من يحمي التصوف المغربي؟

23 أغسطس 2026

دين بريس
ليس جديدا أن يختلف المغاربة حول التصوف أو بعض الممارسات المرتبطة بالزوايا، فقد ظل هذا النقاش حاضرا بدرجات متفاوتة، الجديد هو أن صورة عابرة أو مقطعا لا يتجاوز بضع ثوان أصبح كافيا عند البعض لإدانة التصوف كله، مع أن هذا الأخير جزء متجذر في التدين المغربي، نشأ في بيئة سنية وأسهمت زواياه في تعليم القرآن وإيواء المحتاجين وإصلاح ذات البين ومقاومة الاستعمار، كما حافظ على روابط روحية وثقافية ممتدة بين المغرب وعدد من البلدان الإفريقية.

هذا التاريخ لا يعفي أهل التصوف من النقد، ولا يجعل كل ما يصدر عن شيخ أو مريد مقبولا، فمن حق الناس أن يرفضوا بعض السلوكيات المنافية للذوق العام، ومن حقهم أن يسألوا عن مدى انسجام بعض التصرفات مع الشرع وكرامة الإنسان، فالتصوف الذي يفقد القدرة على مراجعة نفسه يتحول مع الوقت إلى عادات مغلقة، والشيخ الذي يضيق بالنقد يبتعد عن معنى التواضع الذي يفترض أن يكون أول ما يربي عليه أتباعه.

المشكلة أن جزء مما ينشر اليوم لا يقف عند حدود مناقشة هذه الممارسات، إذ تؤخذ لقطات بعينها وتفصل عن سياقها، ثم يعاد تركيبها بعناوين ساخرة وتعليقات جارحة، وفي وقت قصير يصبح تصرف مريد حكما على طريقة كاملة، ويتحول خلاف داخل زاوية إلى دليل على فساد جميع الزوايا، ولا يعود الهدف فهم ما وقع أو تصحيح الخطأ، وإنما جمع المشاهدات وإضحاك الجمهور وإثارة الغضب.

ولا تتوافر معطيات كافية للقول إن جهة واحدة تدير كل ما ينشر، وقد يكون الحديث عن حملة منظمة سابقا لأوانه، لكن الصورة العامة توضح التقاء مصالح مختلفة، فهناك من يعارض التصوف من منطلق مذهبي، وهناك من يبحث عن الانتشار بأي ثمن، وهناك من يستثمر الخلافات داخل الطرق لتصفية حساباته، وفي الجهة الأخرى يوجد منتسبون إلى التصوف يقدمون لهؤلاء المادة التي يحتاجونها بسبب التساهل مع الغلو أو الصراع على المشيخة والنفوذ..

لقد غير الهاتف المحمول قواعد المجال العام، فما يقع داخل زاوية صغيرة قد يصل خلال ساعات إلى ملايين الأشخاص، واللقطة القصيرة قد تحجب موسما كاملا من قراءة القرآن والذكر وإطعام الناس، لذلك أصبح على القائمين على الزوايا أن ينتبهوا إلى أثر الصورة، وأن يضعوا ضوابط واضحة تمنع الغلو، وأن يتواصلوا بسرعة وصدق عند وقوع الخطأ، فالاعتراف بالتقصير أكثر انسجاما مع أخلاق التصوف من المكابرة أو اتهام جميع المنتقدين بسوء النية.

ثم هناك السياسة، وهي المجال الأكثر قابلية لإثارة الشبهات، فحضور شيخ طريقة لقاء ينظمه مرشح أو حزب قد تكون له أسباب اجتماعية أو شخصية، لكن الصورة ستقرأ في سياقها الانتخابي، وقد تتحول إلى رسالة توحي بأن الزاوية أعلنت دعمها لهذا الطرف، ومن حق الشيخ أن تكون له قناعته السياسية بصفته مواطنا، لكن صفته الروحية تمنحه تأثيرا لا يقف عند حدود شخصه، وهو ما يفرض عليه قدرا أكبر من الحذر.

أما وسائل الإعلام وصناع المحتوى فعليهم التمييز بين النقد والإهانة، فمن واجبهم كشف الممارسات المخالفة والتحقق من علاقة بعض الزوايا بالفاعلين السياسيين، ومن واجبهم أيضا وضع الوقائع في سياقها وتجنب العناوين التي تدين الأشخاص قبل الاستماع إليهم، فالفرق واضح بين مساءلة شيخ عن سلوك أو موقف، وبين تحويله إلى مادة للتندر والطعن من خلاله في تاريخ التصوف المغربي كله.

إن ما يحتاجه العرفان فعلا هو عودة واضحة إلى العلم والتواضع وخدمة الناس، مع ابتعاد شيوخه عن الغلو وأماكن الشبهات والاستغلال الانتخابي، وعندها سيصبح من الصعب تبسيط هذا التاريخ الطويل في لقطة شاذة أو خطأ فردي..

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...