وحدة الصف في مواجهة الانقسام: قراءة في المشهد البودشيشي الراهن
محمد خياري
بعد صدور مقالي يوم 18 غشت 2025 بموقع دين بريس حول خطر الثنائية في القيادة على وحدة الطريقة وكينونتها الروحية، ظهرت معطيات جديدة بعد ذلك أعادت رسم المشهد داخل الطريقة القادرية البودشيشية، يمكن تلخيصها في صورة دينامية متشابكة:
*برز دعم قوي لسيدي منير من والدته وغالبية الشرفاء المحيطين به، وهو سند اجتماعي وروحي بالغ الأهمية؛
* رُفعت عرائض الولاء والإخلاص، الموقعة من المريدين والمقدمين، إلى الديوان الملكي ووزارة الداخلية، في محاولة لترسيخ شرعية واضحة لسيدي منير؛
* أظهرت عدة فروع وطنية ودولية للطريقة، خصوصاً في أوروبا وإفريقيا، انحيازاً ظاهرا لسيدي منير.
*غياب ظهير التعيين لسيدي معاذ وعدم استقباله من طرف أمير المؤمنين أضعف موقعه الرسمي وتركه في حالة فراغ مؤسساتي؛
” كثافة الأنشطة المنظمة من طرف أتباع سيدي منير، خاصة في رمضان 1447 ه وعيد الفطر؛
* تغطية الإعلام الرسمي لأنشطة الطريقة القادرية البودشيشية برئاسة سيدي منير أو بإذنه وبرئاسة سيد معاذ كذلك؛
رغم ذلك، يظل سيدي معاذ يقدم نفسه كشيخ للطريقة، بينما سيدي منير يتحرج من إعلان نفسه شيخاً بشكل صريح، ويكتفي أحياناً بالحديث باسم المشيخة أو بصفته رئيساً لمؤسسة ملتقى التصوف.
هذه التطورات تكشف أن الإشكالية لم تُحسم بعد: هناك شرعية فعلية وميدانية وإعلامية تميل نحو سيدي منير، يقابلها إصرار رمزي من سيدي معاذ على الحفاظ على لقب الشيخ وممارسة أنشطة باسم الطريقة. النتيجة هي استمرار حالة ازدواجية غير معلنة، لكنها تضع الطريقة أمام تحدٍّ حقيقي: هل ستتبلور وحدة القيادة بشكل رسمي، أم ستظل الثنائية قائمة بما تحمله من مخاطر على وحدة السند الروحي؟
الواضح أن الإشكالية الآن ليست مجرد صراع على لقب الشيخ، بل هي شبكة متداخلة من المصالح المالية والعقارية والأسرية والسياسية. وكلما طال زمن عدم الحسم، ازدادت الملفات تعقيداً، وارتفعت احتمالات أن يتحول الخلاف إلى أزمة تمس وحدة الطريقة ومكانتها داخل المغرب وخارجه. الأمر يتجاوز البعد الروحي والتنظيمي ليشمل ملفات حساسة ومعقدة:
1. الجانب المالي:
هناك اتهامات متبادلة بالاستيلاء على أموال الطريقة أو سوء تدبيرها، ما يخلق حالة من فقدان الثقة بين الأطراف، ويجعل أي محاولة للحسم في القيادة مرتبطة أيضاً بضرورة ضبط الحسابات المالية وإثبات الشفافية. المال هنا ليس مجرد مورد، بل أداة نفوذ يمكن أن تُستعمل لترجيح كفة طرف على آخر.
2. الجانب العقاري:
الأوقاف الخاصة والعامة تمثل أحد أعقد الملفات في المغرب، حيث تتداخل فيها الاعتبارات الشرعية والقانونية والسياسية. وأي انقسام في القيادة يفتح الباب أمام نزاعات قضائية أو إدارية، ويضعف قدرة الطريقة على الحفاظ على ممتلكاتها واستثمارها في خدمة أنشطتها الروحية والاجتماعية.
3. الجانب الأسري:
الانقسام بين الإخوة والأصهار والأزواج يعكس أن الأزمة ليست مؤسساتية فقط، بل أيضاً عائلية. وهذا يزيد من تعقيد المشهد، لأن الخلافات الأسرية عادة ما تكون أكثر صعوبة في الحل، وتترك آثاراً عميقة على وحدة الجماعة الروحية.
4. مراكز النفوذ:
هناك شخصيات وطنية ودولية تدين بالولاء لهذا الطرف أو ذاك، وقد تستعمل مواقعها لاتخاذ قرارات أو ممارسة ضغوط. هذا يربط مصير الطريقة بشبكات النفوذ السياسي والاجتماعي، ويجعل أي انقسام داخلي ذا انعكاسات على مصالح المغرب في الداخل والخارج، خاصة أن للطريقة امتداداً دولياً واسعاً.
في مقام الحديث عن وحدة الصف، تستحضر الذاكرة تلك الحكاية البسيطة التي قرأناها في الصغر: الأب الذي أعطى أبناءه قصبة واحدة فكسروها بسهولة، ثم جمع عدداً من القصب في حزمة واحدة فعجزوا عن كسرها. هذه الصورة تحمل حكمة عميقة: القوة لا تكمن في الفرد المنعزل، بل في الجماعة المتماسكة التي تتساند وتتعاضد.
في سياق الطريقة القادرية البودشيشية، تصبح هذه الحكاية رمزاً بليغاً. فكما أن القصب إذا اجتمع صار عصياً على الكسر، كذلك الإخوة والمريدون إذا توحدوا ظلوا حصناً منيعاً أمام رياح الفرقة والاختلاف. أما إذا انقسموا، فإنهم يضعفون لا محالة، وتصبح الطريقة عرضة للتصدع مهما كان تاريخها عريقاً وسرها المحمدي متجذراً.
غير أن السر المحمدي، وهو جوهر الوصال وروح الطريقة، لا يزول ولا ينطفئ. إنه نور باقٍ، يتوارى حيناً ويظهر حيناً، يبحث عن القلوب الصافية التي تحتضنه، وعن الجماعات التي تحفظه وتُجسده في العمل الصالح والوحدة الروحية. فإذا ضاقت به السبل في مكان، فإنه يجد طريقه للظهور في مكان آخر، لأن النور لا يعرف الانطفاء، بل يعرف التحول والانتقال.
التعليقات