ناصر والإخوان: الحلقة (1) التعرف على الجماعة

29 يناير 2026

ماهر فرغلي

للتوضيح:
1-تأتي هذه الحلقات في تتابع لما بدأته بحلقة عن السادات ثم ناصر وبعده مبارك ثم السيسي والإخوان.
2-ليست هذه الحلقات هي هجوم على أي رئيس فكلهم وطنيون قدموا لمصر ما يعجز القلم عن ذكره.
3-بالنسبة لحلقات ناصر، فهناك عدة رؤى أحترمها جميعا، ولا أستطيع الحكم على كاتبها بأي اتهام، كما حدث لي من بعض الجهلاء، أولها أن ناصر لم يكن إخوانيا، لكنه استغلهم للقيام بالثورة. الثاني أن ناصر كان إخوانيا ثم انشق عنهم لخلافات كثيرة أهمها خلافه مع الهضيبي واكتشافه عدم وطنيتهم. ثالثها أنه تحالف مع الجماعة ولم يكن إخوانيا كأخ عامل وخان العهد (هذا رأي الجماعة)، وأنا أرجح الرأي الثاني، وتأتي هذه الحلقات لإثبات ذلك، وليس للرد على أحد أو اتهام والترصد بأي أحد، فكل حر في رأيه.

الحلقة (1)
يقول المستشار الدمرداش العقالي في شهادته، التي وردت في حلقات للكاتب سليمان الحكيم: “عبد الناصر والجماعة من الوفاق إلى الشقاق”، ونُشرت حلقات منها في جريدة “المصري اليوم” عام 2010: انخرط ناصر في صفوف الإخوان المسلمين عام ١٩٤٢ مشكلا مع عبد المنعم عبد الرؤوف، وأبو المكارم عبد الحي ومحمود لبيب، الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في الجيش، ولم يكن اسم الضباط الأحرار قد ظهر بعد، فكان هذا التشكيل السري في الجيش الذي انخرط فيه عبد الناصر مجرد فرع للجهاز الخاص الذي أسسه حسن البنا عام ١٩٣٨ وقد بايع جمال عبد الناصر حسن البنا المرشد العام للحركة بنفس الطريقة التي بايعه بها أي عضو آخر في التنظيم أو الحركة، وأصبح جمال عبد الناصر منذ ذلك الوقت من عام ١٩٤٢.
وأكد القيادي اليساري الكبير رفعت السعيد، في شهادة نقلها موقع العربية نت عام 2017، أنه سمع بنفسه من خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة أنه وعبد الناصر ذهبا للانضمام للتنظيم السري لجماعة الإخوان، واتفقا على ذلك وذهبا معا بعد مفاوضات سابقة جرت بينهما وبين عناصر من الجماعة إلى أحد المقرات التابعة للإخوان في منطقة السيدة زينب حتى يؤديا القسم. مضيفاً أن القسم كان ينص في أحد بنوده على الآتي “إذا خنت الأمانة وأفشيت سر الجماعة فسيخلى سبيلك – أي سيتم قتلك”، وبعد أداء القسم بأيام طلبت الجماعة من ناصر ومحيي الدين الذهاب للتدريب في معسكر في المقطم وحلوان، وكلفت شابا مدنيا بتدريبهما، وبدأ يشرح لهما كيفية فك وتفكيك القنبلة؛ فقال له محيي الدين هذا غير صحيح نحن ضباط جيش وما تشرحه لنا من خطوات لتفكيك القنبلة قد يودي بحياتنا، فقال له الشاب ما عليك سوى السمع والطاعة؛ وهنا مال خالد محيي الدين على جمال عبد الناصر وقال له: “هذا شاب أهبل” فرد عليه عبد الناصر “بل نحن من يجب وصفنا بالهبل؛ هذا الشاب لم يأت ليدربنا على تفكيك القنابل وحمل السلاح بل جاء ليدربنا على السمع والطاعة حتى لمن هو أقل منا معرفة وخبرة.
