مفهوم الأخلاق وممارساته: مقارنات بين النموذجين العربي والإنجليزي
محمد هدهود. باحث مصري
في الإنجليزية فيه كلمتين مختلفتين للأخلاق، الأولى هي الأخلاق morality، والثانية هي الأخلاق ethics.
الفارق النظري بين الاتنين غالبا (فيه أنماط مختلفة تماما من استخدام المفهومين) هو إن الأخلاق morality بتتناول الحقوق النظرية والقيم المطلقة، وتتعلق غالبا بالتالي بما هو اجتماعي ومتعدي للفرد، بينما الأخلاق ethics فتتعلق بأنماط الحياة والسلوك العملي، وتتعلق غالبا بما هو فردي أو بإرشادات الفعل الشخصي.
في ثقافتنا الدينية احنا بنهتم بشدة بالأخلاق ethics، كيف ينبغي أن نتصرف عمليا كبشر في الحياة حتى نعيش حياة فاضلة. وبالتالي مفهوم الأخلاق عندنا مرتبط مثلا بالانضباط في السلوك الجنسي، بالابتعاد عن شرب الخمور أو التدخين. في المقابل، أحيانا تكون هناك شكوى من إغفال الأخلاق النظرية morality بمعنى الحقوق والقيم المطلقة، زي الالتزام بالتقسيم العادل للميراث، وإعطاء الميراث للبنات، واحترام حقوق الأيتام، وأداء العمل بأمانة وجد لتقديم الخدمة للناس والحفاظ على النفع العام.
في الثقافة العلمانية الحديثة مفيش أجوبة ناجزة على أسئلة الأخلاق العملية ethics، لأن هناك قناعة بأن الحياة العملية تخضع للخيارات الفردية، ولا وجود لنسخة مثالية من الحياة العملية، وأن العلمانية الحديثة كانت في أحد وجوهها مشروعا لتحرير الإنسان من فرض نسخ مثالية من الحياة العملية عليه، فالحرية الفردية تعني جوهريا حق الإنسان في اختيار الأخلاق العملية التي يحيا وفقا لها.
ده اللي بيخلي الناس عندنا تتصور أحيانا إن المجتمعات الحديثة مجتمعات بلا أخلاق لأنها مجتمعات تعاقر الخمور والمخدرات وتسمح بحرية جنسية واسعة تصل إلى حرية الممارسات الشاذة.
لكن في الحقيقة، نفس المجتمعات الحديثة دي عندها حساسية وانهمام شديد بالأخلاق النظرية morality بمعنى الحقوق والقيم المطلقة زي العدل، وطول الوقت هناك سؤال عن هل هذا الفعل أو هذه الفكرة أخلاقية ولا لأ، بس مش المقصود هنا أخلاقية عمليا بمعنى هل أنا كإنسان فاضل ينفع أعملها، ولكن أخلاقية بمعنى إنها لا تتضمن هدرا للحقوق وللعدل وللكرامة الإنسانية أم لا.
بالتالي التصور عن المجتمعات الحديثة والحداثة إنها حضارة بلا أخلاق تصور مش صحيح، بل على العكس، الفكر الحديث أحد أسسه هو تأسيس أخلاق عقلانية قائمة على الكرامة الإنسانية. لكن مشكلة هذه المجتمعات هي أزمة المعنى، لأن الإنسان يتساءل بعد أن يؤدي حقوق الآخرين، كيف يمكن أنا أن أحيا حياة فاضلة؟
في مجتمعاتنا المشكلة هي العكس، كيف يمكن أن يقوم نظام اجتماعي عادل ويحترم الحقوق والحريات ويشجع العمل الجاد، إذا كان منظورنا للأخلاق والفضيلة هو منظور فردي وشخصي تماما، لا يضع اعتبارا كافيا لحقوق الآخرين وللخير العام وللكرامة الإنسانية كمبدأ مطلق.
التعليقات