من يشحن العالم الرقمي بقصة “التصويت الإسرائيلي” في الانتخابات المغربية؟

دين بريس
فتح اعتماد وزارة الداخلية منصة إلكترونية لإنجاز وكالات التصويت لفائدة المغاربة المقيمين في الخارج نقاشا تجاوز سريعا حدود الإجراء الانتخابي، بعدما انتشرت منشورات تزعم أن الخطوة ستسمح لمئات الآلاف من الإسرائيليين المنحدرين من أصول مغربية بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وقدمت المنصة كما لو أنها أنشئت خصيصا لإدخال كتلة انتخابية جديدة إلى المشهد السياسي المغربي.
وانتقلت هذه الرواية من صفحات محدودة إلى مساحة واسعة من التداول الرقمي، مدفوعة بعناوين مثيرة ومقاطع قصيرة وتعليقات تجمع بين معلومات قانونية صحيحة واستنتاجات لا تسندها معطيات رسمية، واستفادت من حساسية العلاقة مع إسرائيل ومن الغضب الشعبي المرتبط بالحرب على غزة، فتحول إجراء يتعلق بمغاربة العالم إلى قضية دينية وسياسية مشحونة، واختلط النقاش حول التطبيع بالحديث عن الجنسية والانتخابات وحقوق المواطنة.
وتشارك في تغذية هذا النوع من الجدل صفحات تبحث عن التفاعل (بعضها ذو ميول متطرفة) وحسابات تقدم نفسها بوصفها مصادر إخبارية، وفاعلون يستثمرون في القضايا الحساسة لتعبئة الجمهور أو تصفية حسابات سياسية، كما تدخل بعض المنصات على الخط بعناوين تسبق الوقائع وتصنع موقفا عاطفيا قبل أن تتيح للقارئ فرصة فهم الموضوع.
ولا تتوفر معطيات تثبت أن جميع هذه الجهات تتحرك ضمن حملة منظمة، لكن تشابه الخطاب وسرعة انتشاره يكشفان كيف يمكن للمعلومة الناقصة أن تتحول في العالم الرقمي إلى حقيقة راسخة لدى قطاع من المتابعين.
وتقوم آلية التضليل في مثل هذه الحالات على الانطلاق من واقعة صحيحة، وهي فتح منصة إلكترونية لإنجاز وكالات التصويت، ثم إضافة مقدمات غير مثبتة إليها، مثل افتراض أن كل إسرائيلي من أصل مغربي يحمل الجنسية المغربية، وأن كل حامل للجنسية مسجل تلقائيا في اللوائح الانتخابية، وأن تسهيل الوكالة يعني تخصيص امتياز للمقيمين في إسرائيل، وبعد جمع هذه العناصر المتباعدة يصل الخطاب إلى نتيجة مثيرة مفادها أن “يهود إسرائيل سيصوتون في الانتخابات المغربية”، من دون تقديم أرقام أو وثائق تثبت حجم المشاركة المفترضة أو وجود قرار يستهدف هذه الفئة.
وظهر أثر هذا الخلط بوضوح عقب نشر مادة صحفية تحدثت عن تشجيع أفراد الطائفة اليهودية المغربية على المشاركة في الانتخابات، إذ تحولت الدعوة إلى ممارسة حق التصويت في بعض التدوينات إلى إعلان عن كتلة انتخابية منظمة، ثم قفزت منشورات أخرى من التعبئة للمشاركة إلى افتراض وجود توجيه جماعي نحو جهة سياسية محددة، وبالرغم من أن المصادر المنسوبة إلى الطائفة نفت أي اصطفاف حزبي وأكدت أن الاختيار يظل فرديا.
وجرى أيضا الخلط بين اليهود المقيمين في المغرب والمغاربة المقيمين في إسرائيل والإسرائيليين المنحدرين من أصول مغربية، حتى أصبحت فئات مختلفة في وضعها القانوني تقدم للرأي العام باعتبارها جسما انتخابيا واحدا يتحرك بإرادة سياسية موحدة، من دون تقديم معطيات تثبت ذلك.
ولا يساعد الصمت المؤسسي أو تأخر التوضيح في الحد من هذا النوع من التأويلات، لأن الفراغ المعلوماتي يترك المجال مفتوحا أمام الروايات الأسرع انتشارا، كما أن اللغة القانونية المعقدة لا تصل دائما إلى الجمهور بالوضوح نفسه الذي تصل به العناوين المثيرة.
وتتحمل المؤسسات ووسائل الإعلام والفاعلون السياسيون مسؤولية تقديم المعلومات في وقتها، وتوضيح أن الانحدار من أصول مغربية لا يعني بالضرورة حمل الجنسية المغربية، وأن حمل الجنسية لا يمنح صاحبه حق التصويت ما لم يكن مسجلا في اللوائح الانتخابية ومستوفيا للشروط القانونية.
ويحق للرأي العام أن يناقش التصويت بالوكالة وأن يسائل ضماناته ومدى تعبيره عن الإرادة الحرة للناخب، كما يحق له مساءلة سياسة الدولة تجاه إسرائيل وموقع مزدوجي الجنسية في الحياة السياسية، لكن مشروعية هذه الأسئلة لا تمنح أي جهة حق تحويل الانتماء الديني إلى تهمة، أو مساواة اليهودي بالإسرائيلي، أو تقديم كل شخص ينحدر من أسرة مغربية باعتباره مواطنا مغربيا وناخبا مسجلا.
ويبدأ النقاش الجاد من سؤال قانوني واضح، من يملك حق التصويت في الانتخابات المغربية، وهل أضافت منصة 2026 فئة جديدة إلى الهيئة الناخبة أم اكتفت بتسهيل مسطرة قائمة لفائدة مغاربة العالم، ثم ما عدد المواطنين المغاربة المقيمين في إسرائيل والمسجلين فعليا في اللوائح الانتخابية، وهل توجد معطيات رسمية تسمح بالحديث عن كتلة قادرة على التأثير في نتائج الاقتراع؟
تحاول هذه الافتتاحية إثارة تلك الأسئلة بالعودة إلى الدستور والقانون التنظيمي لمجلس النواب وإجراءات وزارة الداخلية، مع وضع الحدود الفاصلة بين الحقائق والافتراضات، وبين النقد السياسي والتعبئة العاطفية، لأن حماية النقاش العام لا تتحقق بمنع الأسئلة الحساسة، وإنما بتحريرها من المبالغة والخلط والتوجيه، وإعادتها إلى الوقائع التي يمكن التحقق منها..




التعليقات