نحو وعي سياسي يحمي التعايش في المغرب: معركة الوعي في زمن التضليل
كريمة العزيز
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي، لم تعد النقاشات العمومية مجرد تبادل لوجهات النظر، بل أصبحت في كثير من الأحيان ساحة يتقاطع فيها الديني بالسياسي، والأيديولوجي بالعاطفي، بشكل يخلق نوعًا من الضبابية التي تُربك الفهم وتُضعف القدرة على التمييز.
هذا الخلط لا يظهر فقط في المواقف المتشنجة، بل يتجلى أيضًا في طريقة تأويل الأحداث البسيطة وتحويلها إلى قضايا صدامية، كما حدث في الجدل الذي رافق زيارة بعض اليهود من أصول مغربية لبلدهم وممارستهم لشعائرهم الدينية، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبر الأمر طبيعيًا في بلد عرف تاريخيًا بتعدده، وبين من رآه استفزازًا، وهو اختلاف يعكس في جوهره التباسًا بين الدين كعقيدة روحية، وبين التوظيفات السياسية التي قد تُلصق به، فاليهودية، كغيرها من الديانات، لا تختزل في صراعات سياسية، كما أن الإسلام بدوره لا يُختزل في تيارات أو تنظيمات تدّعي تمثيله، والدين في عمقه أكثر رسوخًا من أن تهزه هذه الاستعمالات الظرفية.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الفهم الديني، بل يمتد إلى المجال السياسي، حيث تميل بعض الخطابات إلى استثمار العاطفة الجماعية، خاصة عبر قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية، لتوجيه الرأي العام وكسب التعاطف، بدل الانخراط في نقاش جاد حول البرامج والحلول، هذا التوجه لا يخدم النقاش الديمقراطي، لأنه يُحوّل اهتمام المواطن من قضاياه اليومية إلى صراعات رمزية، في وقت يواجه فيه تحديات ملموسة تتطلب إجابات واضحة ومسؤولة، من قبيل غلاء الأسعار، وارتفاع كلفة المعيشة، والحاجة إلى إصلاح عميق لقطاع التعليم بمنهجيات تواكب التطور وتُنتج الكفاءة بدل إعادة إنتاج الأزمة، إضافة إلى ضرورة ضمان حق التطبيب للجميع بشكل عادل وفعّال، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بحيث يكون العمل السياسي قائمًا على النزاهة والأخلاق، لا على استغلال المواقع لتحقيق المصالح الشخصية.
إن الديمقراطية، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بقدرة الفاعل السياسي على التأثير في العواطف، بل بمدى التزامه بتقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ، وباستعداده لتحمل المسؤولية والمساءلة، كما أن التنافس السياسي السليم لا يقوم على التخويف من “الآخر” أو على نشر تصورات تُغذي الشك والانقسام، بل على بناء الثقة عبر الوضوح والإنجاز، فربط السياسة بالانتماءات الضيقة، أو تقديمها كصراع هويات، يُفرغها من مضمونها ويُحولها إلى أداة استقطاب بدل أن تكون وسيلة لخدمة الصالح العام، وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام، خاصة الرقمي، كعامل مؤثر في تشكيل هذا الوعي أو توجيهه، حيث أتاح الفضاء المفتوح انتشارًا واسعًا للمعلومة، لكنه في المقابل فتح المجال أيضًا أمام التسرع في النشر، وغياب التحقق، وتضخم الخطابات الانفعالية، مما يجعل فئات واسعة من المواطنين عرضة للتأثر بمحتويات قد تفتقر للدقة أو التوازن.
وهذا ما يطرح الحاجة إلى إعلام أكثر مسؤولية، وإلى وعي فردي قادر على التمييز والنقد، لأن معركة اليوم لم تعد فقط حول من يحكم، بل حول كيف نفكر ونفهم ونُقيّم ما يُعرض علينا، ورغم كل هذه التحديات، يظل المغرب نموذجًا غنيًا في التعايش، حيث لم يكن التعدد يومًا مصدر تهديد، بل كان دائمًا عنصر قوة وتنوع، ضمن إطار قانوني وثقافي يحمي الجميع، هذا الإرث ليس مجرد ماضٍ يُستحضر، بل أساس يمكن البناء عليه لتجاوز لحظات التوتر، شرط أن يتم تحصينه بوعي جماعي يرفض الانجرار وراء خطابات التفرقة، ويؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف لا يُفسد الانتماء.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى خطاب أكثر نضجًا، وإلى ممارسة سياسية تُعيد الاعتبار للبرامج بدل الإثارة، وللإنجاز بدل الادعاء، وللمصلحة العامة بدل الحسابات الضيقة، فحين يتحرر النقاش من التضليل، وتُوجّه العاطفة نحو البناء بدل الاستقطاب، يصبح التعايش خيارًا واعيًا لا مجرد شعار، وتصبح الديمقراطية ممارسة حقيقية لا مجرد واجهة.
التعليقات