من الفكر إلى المؤسسة: الشيخ الكامل محمد بن عيسى ونموذج الإدارة العيساوية الرائد

13 مارس 2026

د. أسامة علي بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية. طرابلس

ما زال الحديث متصلا بمحاولة استجلاء الصورة الحضارية للشيخ الكامل محمد بن عيسى، مؤسس المدرسة العيساوية في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، في مكناس المغرب، وتحديثها عبر قراءات في عمق التفاصيل التي وثقها مصادر السيرة العيساوية، فالقراءة المتأنية فيها تكشف عن شخصية ذات أفق فكري واسع ومشروع حضاري واضح المعالم. والغاية من هذه السلسلة التي بدأت بمقالات عن شخصيته كرجل أعمال برؤية اقتصادية متفردة، وعن الأصول الفكرية لمدرسته، هو تقديم الشخصيات الصوفية الكبرى في سياقها الحضاري الأوسع، والكتابة عنها بلغة المعرفة المعاصرة بما يسمح بفهم أعمق لفكر المدارس الصوفية التي كان لها الدور الأساسي في تشكل مجتمعاتنا، ومنها المدرسة العيساوية.

من يقرأ تاريخ الشيخ الكامل يدرك بوضوح سعيه لتحديث الصورة النمطية للزاوية الصوفية، فمن الجلي حضور تصور إداري متماسك في طريقته لتنظيم العمل داخل الزاوية التي أرساها في مكناس سنة كان سنة 917هـ/1511م، ما جعلها مؤسسة فكرية ذات بنية تنظيمية واضحة، تتوزع فيها المسؤوليات وتتحدد فيها الصلاحيات ضمن شبكة من المجالس والهيئات، مما يعكس إدراكه مبكرا لفكرة المؤسسة، بمعنى ضرورة وجود هيكل تنظيمي ينسق العمل الجماعي ويحول النشاط الفردي إلى منظومة متكاملة من الوظائف.

وتظهر ملامح الفكر الإداري لدى الشيخ الكامل في العديد من الهيئات التي أرساها في عمل الزاوية، فمثلا ومع ازدياد امتداد وانتشار زوايا الطريقة ظهرت الحاجة إلى هيئة عليا تتولى الإشراف العام على مسار الطريقة وتنظيم شؤونها، أسس الشيخ الكامل “مجلس العشرة”، الذي وصفه شيخنا العلامة الشيخ العام للطريقة العيساوية سيدي أحمد القطعاني بأنه: “أهم مؤسسة في الزاوية وأعلاها مسؤولية”. ويوضح شيخنا القطعاني، في كتابه “أعلام الطريقة العيساوية” الذي يعد الكتاب المصدري في أحدث ترجمة وسيرة للشيخ الكامل، أن هذا المجلس شكله الشيخ الكامل بعد أن صار الناس يفدون بالألاف على الزاوية بمكناس، من عشرة من كبار مريدي الشيخ وأقربهم إليه، برئاسة الشيخ أبوالرواين المحجوب، أصغر أعضائه سنا، بينما يتقدم الشيخ يوسف الفجيجي قائمة أعضائه سنا وتجربة، وذكر أن هذا المجلس لا ينعقد المجلس بصفة دورية ثابتة، بل يجتمع عند الحاجة، وغالبا ما يكون موعده بعد صلاة العشاء.

وتمنح هذه الصيغة المجلس وظيفة إشرافية عليا تتدخل عند القضايا الكبرى المرتبطة بمسار الطريقة وزواياها ومريديها المنتشرين في البلاد، ولأهمية هذا المجلس ألقى الشيخ الكامل كلمة في أول اجتماع له، تكشف طبيعة العلاقة التي أرادها بينه وبين هذه الهيئة القيادية، ضمنها في اللحظة التأسيسية ميثاقا أخلاقيا ينظم العلاقة داخل الجماعة القيادية للطريقة.

