانيّته ومعناها؛ إنه أبدا لا يكون كذلك وهو يحرك ويؤجج في الناس أخسَّ ما في بواطنهم من نوازع الشر؛ من كراهية وحقد ونيران غضب وثأر وانتقام.

لأجل ذلك، نحتاج للأدب والفن والحكمة والروحانية والمعنى والجمال…لتلطيف هذه النوازع، ومعالجتها، وتصريفها في مصارف ما ينفع الناس؛ منتبهين إلى أن تلك النوازع قد تمس أحيانا هذه المجالات نفسها فتستعملها في تغذية الغضب والكراهية وتفجير مكبوتات الشر الكامنة في النفس البشرية المكلومة؛ بل قد ترفع شعار ضرورة الحرب لأجل تلك اللطائف، وتتوسل الإبادة موهِمةً ومُتوهِّمةً أنها تطلب للسعادة.

هذه مجرد نفثة، علّ من بقي من الحكماء والرشداء وأعلام المعنى في الأرض يَهبُّون لتذكير البشر بوحدة البشر، وتذكير الإنسان بوحدة الأصل الإنساني، وتذكير هذا الكائن “الظلوم الجهول” بأنه “يحمل أمانة” في الكون؛ كونه يملك شعورا ووعيا بهما يتميز عن غيره من عناصر الطبيعة، وأن تلك “الأمانة” تقدره وتلزمه أن يفكر في التغلب على نوازع الشر فيه، ومن ثم التفكير في مسالك للعيش معا، لأن لا أحد من البشر له الحق في أن يسلب الحياة من أخيه الإنسان، لأنه لا يملك أن يهبه الحياة. ما سوى ذلك من تحليلات ومواقف سياسية ودبلوماسية واستراتيجية وعسكرية واقتصادية واجتماعية…. هي فروع عن هذا السؤال الأنطولوجي المنسي، الذي يمكن أن يكون تجديدُ اعتباره والتفكير فيه، بطريقة ما، مفتاحا لتجديد محاولة ترشيد الإنسان من حيث هو إنسان، وتسديد وجوده في العالم بالإسهام في تسديد عالم وجوده.

جمعة مباركة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...