من يملك الكتب يملك الذكاء: لماذا تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي إلى المكتبات؟

5 أغسطس 2026
زكريا نمر
لم يعد الاهتمام بالكتب القديمة شأنا ثقافيا فحسب، بل أصبح جزءا من سباق اقتصادي وتقني عالمي. فشركات الذكاء الاصطناعي تدرك أن جودة النماذج التي تطورها تعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات التي تتدرب عليها، والكتب تمثل أحد أكثر مصادر المعرفة تنظيما ودقة مقارنة بجزء كبير من المحتوى المتاح على الإنترنت.ولهذا تتجه هذه الشركات إلى ملايين الكتب القديمة. فهذه الكتب لا تضم نصوصا أدبية فقط، بل تحتوي على تاريخ الفلسفة، والعلوم، والسياسة، والاقتصاد، واللغة، وهي حصيلة قرون من الإنتاج الفكري.
بالنسبة للشركات، تمثل هذه الكتب قاعدة معرفية يصعب تعويضها بمحتوى الإنترنت الذي يغلب عليه التكرار، وقصر النصوص، وضعف المراجعة.
لكن القضية لا تتعلق فقط بتحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تثير سؤالا يتعلق بملكية المعرفة. فعندما تتحول ملايين الكتب إلى قواعد بيانات مغلقة داخل شركات خاصة، تنتقل قيمة هذه المعرفة من المجال العام إلى المجال التجاري. فالكتاب الذي كان متاحا في مكتبة أو جامعة يصبح جزءا من أصول رقمية تستخدم لتطوير منتجات تحقق أرباحا كبيرة.
لا يعني ذلك أن رقمنة الكتب أمر سلبي في حد ذاته. فالرقمنة تساعد على حفظ كثير من الكتب النادرة وتسهيل الوصول إليها. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المعرفة موردا تحتكره شركات محدودة تمتلك القدرة على جمع البيانات ومعالجتها وبناء النماذج الأكثر تقدما، بينما تبقى بقية المؤسسات والمجتمعات مجرد مستخدمين لهذه التقنيات.
في هذا الواقع، تتغير وظيفة الكتاب. فلم يعد ينظر إليه بوصفه وسيلة للقراءة فقط، بل باعتباره مصدرا للبيانات. ويصبح النص مادة للتدريب والتحليل واستخراج الأنماط اللغوية، وهي العملية التي تقوم عليها النماذج اللغوية الحديثة.
النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في مسألة استخدام الكتب لتدريب الذكاء الاصطناعي، بل في السؤال الأوسع: من يملك المعرفة الرقمية؟ ومن يضع القواعد التي تنظم استخدامها؟ فمع انتقال جزء كبير من التراث المكتوب إلى البنية التحتية للشركات التقنية، يتحول امتلاك البيانات إلى أحد أهم مصادر النفوذ في العصر الرقمي.
لهذا فإن المنافسة الدائرة اليوم ليست على الكتب في حد ذاتها، وإنما على ما تحتويه من معرفة قابلة للتحويل إلى بيانات. ومن ينجح في امتلاك هذه البيانات وبناء أفضل النماذج عليها، ستكون له أفضلية علمية واقتصادية وتقنية في السنوات المقبلة.لهذا السبب أصبحت المكتبات جزءا من سباق الذكاء الاصطناعي، ولم تعد مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل أصبحت أحد ميادين المنافسة على المعرفة، وهي المنافسة التي قد تعيد رسم موازين القوة في العالم خلال العقود القادمة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

عيد العرش.. منجزات ورهانات

يخلد الشعب المغربي، يوم 30 يوليوز، الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين، وهي مناسبة وطنية تتجدد فيها روابط البيعة المتجذرة في تاريخ المملكة، ويستحضر فيها المغاربة مسارا طويلا من العمل والإصلاح والتحولات التي عرفها المغرب منذ اعتلاء جلالته العرش سنة 1999. إن عيد العرش هو مناسبة لقراءة ما […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...