وإلى جانب هذه الهيئة القيادية ظهرت داخل الزاوية مؤسسات أخرى ذات وظائف مختلفة، من بينها “مجلس الوفود”، فبعد أن صارت الزاوية مقصدا دائما لوفود قادمة من مدن المغرب وقراه وأقاليمه على مدار العام، استدعى الوضع وجود هيئة تتولى تنظيم هذه الحركة المتواصلة، فشكل الشيخ الكامل هذا المجلس من عدد من أعيان المغرب ووجهائه، وليس من مريدي الطريقة ورجالها فقط، مما يعطي صورة عن اتساع تأثير وحضور الزاوية المبكر في الأوساط المجتمعية، وقد تولى هذا المجلس مهمة الإشراف على استقبال الوفود وتنظيم زياراتها وإقامتها وتذليل ما قد يعترضها من صعوبات.

أما الإدارة اليومية داخل الزاوية فقد أوكلت إلى هيئة أخرى، شكلها الشيخ الكامل من مريدي الزاوية وأطلق عليها اسم “مجلس عرفاء الزاوية”، وهو الجهاز الذي يشرف على تفاصيل العمل الداخلي للمؤسسة، فمصطلح العرفاء معروف في نظام عمل الزوايا ويشير إلى الشخص المسؤول عن خدمة جماعة تمارس نشاطا معينا، فهناك عريف الدرس الذي يتابع حلقات التعليم وينظم المجالس العلمية، وعريف الذكر الذي يشرف على الأوراد والحزب، وعريف النظافة الذي يتابع صيانة المكان، وعريف الاستقبال الذي ينظم حركة الزوار، وعريف الطعام الذي يتولى شؤون الإطعام، إضافة إلى عريف الخدمة وعريف العناية بالأنعام والدواب.

وإلى جانب هذا التنظيم الداخلي برزت ريادة الشيخ الكامل في مجال آخر، وهو ما يعرف اليوم بمفهوم المبادرات الاجتماعية، فأطلق مبادرة أطلق عليها اسم “جماعة أقمار الليل” التي شكلها من مجموعة من مريديه، يقودهم الشيخ أبو علي الفخار المكناسي، أحد مريدي الشيخ الكامل المقربين، وكلفهم بمهمة التطواف في شوارع مكناس وأزقتها ليلا، وهم يحملون قناديل مضيئة ويذكرون الله بصوت عال مسموع، ابتداء من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، حتى في أيام المطر وبرد الشتاء القارس.

وتتجلى أهمية هذه المبادرة في كون الشيخ الكامل أطلقها في سياق تاريخي مضطرب عرفت فيه البلاد تراجعا في الأمن بسبب الصراعات السياسية والهجمات الأوروبية على السواحل وسنوات الجفاف وقلة المحصول، وانتشار اللصوص وقطاع الطرق في المدن والطرق، فأخذت “جماعة أقمار الليل” على عاتقها مهمة السير في شوارع المدينة ليلا، وهو الوقت الذي ينشط فيه المجرمون عادة، يقابلهم نشاط هذه الجماعة وهم يتلون القرآن الكريم والأذكار والمدائح النبوية، ويمرون بالمرضى والمقعدين وذوي الحاجات فيؤنسونهم بالسماع والحديث، وبمرور الزمن أحدث حضور هذه الجماعة في شوارع مكناس أثرا واضحا في الحياة اليومية للمدينة، حيث صار المجرمون عاجزين عن الانفراد بضحاياهم، وانتشر قدر من الطمأنينة بين الناس، ولأهميتها ولضمان استمرارها خصص لها أوقافا وأحباسا للإنفاق عليها وعلى أعضائها وأدواتها.

وقد نجح الشيخ الكامل في دفع هذه المبادرة من خلال نتائجها، فتعممت تجربته في مدن مغربية أخرى، إذ اشتهرت في فاس ومراكش أيضا، استمر نشاطها لقرون طويلة حتى قيام الدولة الحديثة في المغرب بمؤسساتها الأمنية الرسمية، حيث توقف نشاطها في حدود سنة 1975.

