مذكرات سلفي؛ كيف نشأ حزب النور ولماذا دبت الخلافات فيه؟
ماهر فرغلي
شحيحة مذكرات التنظيمات المغلقة وقليلة، بل وأحياناً تكون منعدمة أو لا قيمة لها، ويأتي ما كتبه عضو الهيئة العليا لحزب النوار السابق، محمود عباس، كشعاع بسيط ينير غرف مظلمة، حيث يطلعنا على مرحلة هامة، وثّق فيها نشأة الحزب السلفي، الذي كان أحد مؤسسيه، في كتاب وصل محتواه إلي 110 صفحات، ساردا فيه تغلغل الدعوة السلفية بالحزب وتحكمها في كافة شؤونه، ودور برهامي وجبهته في إزاحة عماد عبدالغفور أول رئيس للحزب، القريب من الإخوان.
يقول عباس: عندما رأيت انخداع عدد كبير من الأعضاء ومن غير الأعضاء ببعض الشخصيات حتى وضعوهم في مصاف الأنبياء والرسل، أردت ذكر وقائع الأحداث بالتفصيل لكي يعرف الناس الحقيقة، خصوصاً أعضاء الحزب، الذين استشكلت عليهم بعض الأمور، وأردت أن أكشف عن الحقائق حين ظن البعض أن الأمور استقرت لهم.
يقول محمود عباس: بدأ العمل الحقيقي بجمع التوكيلات، وأخذ الإخوة في كل محافظة يدعون للحزب الجديد والمسارعة لعمل توكيلات، وطاف عبد الغفور كل محافظات الجمهورية، حتى أنه كان يذهب في اليوم الواحد إلى أكثر من محافظة ليلتقي بأكبر عدد ممكن من شيوخ السلفيين.
يتابع: كان أمامنا واحد من أربعة خيارات:
الأول: الانضمام إلى حزب الوسط ذي الخلفية الإسلامية والذي أنشأه مجموعة كانت تحسب على الإخوان، وعلى رأسهم أبو العلا ماضي وعصام سلطان.
الثاني: الانضمام لأول حزب له مرجعية إسلامية سيتم تكوينه، وكان الأقرب في ذلك الوقت حزب الحرية والعدالة.
الثالث: تكوين حزب جديد له مرجعية إسلامية يتكون من أعضاء التيار السلفي.
الرابع: الاشتراك في حزب العمل المعارض لنظام مبارك ولكنني لم أجد للحزب صوتاً أو نشاطاً ملحوظاً.
يضيف بقوله: ذهبت ذات يوم إلى عماد في منزله القديم، وهو فيلا بجوار منزله الحالي، فوجدت د. بسام الزرقا، والذي أصبح بعد ذلك أمينا للإسكندرية وعضو الهيئة العليا للحزب، ومستشاراً سياسياً لمحمد مرسي، وعضواً بالجمعية التأسيسية للدستور، وكان كعادته يرتدى جلباباً، ودار حوار مع د. بسام حول خطورة تكوين الحزب في هذه المرحلة… ومرت أيام وكان اللقاء مع د. بسام عبر محاضرات سياسية يلقيها على مجموعة من الكوادر، وقام د. عماد بإلقاء كلمة وجه فيها الأعضاء للمرحلة المقبلة مع بعض ّالتوجيهات الصغيرة مثل محاولة تغيير الصورة الذهنية عن الإسلاميين، وأن نحاول ارتداء البدل الكاملة، أو على الأقل القميص والبنطلون، فقام د. الزرقا معترضاً بأنه لن يغير ( الجلباب ) وليكن ما يكون.. لكنني بعد فترة وجيزة وجدته خلع الجلباب وارتدى (البدلة) كاملة وأصبح أمين الحزب بمحافظة الإسكندرية وعضو الهيئة العليا، وأتذكر أول يوم ارتدى فيه الرئيس د. عماد (البدلة) الرسمية وكنت أنتظره لتوصيله إلى كلية التجارة جامعة الإسكندرية لمقابلة د. المرسي حجازي الذي كان له دور بارز في كتابة الشق الاقتصادي في برنامج حزب النور، والذي تقلد بعد ذلك وزارة المالية في وزارة د. هشام قنديل الثانية، وكان د. عماد في غاية الخجل لأنها المرة الأولى التي يرتدى فيها (بدلة) رسمية في حياته!
