ملاحظات نقدية على قراءة محمد كوثراني لملفات إبستين

27 فبراير 2026

محمد بن جماعة 

على يوتيوب، فيديو لمحمد كوثراني بخصوص ملفات إبستين وبالذات قصة إهدائه لقطعتين من كسوة الكعبة.

كوثراني، بالنسبة إليّ، من أفضل المعلّقين السياسيين في لبنان.

وهو في طروحاته وتحليلاته، عقلاني ومنهجي وعقائدي جدا، في نفس الوقت.

ولكنه في هذا الفيديو طرح كلاما علميا غير صحيح.. يربط فيه بين قماش الكعبة ونظريات علمية فيزيائية..

سأعرض هناك بالتفصيل فكرته العلمية، ثم أبين أوجه الخطأ فيها:

خلاصة فكرته: أن النظريات العلمية أثبتت أن المادة واعية ولها ذاكرة، والكون كله واعٍ. ثم قال إن الماء يزيد الوعي/الذاكرة في المادة.

ومادة الحرير بما هي مادة أساسية في قماش كسوة الكعبة (نتيجة كائن حي + ماء) هي مادة مناسبة لحمل الوعي..

وباعتبار أن قماش الكعبة تعرّض لكثافة شعورية لملايين البشر، فهذه المشاعر تمثل معلومات/داتا تُخزَّن في القماش.. وتوجد جهات خفية تريد هذه الداتا لتحليلها والتحكم بالبشر..

تفصيل فكرته العلمية كما يلي:

1) نقطة الانطلاق: “المادة ليست جمادًا”

كوثراني يعلن أن هناك نقاشًا علميًا “لفك شيفرة المادة”، ويعطيه معنى خاصًا:

– ليس المقصود “فهم المادة” بالمعنى الفيزيائي (تركيب، طاقة، جسيمات، تفاعلات…)،

– بل المقصود: أن المادة نفسها تمتلك بُعدًا داخليًا: وعي/شعور/ذاكرة.

– هنا هو يتبنّى ضمنًا فكرة قريبة من panpsychism: أن الوعي ليس خاصية حصرية للدماغ البشري، بل موزّع في الوجود بدرجات.

2) خطوة ثانية: من “وعي المادة” إلى “وعي الكون”

بعد أن يجعل للمادة وعيًا، يوسع الدائرة:

– خلف “المادة الواعية” يوجد “كون كامل واعٍ” (Conscious Universe).

– وكأن الوعي ليس ظاهرة طارئة، بل هو خاصية كونية/أصلية، والمادة مجرد “تجلٍّ” لهذا الوعي.

– وظيفيًا: هذه الخطوة تمنحه حقّ الاستشهاد بأي شيء كـ”دليل” لأن الوعي عنده صار إطارًا ميتافيزيقيًا شاملًا، وليس فرضية ضيقة قابلة للفحص.

3) خطوة ثالثة: “الماء” كعامل يرفع الوعي

ثم يدخل قنطرة جديدة:

– يقول إن “أبحاثًا” تؤكد: كلما تفاعل الشيء مع الماء أكثر، زاد وعيه.

– ويستدعي آيات عن الماء والحياة ليجعل الفكرة تبدو “منسجمة” مع النص الديني.

– الدور الحقيقي للماء هنا في حجته: الماء يصبح وسيطًا للوعي أو مُضخِّمًا له، وليس مجرد شرط بيولوجي للحياة كما في العلم السائد.

4) إسقاط الآية على الفكرة: الماء = حياة = وعي

ثم يحدث دمجا ذكيا في الخطاب:

– في العلم: الماء عنصر أساسي في الكيمياء الحيوية للحياة.

– في خطابه: الماء عنصر أساسي في “الوعي” نفسه (ليس فقط الحياة).

يعني هو يبدّل المعادلة من:

ماء ⟶ تفاعلات حيوية ⟶ حياة

إلى:

ماء ⟶ وعي/ذاكرة للمادة

– وهذا التحويل هو الذي يسمح له لاحقًا بفكرة “تخزين المشاعر”.

5) إدخال الحرير: دودة القز + الماء + تفاعل = قماش “واعي”

هنا يربط بين (الماء) و(الحرير):

– دودة القز تتفاعل مع عناصر (ماء/غذاء/بيئة…) لتنتج الحرير.

– إذن الحرير (في منطقه) ليس مجرد بروتين/نسيج، بل مادة “حيوية” ارتبطت بماء وحياة.

– بالتالي الحرير يصبح أقرب لأن يكون حاملًا للوعي/الذاكرة.

– هذه خطوة انتقالية مهمة عنده:

بدل أن يتكلم عن “قماش عادي”، يجعل الحرير امتدادًا للكائن الحي، فيصير منطقيًا عند مستمعه أن ينسب له خصائص “حسّاسة”.