يقول شريف عارف في كتاب “الإخوان في ملفات البوليس السياسي” إن عبد الناصر انضم للإخوان وكان اسمه الحركي “زغلول عبد القادر”؛ ووفقا لوثائق رسمية فقد كانت علاقة عبد الناصر بهم وثيقة وله علاقات خاصة مع حسن الهضيبي وعبد الرحمن السندي قائد التنظيم الخاص المعروف، وهناك وثائق كشفت أن عبد الناصر تولى تدريب كتائب للإخوان عسكريا؛ ولو لم يكن عبد الناصر منضما إلى التنظيم أو على علاقة به لما سمح له بتدريب الإخوان وكتائبهم، وهناك وثيقة أخرى صدرت عقب ثورة يوليو من إحدى السفارات الأجنبية في مصر؛ تصف عبد الناصر أنه الرجل الثاني في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بالثورة؛ وأنه كان في وقت سابق عضوا بجماعة الإخوان؛ واسمه الحركي “زغلول عبد القادر”؛ واستمر هذا الاسم كشفرة وكود شخصي في المراسلات بينه وبين خالد محيي الدين في الجيش وتنظيم الضباط الأحرار.
يقول حسين حمودة في مذكراته “أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين”، دار الزهراء للإعلام العربي، ط1 تحت عنوان “التنظيم السري للإخوان المسلمين بين ضباط القوات المسلحة”: “التقينا في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف في السيدة زينب في مطلع عام 1944، وكان عددنا سبعة ضباط هم حسب الأقدمية في كشف الجيش المصري آنذاك، اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف، واليوزباشي جمال عبد الناصر، والملازم أول كمال الدين حسين (عضو مجلس قيادة الثورة عام 1952)، والملازم أول سعد حسن توفيق، والملازم أول خالد محي الدين (عضو مجلس قيادة الثورة عام 1952)، والملازم أول حسين محمد أحمد حمودة والملازم أول صلاح الدين خليفة”.
ويتابع حمودة: “حضر اجتماعنا الصاغ محمود لبيب، وكيل جماعة الإخوان المسلمين، وتكررت اجتماعاتنا مرة كل أسبوع في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف في السيدة زينب، وفي منزل جمال عبد الناصر في منطقة تقاطع شارع أحمد سعيد في شارع رمسيس (الملكة نازلي سابقاً)، وفي بيت خالد محي الدين في شارع الخليج المصري في الحلمية، وفي بيتي في حمامات القبة، ولم تنقطع أبداً من عام 1944 إلى 1948، ثم انقطعت اعتباراً من أيار/ مايو عام 1948 بسبب حرب فلسطين”.
ويؤكد الرواية، من جهته، الكاتب عبد الله إمام، وهو أحد كبار مؤرخي الحقبة الناصرية في مصر، في كتابه “عبد الناصر والإخوان المسلمون”، توفي عام 2003، إذ يقول في الفصل الأول: “العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار بدأت مبكراً، فكان بينهم عدد غير قليل من أعضاء جمعية الإخوان. ويقول كمال الدين حسين، وفق ما نقل عبد الله إمام في مؤلفه: “حركة الضباط الأحرار منذ دخلها عام 1944، لا يعرف لها هدفاً سوى الحكم بكتاب الله، وأنهم جميعاً عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد المنعم عبد الرؤوف بايعوا على ذلك محمود لبيب والمرشد وعبد الرحمن السندي”.
أما الفريق عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار، فيقول في كتابه “أرغمت فاروق على التنازل عن العرش”، الصادر عن الزهراء للإعلام العربي، صـ300: كيف نشأت النواة الأولى للتنظيم من رحم الجماعة، بقوله: “استطعت في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1942 أن أدعو ضابطاً من الكتيبة الثالثة لحضور درس الثلاثاء في دار المركز العام لجماعة الإخوان، هو النقيب جمال عبد الناصر حسين، ثم أتبعته بضابط ثانٍ هو الملازم أول حسين أحمد حمودة، ثم دعوت ضابطاً ثالثاً هو الملازم كمال الدين حسين من سلاح المدفعية، وكان منزله قريباً من منزلي في حي السيدة زينب، وكثيراً ما تجاذبنا أطراف الحديث أثناء ركوبنا (الترام) صباحاً متجهين إلى وحدتنا”.