ويوضح أن مجلس أمناء الدعوة السلفیة يتكون من الشیوخ الستة الكبار مؤسسي الدعوة السلفیة وھم: الشیخ أبو إدریس، والشیخ محمد إسماعیل المقدم، والشیخ سعید عبد العظیم، والشیخ أحمد حطیبة، والشیخ أحمد فرید، والشیخ یاسر برھامي، (كلھم أطباء إلا “أبوإدریس” خریج الھندسة).. أما مجلس إدارة الدعوة السلفیة فیتكون من الرئیس العام لجماعة الدعوة السلفیة، حیث یشترط أن یكون من مجلس الأمناء واختیاره یكون من قبل مجلس الشورى، وله نائبان، یشترط أن یكون الأول من الأمناء، أما النائب الثاني فلا، ویتكون المجلس من 18 عضواً، ینتخب منهم 15 عضواً، وھو من یتخذ القرار الفعلي، حیث یدیر العمل على مستوى الجمھوریة، وتكون مدة المجلس أربع سنوات.
ورغم أن سلفيّ المدرسة الاسكندرانية بمجلسيهم كانوا يحرمون العمل الحزبي والديمقراطية، إلا أن تحولا خطيرا وغريبا حدث فجأة عقب الثورة المصرية، وفي السطور التالية شرح ذلك قائلاً: ذهب د. عماد الدين عبد الغفور ليلتقي مجلس أمناء الدعوة السلفية ويعرض عليهم تصوره للحزب الجديد بصفته صاحب الفكرة، وظل يتردد بين مجلس أمناء الدعوة السلفية، ومجلس إدارة الدعوة السلفية لمدة أسبوعين كاملين… البعض اقترح أن يتم إنشاء الحزب بعد أربع سنوات، وكانت حجة الدكتور عماد أن القطار قد انطلق فمن لم يركبه الآن سيفوته الكثير… وكانت حجة القائلين بالتأجيل ضعيفة، والغريب أن منهم من كان يجادل د. عماد في حل وحرمة الحزب أصلاً، والأغرب أن منهم من وصل إلى أعلى مناصب الحزب، بل وخارج الحزب أيضاً.
يكمل عباس: فوجئنا بتصريح في الجرائد من الشيخ “أبو إدريس”، رئيس مجلس أمناء الدعوة السلفية بأن حزب النور لا ينتمي للدعوة السلفية، ووجدنا تصريحا للشيخ أحمد حطيبة بأن الانخراط في الأحزاب والسياسة “نتانة”، بل صرح بعضهم في مساجدهم أنه لا ينخرط في عمل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية باللفظ العامي المصري إلا “الإخوة المصديين” نسبة إلى الصدأ، أو الإخوة في الصف الرابع أو الخامس من الدعوة، أما الإخوة في الصفوف الأولى للدعوة فلا يجب أن ينشغلوا بهذه “السفاسف”، وأطالت هذه الممارسات فترة تأسيس الحزب.
والسؤال الذي لم يجب عليه محمود عباس أو يحتاج إلى إجابة، لماذا أنكرت الدعوة السلفية انتماء الحزب إليها؟ ولماذا لم توجه أعضاءها في مرحلة التأسيس للانخراط بالحزب؟
إن القادة فيما بعد الذين كانوا يرفضون العمل الحزبي وافقوا عليه، والذين يرفضون الترشح للبرلمان كانوا في المقدمة، وفي المحاضرات التثقيفية ظهر ذلك بمشاركة المهندس عبد المنعم الشحات والذي كان من غير المؤيدين لإقامة الحزب لأسباب شرعية جادل فيها د. عماد كثيرا، وجاء وأخذ يلقي محاضرة، ولمحنا في كلماته نبرة سخرية وعدم موافقة على أهداف الحزب والوصول إلى مجلس الشعب أو الشورى، وبعد انتهاء المحاضرة سألته ما المانع في ترشح أحد السلفيين لرئاسة الجمهورية؟ فضحك، وإذا به شخصيا يتبدل موقفه، ويترشح عن الحزب على مقعد الفئات في أول انتخابات!
وبدأت الانتخابات وأيضاً عمليات الإقصاء المتبادل والاتهامات ثم فوجئنا بالأعضاء الجدد الذين يهبطون من أجل الغنائم والترشح للبرلمان، وتدخل شيوخ الدعوة السافر في الحزب، وظهر محمد حسان ليدعم الحزب وفي وقت قصير وموعد قريب تم الاتفاق على عقد مؤتمر بإستاد الإسكندرية ودعوة عدد من قيادات الدعوة السلفية ومشايخها، محمد حسان ومعه المشايخ سعيد عبد العظيم وأحمد فريد ود. عماد الدين عبد الغفور، ووفق محمود عباس كانت كلمة الشيخ محمد حسان عن محاولة رأب الصدع في صفوف السلفيين، ويبدو أنه أصيب بكدمات شديدة بالكتف والظهر من جراء تدافع الناس، وتوجهنا بالفعل إلى الدكتور يسرى حماد -المتحدث الرسمي للحزب-، والمتخصص في العلاج الطبيعي، وظل الشيخ على الأجهزة للعلاج قرابة ساعتين ونصف، وكان من جراء ذلك انصراف كثير من المنتظرين.