6) إدخال الكعبة: كثافة “الشحنة الشعورية” البشرية

ثم ينتقل من خصائص المادة إلى خصائص السياق:

– الكعبة ليست مكانًا عاديًا.

– ملايين البشر يطوفون في حالة انفعال روحي شديد (تسليم، بكاء، دعاء…).

– إذن القماش الذي يلامس/يواجه هذه الكثافة البشرية يصبح كأنه “مرآة” أو “وعاء”.

– هنا يستعمل مفهومًا غير مُعلن لكنه حاضر: المشاعر ليست أحداثًا نفسية فقط، بل “طاقة/معلومات” يمكن أن تترك أثرًا في المادة.

7) مفهوم “الداتا”: تحويل الروحاني إلى معلومات

هذه أهم نقطة في بناء الفكرة:

– يقول تقريبًا: المشاعر التي أفرغها 10 ملايين مسلم أصبحت “Data” في القماش.

– القماش صار وسيط تخزين مثل: هارد ديسك/شريط مغناطيسي/ذاكرة.

– ويمكن “جمعها ودراستها وتحليلها”.

– لاحظ التحوّل: من “انفعال روحي” (subjective experience)، إلى “بيانات قابلة للتحليل” (objective data)

– وهذا بالضبط ما يجعل فكرته قابلة للانتقال إلى “الغرف السوداء” والهيمنة.

8) “الغرف السوداء”: من الداتا إلى السيطرة

بعد أن جعل القماش يحمل “داتا”، يلزم شيء يبرر “لماذا يريدونها؟”:

– لأن هناك “نخب/مراكز قرار” تريد التحكم بوعي البشر.

– وهذه الداتا تكشف طبيعة شريحة ما زالت “مؤمنة/موحّدة”.

– فهم هذه الشريحة يساعد على برمجتها أو كسرها أو توجيهها.

– بالتالي: القماش يصبح مصدر استخبارات نفسية/روحية.

9) توسيع المسرح: إبستين كرمز لمنظومة أعظم

ثم يأتي دور إبستين في الخطاب:

– إبستين ليس مجرد فضيحة جنسية.

– بل “واجهة” أو “نقطة” في شبكة عالمية: سياسية/مالية/علمية/تكنولوجية.

– وجود علماء وفلاسفة هناك (بحسبه) ليس للمتعة، بل لمهام “عليا”.

– وظيفيًا: هذه النقطة تقوّي فكرة أن “طلب قماش الكعبة” ليس طلبًا غريبًا، بل جزء من مشروع أكبر.

10) الخاتمة: تفسير ديني شامل (إبليس + تغيير خلق الله)

أخيرًا يضع “التفسير الموحِّد” الذي يفسر كل شيء عنده:

– كل هذه الشبكات ليست مجرد مصالح بشرية،

– بل هي “مشروع شيطاني” يهدف لتغيير الفطرة وتبديل خلق الله.

– ثم يصل إلى نتيجة تعبويّة: رمضان فرصة لأن “الشيطان مُكبّل”، فيُعاد بناء الوعي لمواجهة المشروع.

____

هذه إذن فكرته بتفصيل، كي أؤكد فهمي لكلامه، وكي أكون أمينا في النقل..

الآن، نقد الفكرة:

بداية أنا متفقه مع محمد كوثراني في نقطتين ختم بهما كلامه:

– أننا في قضية إبستين لسنا أمام “فضيحة أخلاقية” معزولة، بل أمام مشهد شيطاني بمعناه القيمي والروحي: تفكيك للإنسان، وتدنيس للبراءة، وتطبيع للانحراف، وتحويل الشر إلى صناعة وشبكات نفوذ.

– وأن رمضان لحظة مقاومة وإعادة تشكيل للوعي: توبةٌ، ومراجعةٌ، وضبطٌ للنفس، واستعادةٌ لمعنى الإنسان وكرامته وصلته بالله.

لكن الذي نحتاجه هنا هو فقط: تجنّب أخطاء الفهم والتحليل وأدوات الربط.

لا نحتاج إلى “نظرية مؤامرة” كي نثبت أن المشهد شيطاني، ولا نحتاج إلى “كلام غير صحيح علميًا” كي نثبت أن رمضان فرصة لإعادة تشكيل الوعي.

1) الخلط بين الحكم القيمي والدليل التجريبي

وصفُ مشهد إبستين بأنه “شيطاني” هو حكم أخلاقي/روحي له معايير واضحة: الاستغلال، الإفساد، الاتجار بالبشر، كسر الفطرة، تحويل الجريمة إلى شبكة.

هذا الحكم لا يحتاج أن نُسنده إلى فرضيات من نوع: “المادة واعية” أو “القماش يخزّن مشاعر الملايين”. لأننا إن ربطناه بدليل تجريبي هشّ أو غير صحيح، نكون قد أضعفنا القضية بدل أن نقويها.