ويتابع “استدعاني وصلاح خليفة الصاغ محمود لبيب، وعرّفنا بالمرحوم عبد الرحمن السندي الذي شرح لنا متى وكيف سيتم أخذ العهد وحلف اليمين، وقد تم ذلك على النحو التالي، حيث ذهبنا نحن السبعة في ليلة من أوائل عام 1946 إلى المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين بالملابس المدنية حسب اتفاق سابق، وبعد أن تكامل عددنا، قادنا صلاح خليفة إلى منزل في حي الصليبة بجوار سبيل أم عباس، حيث صعدنا إلى الطابق الأول فوق الأرض، ونقر على الباب نقرة مخصوصة وسأل ′الحاج موجود؟′، وكانت هذه هي كلمة السر ففتح الباب، ودخلنا حجرة ذات ضوء خافت جداً مفروشة بالحصير، وفيها مكتب موضوع على الأرض ليست له أرجل، فجلسنا على الحصير ثم قادنا صلاح واحداً بعد الآخر لأخذ العهد وحلف اليمين في حجرة مظلمة تماماً، يجلس بها رجل مغطى بملاءة فلا تعرف شخصيته”.
ويستكمل عبد الرؤوف شرح ما حدث في تلك الليلة: “بعد أن أعطى كل منا البيعة، عدنا إلى الحجرة الأولى ذات الضوء الخافت، فوجدنا شخصاً عرّفنا بنفسه، وذكر أن اسمه عبد الرحمن السندي، وقال إنه يرأس النظام الخاص للإخوان المسلمين، وهو تنظيم سري مسلح”.
كما يقول خالد محي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة في شهادته الشاملة بكتابه (والآن أتكلم)، التي نشرت في جريدة المسلمون السعودية، ونقلتها العديد من المواقع الإلكترونية: كنا في نهاية عام 1944 وكانت الحيرة تغلفنا جميعا بحثا عن طرق لنا ولمصر وذات يوم مر علي عبد المنعم عبد الرؤوف وعرض على أن نلتقي بضابط آخر يحمل ذات الهموم ويبحث عن إجابات لذات الأسئلة، وأخذني لأقابل جمال عبد الناصر. وكان لقائي الأول معه، لكن عبد المنعم عبد الرؤوف ما لبث أن طلب مني أن يعرفني بضابط آخر، وأخذني إلى جزيرة الشاي في حديثة الحيوان حيث قابلت الصاغ محمود لبيب الذي عرفت فيما بعد أنه مسئول الجناح العسكري في الإخوان المسلمين. ذهب في لقائي لأول ومعي عثمان فوزي، وبدأ محمود لبيب يتكلم في تؤدة ويتطرق إلى موضوع الدين دون تعجل كان يعرف أن محركنا الأساسي هو القضية الوطنية فظل يتحدث عن هذا الموضوع ولكن بنكهة إسلامية وكنت ألح في استخراج إجابات محددة عن أسئلة شغلت بالي طويلا الوطن وكيف سنحرره وبأية وسيلة؟ وما هو الموقف من المفاوضات؟ وكان يجيب هو في حذر وذكاء لم يكن يريد أن يخسرني بإلقاء الإجابات التقليدية للإخوان كان يقول: مصر سيحررها رجالها وشباب القوات المسلحة هم قوتها الضاربة وكلام من هذا القبيل. اشتم عثمان فوزي رائحة الإخوان من الحديث وقال لي ونحن عائدان من مقابلتنا: هذه جماعة خطرة وضارة لكنني كنت سعيدا بالمقابلة وقلت إن الوطن بحاجة إلى تضحية والاتجاه الإسلامي يمكنه أن يبث في الشباب روح التضحية. صمم عثمان فوزي على موقفه وانسحب ولم يحضر مرة أخرى، وواصلت أنا مقابلاتي مع محمود لبيب وفي مرة تالية حضر اللقاء جمال عبد الناصر فعبد المنعم عبد الرؤوف قابلني بجمال كل منا على انفراد بمحمود لبيب. وبدأت علاقة من نوع غريب مع جماعة الإخوان وتكونت مجموعة عسكرية تضم العديد من الضباط ولم نعد نلتقي في أماكن عامة وإنما بدأنا نعقد اجتماعات منتظمة في البيوت فكنا نجتمع في بيت مجدي حسنين وأحيانا في بيت الضابط أحمد مظهر(الفنان) وفي هذه اللقاءات الإخوانية كان يحضر معنا جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسين حمودة وحسين الشافعي وسعد توفيق وصلاح خليفة وعبد اللطيف بغدادي وحسن إبراهيم كانت علاقة الإخوان بهذه المجموعة من الضباط تتسم بالحساسية ففجأة وجد الإخوان أنفسهم أمام كنز من الضباط المستعد لعمل أي شيء من أجل الوطن.