وبالنظر إلى مجموع هذه الهيئات، يظهر ما يمكن وصفه بالنموذج المؤسسي المتدرج مع توزيع الصلاحيات والوظائف، فقد أسس الشيخ الكامل بنية تنظيمية متكاملة تجمع، بحسب المفاهيم الإدارية المعاصرة، بين الحوكمة وإدارة قنوات التواصل والامتداد المجتمعي و التشغيل اليومي والمبادرات الميدانية، فـ”مجلس العشرة” مثل القيادة التي تضبط الاتجاه العام للطريقة وتتابع توسعها بما يعكس ممارسة وظيفة الحوكمة، و”مجلس الوفود” أدي دور إدارة قنوات التواصل والامتداد المجتمعي من خلال تنظيم تدفق الوفود والزوار وبناء شبكة اتصال فعالة مع الأعيان والوجهاء، مما عكس قدرة المؤسسة على إدارة علاقاتها بالمجتمع الخارجي بكفاءة عالية، بينما مثل “مجلس العرفاء” الإدارة التشغيلية التي توزع الاختصاصات وتنسق العمليات اليومية، لضمان انتظام الأداء واستمرارية الخدمات. واكتملت هذه المنظومة بـ”جماعة أقمار الليل” التي يمكن قراءتها ضمن مفهوم البرامج الميدانية ذات الأثر المجتمعي، حيث تحولت الزاوية إلى فاعل حضري نفذ مبادرات منظمة لمعالجة اختلالات اجتماعية محددة، وربط هذه المبادرة بأوقاف وأحباس مخصصة عكس وعيا مبكرا بمبدأ الاستدامة المالية للمشاريع المجتمعية.

ويجب أن لا نغادر هذه المقالة، قبل أن نقف أمام كلمة عظيمة ختم بها الشيخ الكامل حياته، إذ قبيل وفاته أطلق كلمته الشهيرة: “إنَّ لكل ولي وارثا إلا أنا وأهل الإحاطة فميراثي أتباعي وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمَّ جرا إلى يوم القيامة، وجلي أنها كلمة ضمنها رؤيته الشاملة لمؤسسته وشرط قيامها على العمل الجماعي واستمرار المشروع المؤسسي من خلال شبكة من الأتباع الذين يحملون الفكرة ويطورونها جيلا بعد جيل، بما يضمن استدامة المدرسة العيساوية واستمرار حضورها الحضاري والمجتمعي، ففي الموروث الصوفي تنتقل القيادة في الزاوية الى شخصية يوصي بها الشيخ قبيل وفاته، أو يتم الاجتماع عليها من قبل رجال الزاوية، لكن الشيخ الكامل انفرد بنموذج خاص أطلق من خلاله فكرة العمل المؤسسي الجماعي، لا الفردي، فالوراثة من بعده في طبقات الأتباع ثم الذين يلونهم، وهلم جرا.

ختاما، فهذه القراءة تبرز الشيخ الكامل كشخصية متفردة في تاريخ الفكر الإسلامي بمشروعه المؤسسي والفكري الذي جعل من الزاوية العيساوية مركز قيادة اجتماعي وفكري امتد أثره على المستوى الحضاري، بما يعيد وهي الوجه الحضاري للتصوف بعيدا عن القراءات الاستشراقية والحداثية التي تختزله في الزهد أو الانسحاب عن الحياة.

وبالإضافة الى ذلك، فهذه القراءة تشكل تنبيها للأكاديميات والجامعات والأقلام الحديثة إلى ضرورة إعادة قراءة التاريخ الصوفي، لا سيما المدرسة العيساوية التي شهدت ازدهارا في ليبيا حتى ساد القول بين العيساويين في المغرب: “العيساوية درة في مكناس وبريقها في ليبيا”. والحمد لله رب العالمين أن قيض لهذه المدرسة شيخنا القطعاني الذي أخرج تراثها من تحت الركام وأحياه علما وعَمَلا، مؤكدا على أن مؤسسة الشيخ الكامل نموذج متفرد يجمع بين الفكر الإداري والحضاري والتربية والتعليم والفكر، كله في آن واحد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...