2) القفزة من “نقاش فلسفي عن الوعي” إلى “معلومة علمية قطعية”

حتى لو وُجدت اتجاهات فلسفية تتكلم عن وعيٍ كوني أو عن أن للوجود بُعدًا ذهنيًا… فهذا يبقى فلسفة أو “تأمل ميتافيزيقي”، وليس “حقيقة علمية” تثبت أن الذهب أو القماش “يشعر ويتذكر” بالطريقة التي تعنيها أنت.

المشكلة ليست في الإيمان بالغيب أو بالروح، بل في تقديم التأملات الفلسفية على أنها نتائج مختبرية.

3) تحويل الرمزي إلى حرفي: “الداتا” ليست أي شيء

قوله إن “مشاعر ملايين الطائفين صارت داتا في القماش” يجعل المشاعر كأنها ملفّ قابل للاستخراج والتحليل مثل هارد ديسك.

هذا تحويل مجازي إلى معنى حرفي بلا جسر علمي واضح:

نعم، المادة قد تحمل آثارًا فيزيائية (رائحة، جزيئات، حرارة، تلوث…).

لكن هذا شيء مختلف تمامًا عن “ترميز التوحيد والخضوع والدموع” كبيانات قابلة للقراءة.

لو بقي التعبير مجازيًا (“هذا القماش مشحون بمعنى روحي”) لا إشكال. الإشكال حين يصبح “تقنية استخباراتية”.

4) الماء: الاستشهاد الديني لا يصنع قانونًا علميًا

الآيات التي تتحدث عن الماء والحياة عظيمة الدلالة الإيمانية، لكن لا يصح أن نحمّلها معنى: “كلما تفاعل الشيء مع الماء زاد وعيه”.

إدخال الآية هنا بهذه الطريقة يجعلنا نقع في خطأين:

علميًا: لا يوجد قانون يربط الماء بزيادة “وعي المادة”.

تأويليًا: نجعل النص شاهدًا على فكرة لم يقلها، ثم نتعامل مع الفكرة كأنها حقيقة.

5) المنهج: ليس كل رابط “مثير” هو رابط صحيح

ربط إبستين بطلب كسوة الكعبة ثم ربط ذلك بـ”وعي المادة” ثم ربطه بـ”الغرف السوداء” ثم ختمه بمشروع إبليس…

هذا تسلسل “مشوّق”، لكنه منهجيًا فيه نوع من التراكم السردي: كل حلقة تزيد الإثارة، لا تزيد البرهان.

والنتيجة: المستمع قد يخرج بانطباع قوي، لكن خصمك الذكي يكفيه أن يهدم حلقة واحدة (مثلاً “ذاكرة المادة”) ليقول: “كل الكلام خرافة”، فتخسر أنت المعنى الأكبر.

6) رمضان لا يحتاج هذه الرافعة

فكرة أن رمضان لحظة مقاومة وإعادة تشكيل الوعي لا تحتاج:

– قصص “الداتا في القماش”،

– ولا تفسير العالم كله كغرفة عمليات واحدة،

– ولا تحميل كل شيء على “مؤامرة” واحدة.

رمضان يكفيه ما فيه:

– صوم يدرّب الإرادة،

– قيام ينعش القلب،

– قرآن يعيد ترتيب المعايير،

– توبة تفكّ قيود العادة،

– ووعي أخلاقي يرفض التطبيع مع الشر.

هذا وحده “مقاومة” بالمعنى العميق، حتى قبل أن نتكلم عن السياسة والشبكات.

7) الصياغة الأدق: كيف نقول الفكرة دون أخطاء؟

– بدل أن نقول: “القماش يحمل داتا الوعي”، يمكن أن نقول:

“استغلال المقدس جزء من منطق الإفساد الشيطاني: تدنيس الرموز، وامتهان المعنى، وتحويل الدين إلى أداة.”

– وبدل أن نقول: “العلم أثبت وعي المادة”، نقول:

“الإنسان ليس جسدًا فقط؛ والوعي والروح والمعنى عناصر حقيقية في بناء الإنسان—وهي بالضبط ما تستهدفه شبكات الإفساد.”

– وبدل أن نقول: “رمضان لأن الشيطان مكبل علميًا…” نقول:

“رمضان موسم يتقوّى فيه جانب النور: يقلّ التشويش، تزيد المحاسبة، ويتحرر الإنسان من العبوديات الداخلية.”

الخلاصة: نعم، نحن أمام مشهد شيطاني. ونعم، رمضان لحظة مقاومة وإعادة تشكيل وعي.

لكن قوة هذا المعنى لا تأتي من تضخيم الحكاية بمفاتيح “مؤامرة شاملة” ولا من إسنادها

لادعاءات علمية غير ثابتة.

قوتها تأتي من وضوح المعايير، وسلامة المنهج، والتمييز بين الإيمان والبرهان، وبين المجاز والحرفي، وبين ما يثبت أخلاقيًا وما يثبت تجريبيًا.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...