منصف المرزوقي: “ماذا لو كان الإسلام هو الحل؟” دعوة لإعادة التفكير في التحالفات وسط سباق إقليمي محموم
أحمد المهداوي/كاتب صحافي
في قراءة تزاوج بين القراءة السياسية الواقعية والموقف الفكري الصريح نشر الدكتور منصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق، على موقعه الرسمي مقالًا مطولًا وسمه بسؤال استفهامي صادم: «ماذا لو كان الإسلام هو الحل؟»، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الحروب المفتوحة مع إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات محذرًا من مشروع تحالفي تقوده إسرائيل لاحتواء ما تعتبره أخطر تهديد استراتيجي محتمل وهو ولادة تكتل إسلامي واسع، خاصة بعد استشعار نتنياهو لإمكانية ولادة هذا التكتل الذي يشكل، حسب قراءة المرزوقي، خطراً مفترضاً على المشروع الصهيوني وهو ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي للمبادرة بشن هجوم استباقي قبل أن يضطر للدفاع.
فالمرزوقي يربط بين تصاعد السياسات الإسرائيلية الهجومية وبين إدراك مبكر لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لاحتمال تشكل محور إسلامي قادر، ولو على المدى البعيد، على تعديل ميزان القوى. ووفق هذا المنظور، فإن ما يجري ليس دفاعًا بقدر ما هو هجوم استباقي هدفه كسر أي إمكانية لنهضة جماعية عربية–إسلامية.
وفي هذا السياق، يفسر المرزوقي الحفاوة الإسرائيلية اللافتة برئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي، ليس فقط بعدائه الصريح للإسلام والمسلمين، بل لأن الهند، بما يزيد عن مليار وأربعمائة مليون نسمة، تمثل ركيزة ديموغرافية وسياسية كبرى في أي تحالف مضاد للعالم الإسلامي، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى كاليونان وقبرص.
ويرى المرزوقي أن إسرائيل، التي لا يتجاوز عدد مواطنيها المعترف بهم سبعة ملايين، تدرك استحالة تحدي شعوب بمئات الملايين على المدى الطويل، ما يفسر سعيها المحموم إلى تنويع تحالفاتها خارج الدائرة الأوروبية التي تآكلت ثقتها بها، وحتى خارج المظلة الأمريكية التي بدأت بدورها تشهد تباعدًا تدريجيًا، رغم استمرار الدعم من الولايات المتحدة.
ويضع المرزوقي هذا كله في إطار مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي، برأيه، يقوم على دفن القضية الفلسطينية عبر الإبادة والأبرتهايد والاستيطان، وفرض التطبيع القسري على دول مركزية مثل السعودية ومصر، وتفتيت دول عربية أخرى، مع السعي لتنصيب نظام تابع في إيران، وتوسيع النفوذ في الخليج انطلاقًا من قواعد متقدمة.
ويستحضر المرزوقي قانون المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي حول “التحدي والاستجابة”، معتبرًا أن ما حفّز اليهود تاريخيًا على النهوض هو نفسه ما يحفّز اليوم الفلسطينيين والعرب والمسلمين، محذراً من أن السياسات الإسرائيلية بعيدة المدى تقوم على منع هذه الاستجابة عبر حروب وقائية لا تتوقف.
وفي مقابل انسداد أفق حل الدولتين، يطرح المرزوقي ما يسميه “حل مانديلا”، أي تحول إسرائيل إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية، على غرار تجربة جنوب أفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا، مع إقراره بأن هذا الحل لا يزال أقرب إلى الحلم في المدى المنظور، منبّهاً إلى ما وصفه بثلاث عقد تحكم العقل الاستراتيجي الإسرائيلي: عقدة أوشفيتز، وعقدة شمشون، وعقدة مسادا، أي هاجس الفناء والاستعداد لتدمير المنطقة لضمان البقاء.
ومن هنا، يدعو المرزوقي إلى بناء حلف إسلامي نواته تركيا وباكستان وقطر، مع التحاق السعودية ومصر ودول عربية أخرى، معتبرًا أن الخطر جماعي ولا يُواجَه إلا جماعيًا، مشيراً كذلك إلى استهداف إسرائيل لدول إسلامية غير عربية، متسائلًا عن دورها في محاصرة رجب طيب أردوغان، وعن تحرشها بباكستان عبر التحالف مع الهند.
وفي ما يخص إيران، يميز المرزوقي بين نظام استبدادي توسعي وشعب مسلم “مظلوم مرتين”، محذرًا من مخطط لتدميره قبل “تحريره” على طريقة الوصاية، تقوده تل أبيب وواشنطن، كما فعل سابقًا دونالد ترامب.
الإسلام كقوة توحيد لا كبديل ديمقراطي.
ولم يُخفِ المرزوقي حرصه على توضيح أن هذا التوجه لا يتعارض مع مبادئه العلمانية كما يفهمها، مؤكداً على أنه لم “يتب” عن علمانيته، وأن توجهه يندرج ضمن مقاربة براغماتية تهدف إلى توظيف الموارد الثقافية والحضارية المتاحة، إذ لا يدعو في تصوره إلى أنظمة دينية، بل إلى أنظمة ديمقراطية اجتماعية سيادية، غير أنه يرى في الإسلام قوة رمزية وحضارية جامعة يمكن تفعيلها سياسيًا لبناء تحالفات ردع، بعيدًا عن أطروحات “صراع الحضارات”، واستلهامًا لتجارب تاريخية واجهت فيها الأمة أخطارًا وجودية مماثلة.
وعلى الرغم من دعوته للتفكير الجاد في سبل استثمار قوة الإسلام كرافعة فاعلة في السياسة الدولية، إلا أنه أوضح أن ذلك لا يعني أي استعداد من جهته للانخراط مستقبلاً في حزب ذي مرجعية إسلامية.
كما أوضح أن التجارب السياسية التي عرفتها المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة أبانت عن محدودية النماذج التقليدية في مواجهة الأزمات الكبرى، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
وفي هذا السياق، شدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب أنظمة سياسية تقوم على الديمقراطية الاجتماعية والسيادة المواطنية، وهي الخلاصات التي سبق أن أكدها المجلس العربي خلال مؤتمر عقد سنة 2023 بمدينة سراييفو، حيث جرى التأكيد على أن قيادة هذه الأنظمة يمكن أن تنبع من خلفيات فكرية متعددة، سواء كانت علمانية أو إسلامية، ما دام الإطار الديمقراطي الجامع هو الضامن الأساسي للاستقرار والنجاعة.
وبين التحذير والاستنهاض، يقدّم المرزوقي قراءة قاتمة لكنها تدعو إلى التفكير “من خارج الصندوق”، في سباق مع الزمن، قبل أن تتحول مدن أخرى في المنطقة إلى نسخ جديدة من غزة وبيروت وخان يونس.
التعليقات