مساجد الغرب بين شرف الخدمة وثِقل المسؤولية

24 فبراير 2026

د. صلاح الدين المراكشي

أحببت أن أشارك بموضوع تمسّ الحاجة إلى طَرْقِه، يتعلق بمستقبل المساجد عموماً في بلاد الغرب، وما قد تتعرض له من بعض التصرفات اللامسؤولة التي ينبغي الوقوف عندها بحزم؛ لأنها قد تعرقل مسيرتها وتؤثر في استقرارها. ولقد ترددت في تناول هذا الموضوع لحساسيته، غير أن الواقع ما له من دافع يفرض الحديث عنه، لا تشهيرًا بأحد، ولكن نصحًا وغيرةً على بيوت الله.

فهذه التصرفات قد تصدر عن وعيٍ أو عن جهل، لكنها في كلتا الحالتين تخلّف آثارًا وخيمة؛ إذ تهدم أكثر مما تبني، وتمزق أكثر مما تجمع، وتورث النفور بدل الألفة، والتباعد بدل التقارب. ومن هنا كان لزامًا التنبيه عليها؛ فقد قيل: عرفتُ الشر لا للشر، ولكن لتوقّيه / ومن لا يعرف الشر يقع فيه.

إن المساجد بيوت الله، أضافها سبحانه إلى نفسه إضافة تشريف وتعظيم، فقال جلّ شأنه: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا) سورة الجن الاية : 18 فهي مهوى أفئدة المؤمنين، فيها يُذكر الله ويُعظَّم ويُسبَّح، كما قال تعالى: (في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) سورة النور الاية : 36 وقد سمّى الله عُمّارها رجالًا، وشهد لهم بالإيمان في موضع آخر بقوله : (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) سورة التوبة الآية : 18.

ولا شك أن أجر خدمة بيوت الله عظيم، يزداد ثواب صاحبه إذا تولّى المسؤولية بنية صادقة وإخلاص وتجرد، كلٌّ في مجاله الذي يُحسنه؛ فالعالم بعلمه، والغني بماله، والمهني بحرفته، والحكيم برأيه، والإداري بخبرته، قال تعالى: (ولكلٍّ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) سورة البقرة الاية : 148 فإذا اجتمعت النيات الحسنة تحققت المنجزات، وقويت المكتسبات بإذن الله. وفي المقابل، فإن من يشذّ برأيه عن الجماعة، ويحوّل بيوت الله إلى ساحات خصام وتجاذب وانقسام وتحزّب، ويفتح أبواب التفرقة والنعرات وتصفية الحسابات؛ فإنه يزرع بذور الفتنة ويمزق وحدة الصف.

وهذه صفات من يسعى في خراب المساجد معنويًا، وقد توعّدهم الله بقوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) سورة البقرة الاية : 114 وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، حين قال الله تعالى في شأنه: (الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدًا لمسجد أُسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) سورة التوبة الاية : 107. وفي ذلك عبرة لكل من يجعل المسجد أداة للتفريق بدل أن يكون منارة للتقوى.

ولأجل ضمان استقرار المساجد في الغرب وأدائها لدورها، وضعت الجمعيات والمراكز الإسلامية أنظمة داخلية مستندة إلى الشرع والقانون، تنظّم شؤون الانتخاب والترشيح وتوزيع المهام وتشكيل اللجان وغيرها. ومن ثمّ، فإن احترام هذه القوانين والرضا بنتائجها واجب على كل منخرط أو متابع؛ لأنها سبيل جمع الكلمة وتوحيد الصف، كما قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) سورة آل عمران الاية: 103. وقال سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) سورة الأنفال الاية : 46. إن مساجد الغرب عموماً بحاجة إلى المخلصين الأمناء الصادقين، وما أكثرهم بحمد الله. فلنمنحهم الفرصة، ولنجعل ميزاننا هو الشرع والكفاءة والنظام والمصلحة العامة، لا الأهواء ولا الاعتبارات الضيقة. فالنيات الصادقة إن اجتمعت أثمرت، أما إذا اختلطت بالنيات الفاسدة أفسدت العمل وأذهبت بركته، كما قال تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الحق والباطل) سورة الرعد الاية : 17. ومن واقع الحال في مجال الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد في عدد من مساجد أوروبا، أجدني مضطرًا لذكر بعض الأمثلة لهذه التصرفات.

المثال الأول:

من يتبرع ويسافر ويجمع الأموال لبناء مسجد، وهذا عمل مشكور مأجور بإذن الله، وقد بيّنا في مواضع أخرى فضله وأجره. غير أن الإشكال يبدأ حين ينسب المسجد إلى نفسه أو قبيلته أو جماعته، ويتصرف فيه وكأنه في ملكه الخاص. مع أنه يعلم قول الله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا) سورة الجن الاية : 18. فالمساجد لا تُبنى للملكية، ولا للقبلية، ولا باسم جماعة بعينها، ولا لخدمة تيار أو توجه معين. إنما هي لله وحده، يجب أن تبقى محايدة عن كل هذه الانتماءات حتى تؤدي رسالتها الجامعة.

المثال الثاني:

من يشارك في تأسيس المسجد، ثم يتكبر على الناس بمنّته، ويجعل لنفسه حق السمع والطاعة، ويرى أن لا اعتراض لأحد على رأيه، ولو خالف هذا الأخير الشرع أو النظام والقواعد العامة، أو من يجعل معيار قبول الآراء بحجم المساهمة المالية، فمن دفع أكثر كان رأيه أرجح ولو جانب الصواب. وهذا مسلك مرفوض، يزرع الأحقاد ويؤدي إلى الفرقة، في حين أن الأنظمة الداخلية كفيلة بتنظيم العمل، وعلى الجميع احترامها دون إظهار نزعة الزعامة أو السلطوية.

المثال الثالث:

تضارب الصلاحيات بين الجانب الإداري والجانب الديني؛ كتدخل الإداري في الشأن الديني، أو تدخل الديني في القرارات الإدارية التنفيذية. فهذا يورث البلبلة والاضطراب، مع أن المطلوب هو التشاور والتنسيق، لا التنازع والتغوّل. فالشأن الديني يُرجع فيه إلى أهله، والشأن الإداري يُفصل فيه أهل الاختصاص، مع بقاء روح التعاون والتكامل بين الطرفين. وحين تُضبط هذه الأمور، وتُحترم المسؤوليات، وتقدَّر الكفاءات، وتُصان الأنظمة، تحفظ المساجد استقرارها، وتسلم للناس أخوتهم ومحبتهم، وتبقى بيوت الله منارات هداية ووحدة في بلاد الغرب.

اللهم أصلح أحوال مساجدنا، واجعلها منابر هدى ورحمة ووحدة، وألّف بين قلوب القائمين عليها، وارزقهم الإخلاص والحكمة. اللهم من أراد بها خيرًا فوفقه، ومن أراد بها سوءًا فاكفنا شره، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

والله تعالى أعلى وأعلم

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...