من “دودة الكتب” في المؤسسات الاستشرافية إلى “المخبر الأنيق” في الاستشراق العملياتي
علي البلوي
تتبلور في المشهد الاستخباراتي العالمي علاقة عضوية وتاريخية بين “العقل الأكاديمي” و”الأداة الأمنية”، حيث لم يعد المثقف مجرد مستغرقٍ في بطون الكتب، بل غدا ركيزة أساسية في منظومة “العباءة والخنجر”.
هذا التداخل الذي بدأ في وقت مبكر جداً وتحديداً في أوائل الخمسينيات، مع تجنيد كبار مؤرخي واقتصاديي جامعات “ييل” و”هارفارد” و”MIT” لانتشال وكالة الاستخبارات المركزية من عثراتها التنبؤية، تطور اليوم ليتخذ شكلاً أكثر خطورة وتعقيداً يُعرف بـ “الاستشراق العملياتي”.
إن تجنيد المثقفين والمفكرين في مراحل مبكرة لم يكن مجرد استعانة بخبرات عابرة، بل كان وضعاً لأساس “الاستخبارات الاستراتيجية” التي تتجاوز رصد العناوين الإخبارية إلى صياغة تقييمات تنبؤية عميقة.
واليوم، نرى هذا المنهج يتجسد في تحول الباحث الأكاديمي من مراقب للثقافات إلى “حساس بشري” واستطلاع متقدم للمؤسسات الأمنية الدولية؛ حيث تتحول “الورقة البحثية” الميدانية حول القبائل أو التيارات الفكرية والاجتماعية بسلاسة إلى “إحاطة استخباراتية” على طاولات وزارات الدفاع والخارجية.
هذا المشهد المعاصر يكشف عن تآكل مفهوم “الاستقلال الأكاديمي”؛ فمراكز الفكر (Think Tanks) في العواصم الكبرى باتت تعمل كـ “أبواب دوارة” تدمج المستشرقين في منظومة تهدف لرسم “خرائط بشرية” دقيقة وتفكيك البنى الاجتماعية تحت غطاء العلم.
إن “العلوم الاجتماعية المسلحة” قد أصبحت أداة سيادية للقوى الكبرى، فالبيانات التي تُجمع في القرى والحدود والمجتمعات المحلية ليست إلا “وقوداً” لصناعة السرديات وتوجيه التدخلات، مما يجعل الورقة البحثية في هذا السياق لا تقل خطورة عن الأداة العسكرية، كونها هي من يمنح “الشرعية المعرفية” لتوجيه القوة الصلبة وإدارة الصراعات من خلف الستار.
التعليقات