من يملك الاستراتيجية في عالم اليوم؟

26 مارس 2026

مارك مجدي. باحث مصري 

فى أقل من ساعة، قرأت مقالين من الصحافة الأمريكية، واستمعت إلى لقاء قصير مع أحد المعلقين على السياسة هناك، يتناول المقالان واللقاء موضوعًا واحدًا هو غياب البُعد الاستراتيجى عن قرار الحرب على إيران عند الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

جاء من مقال جريدة The Atlantic للكاتبة «أبل بوم» التالى: «دونالد ترامب لا يفكر بشكل استراتيجى، كما أنه لا يفكر تاريخيًا أو جغرافيًا، بل ولا حتى بعقلانية. لا يربط بين الأفعال التى يقوم بها فى يوم ما وبين الأحداث التى تقع بعد أسابيع. ولا يفكر فى كيفية تأثير سلوكه فى مكان ما على سلوك الآخرين فى أماكن أخرى. إنه لا يضع فى اعتباره التداعيات الأوسع لقراراته، ولا يتحمل المسؤولية فى هذه القرارات» ثم تفرد الكاتبة المزيد لتؤكد على قراراته غير الاستراتيجية. وقبل ذلك كنت قد قرأت الكثير فى نفس الاتجاه.

أشير لما سبق للحديث عن ترامب والسياسات الخارجية الأمريكية التى أعقبت التحول الكبير فى التكوين السياسى الداخلى للبلاد، أقصد مع تسلم تيار الماجا مقاليد الحزب الجمهورى؛ هذا التسلم الذى نتج عن موجة رفض شعبى للسياسات التقليدية للنخب الرسمية التى حكمت أمريكا لعقود، تغيرت الاستراتيجيات الأمريكية المعتمدة بشأن الكثير من القضايا، بحيث أصبح مجىء ترامب للرئاسة لمرة ثانية أكثر من مجرد مدة رئاسية عابرة، لتصبح محطة تحول تاريخية لوضع الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا.

فى مقال سابق بعنوان «الكارثة التى يغفل عنها محبو دونالد ترامب» على صفحات «المصرى اليوم»، كتبت أن ولاية ترامب تتجاوز المؤسسات الأمريكية، ولا تعتمد حساباتها الاستراتيجية، بل تقوضها، وأن الرجل أرسى هذا النمط الشعبوى فى القيادة، وسوف يعقبه نماذج رئاسية أخرى تماثله، سواء من نفس التيار أو من تكوين سياسى آخر قد يفرزه المجتمع الأمريكى الذى يمر بالفعل بطور من أطوار الأزمة الشاملة.

خلاصة ما أقول بهذا الصدد أن مخزون الفكر الاستراتيجى الأمريكى ربما يكون قد تم غض النظر عنه وتجاهله، بحيث يصبح استنتاج أنه لا توجد استراتيجية أمريكية كبرى فاعلة اليوم منطقيًا.

والاستراتيجية هنا مقصود بها ذلك الإطار الكلى المتكامل الذى يربط بين الأهداف الكبرى للدولة وأدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، بما يضمن توجيه الموارد والقرارات نحو تحقيق مصالح طويلة الأمد. كما تعنى القدرة على قراءة توازنات القوة وتحولات البيئة الدولية بصورة تراكمية، وبناء سياسات متسقة تتجاوز ردود الفعل اللحظية إلى تخطيط مستقبلى. لأدعم هذا الاستنتاج أحب أن أشير إلى مساقين استراتيجيين متعارضين من العام الماضى وقبل الماضى، اختبرا التنافس الأمريكى–الصينى على الاقتصاد العالمى، وهما مسار مبادرة الحزام والطريق الصينى، ومسار ممر الهند- الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، حيث يعكس كل منهما تصورًا مختلفًا لإعادة تشكيل شبكات التجارة والنفوذ فى الشرق الأوسط، وبدأ تنفيذ المشروع الثانى بسرعة البرق لمواجهة الأول. كلا المشروعين جاءا فى مواجهة بعضهما فى المنطقة، وتسابق الجميع للتنبؤ أيهما سيتحقق على حساب الآخر.

اليوم انهار بالفعل مشروع IMEC بفعل القلق الناتج عن ضرب الخليج: تعطلت الملاحة وارتفعت المخاطر الاستثمارية واهتزت الثقة فى الحماية الأمريكية والتحالفات الإقليمية. بينما تواصل مبادرة الحزام والطريق التقدم بهدوء لاعتمادها على مسارات متعددة لا تتأثر بالأزمة نفسها، كما تؤكد الصين بنهجها فى التعامل مع حرب إيران أنها قادرة على التعامل مع جميع الأطراف، حتى لو اعتمدت على إيران فى ملفات مختلفة.

فى مواجهة الولايات المتحدة، تمتلك الصين استراتيجية تقوم على تراث فكرى وسياسى ممتد، يجمع بين فهم عميق للتاريخ والجغرافيا وصلابة المؤسسة الحاكمة، وبين فلسفة الدولة فى تأمين مصالحها طويلة الأمد دون الانجرار إلى صراعات قصيرة الأجل. يعتمد الحزب الشيوعى الصينى على هذا التراث لتوجيه السياسة الخارجية والداخلية بشكل متكامل، مركزًا على بناء القوة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية بالتوازى، وتهيئة بيئة دولية تسمح بالصعود التدريجى دون مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى إلا عند الضرورة، مع القدرة على استثمار التحالفات والشراكات المتعددة بذكاء.

بالطبع ليست الصين هى الدولة الوحيدة التى تمتلك استراتيجية عالمية تُطبق باحترافية على صعيد الدول الكبرى، هناك مشروع أوراسيا الروسى لصاحبه ألكسندر دوجين ومنفذه فلاديمير بوتين، لكنه مشروع متعثر لأسباب تتعلق بمحدودية القدرات الروسية. لكن اللافت أن الاستراتيجية الصينية أصبحت راسخة، ممتدة وفعالة، وتسير بخطى ثابتة نحو الهدف الصينى الكبير.

أعتقد، مثل غيرى، أن من يعمل بشكل منظم ويفكر مؤسسيًا ويبحث ويحلل ويقرأ الواقع، أو بتعبير آخر، من يمتلك الاستراتيجية والأدوات اللازمة لتطبيقها، سينتصر. أو كما قال الحكيم الصينى سون تزو: «الاستراتيجية بدون تكتيك هى أبطأ طريق إلى النصر، والتكتيك بدون استراتيجية هى ضوضاء ما قبل الهزيمة».

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...