ويصف ما جرى في اللقاء بينهم وبين حسن البنا فيقول: للحقيقة كان حسن البنا يمتلك مقدرة فذة على الإقناع وعلى التسلل إلى نفوس مستمعيه وكان قوي الحجة واسع الاطلاع وفي اللقاء الأول معه بدأنا نحن بالحديث وطرحنا أنا وعبد الناصر آراءنا وعندما تكلم البنا أفهمنا بهدوء وذكاء أن الجماعة تعاملنا معاملة خاصة ولا تتطلب منا نفس الولاء الكامل الذي تتطلبه من العضو العادي وقال: نحن الإخوان كبهو واسع الأرجاء يمكن لأي مسلم أن يدخله من أي مدخل لينهل منه ما يشاء، فالذي يريد التصوف يجد لدينا تصوفا، ومن يريد أن يتفقه في دينه فنحن جاهزون ومن يريد رياضة وكشافة يجدها لدينا ومن يريد نضالا وكفاحا مسلحا يجدهما وأنتم أتيتم إلينا بهدف القضية الوطنية فأهلا وسهلا… تناقشنا معه وكان رحب الصدر، وألححت في ضرورة إعلان برنامج وقلت: “لن نستطيع أن نكسب الشعب بدون برنامج واضح يقدم حلولا عملية لمشاكل الناس وأجاب: لو وضعت برنامجا لأرضيت البعض وأغضبت البعض سأكسب ناسا وأخسر آخرين وأنا لا أريد ذلك”. وتتالت مقابلاتنا مع حسن البنا وقد كان يمتلك حججا كثيرة لكنها لم تكن كافية ولا مقنعة بالنسبة لأكثرنا وظل عبد الناصر مستريبا في أن الجماعة تريد أن تستخدمنا كمجموعة ضباط لتحقق أهدافها الخاصة وظللت أنا والي قراءة ما يزودني به عثمان فوزي من كتب وأزداد إلحاحا في مناقشاتي على ضرورة وضع برنامج للجماعة يحدد أهدافها الوطنية وموقفها من مطالب الفئات المختلفة وبدأت ف هذه المناقشات أنحو منحى يساريا وأصبحت نشازا في مجموعة من المفترض أنها تابعة للإخوان المسلمين. وأخيرا حاول حسن البنا أن يشدنا إلى الجماعة برباط وثيق وتقرر ضمن أنا وجمال عبد الناصر إلى الجهاز السري للجماعة ربما لأننا الأكثر فعالية وتأثيرا في المجموعة ومن ثم فإن كسبنا بشكل نهائي يعني كسب المجموعة بأكملها وربما لأننا كنا نتحدث كثيرا عن الوطن والقضية الوطنية ومن ثم فقد تصور حسن البنا أن ضمنا للجهاز السري حيث التدريب على السلاح والعمل المسلح يمكنه أن يرضي اندفاعنا الوطني ويكفل ارتباطا وثيقا بالجماعة… المهم اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي المسئول الأول للجهاز السري للإخوان في ذلك الحين وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تماما واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوي ووضعنا في يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام في المنشط والمكره (الخير والشر) وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله.
للحديث بقية: الحلقة القادمة (البيعة)

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تلعب الجزائر بالنار..

عمر العمري تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب. ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...