وظهرت الدعايات بصور المرشحين إلا صورة المرأة مرشحة الحزب، والتي وضع مكان صورتها (وردة)، وأقيم مؤتمر لتعريف المرأة بالحزب بدورها خلال هذه المرحلة، وكان المتكلمون في المؤتمر د ياسر برهامي، ود عماد عبد الغفور رئيس الحزب، و الداعية حازم شومان، والدكتورة حنان علام مرشحة المرأة في قائمة حزب النور للدائرة الأولى، الرمل والمنتزه، وقام “برهامي” بإبلاغ أسامة رشاد بأن يطلب من “عبد الغفور” عدم حضور المؤتمر!، كيف ذلك وهو رئيس الحزب، ويبدو أن مشكلات بدأت تطفو على السطح، وكان الإخوان المسلمون عاملاً رئيساً بذلك، إذ إنهم توغلوا وأرادوا السيطرة، وهنا ظهر أبو إدريس زعيم السلفيين، الذي أعلن وفق محمود عباس أن حزب النور هو الذراع السياسي للدعوة السلفية، وأنه أعطى توجيهاته لكل أعضاء الدعوة بالانخراط في الحزب بل والترقي لكل المناصب، وأن السبب هو أنهم وجدوا الحزب يسرق منهم!
يضيف: كان يجب الفصل الإداري في العمل بين الدعوة السلفية وبين حزب النور حتى يستقيم العمل، وحتى لا تختلط المرجعية الإدارية، وفي إحدى الجلسات سأل م. عبد المنعم الشحات، أشرف ثابت الذي سيصبح وكيل البرلمان المصري فيما بعد، قائلا: ما رأيك في قضية فصل الحزب عن الدعوة السلفية؟ فرد قائلا: الذي يقول ذلك لا يدري شيئا، فالدعوة السلفية هي التي أنشأت حزب النور وهو الذراع السياسي لها.
واتضح وفق محمود عباس أن هناك من كان يبحث عن مجد شخصي، وأن هناك تداخل كبير سيؤدي لمشاكل كبيرة فيما بعد، وأن اللجنة النسائية لم يكن همها طوال فترة ما قبل الانتخابات إلا عمل معارض تباع فيها الملابس بأسعار رمزية، وظنوا أنهم في جمعية خيرية!
واشار الكاتب إلى أنه بعد استبعاد المرشحين خيرت الشاطر والعوا، تجددت الخلافات مرة أخري بين اتباع الدعوة السلفية، حيث اتفق برهامي وأنصاره والعديد من أعضاء الحزب على تأييد عبد المنعم أبو الفتوح، بينما على الجانب الاخر، أعلن سيد عبد العظيم (أحد قيادات الدعوة السلفية) تأييده لمحمد مرسي، ونفسه الأمر أعلن عنه محمد إسماعيل المقدم (أحد قيادات الدعوة السلفية).
ولفت الكاتب إلي أنه فور خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الانتخابات في مرحلة الإعادة والتي حسمت بين أحمد شفيق (مرشح الرئاسة السابق)، وبين محمد مرسي (مرشح حزب الحرية والعدالة)، انحاز الكثير من السلفيين ‘إلي محمد مرسي واتفقوا على إعطائه أصواتهم.
وصدرت جريدة حزب النور وكانت توزع 40 ألف نسخة، في الوقت الذي كانت الدعوة السلفية لا تزال تواصل تجهيزات جريدة الفتح، وحتى يرضى ياسر برهامي عن الجريدة فرض تعيين أربعة تلاميذ له في قسم المراجعة، وبعد مراجعتها يتم إرسالها له ليراجعها ثم يأذن بطباعتها، وفي العدد الأول طلب برهامي حرقه بحجة أن به تصريحاً للشيخ محمد إسماعيل المقدم لم يقله، وحاولوا إثناءه دون جدوى، متجاوزاً صلاحيات رئيس الحزب عماد عبد الغفور.
يقول محمود عباس: صدرت جريدة الفتح كصوت للدعوة السلفية بعد صدور جريدة النور كصوت لحزب النور بحوالي أربعة أو خمسة أعداد، واتفقنا على توزيعها بجانب جريدة النور، وسافرت إلى القاهرة والتقيت بإدارة الجريدة، طلعت رميح رئيس التحرير وأحمد الوكيل ومحمد عبد المنعم، وذلك قبل أن يتركوا الإدارة، بعد عدم الإيفاء بمستحقاتهم المالية، وتم تعيين محمد القاضي مديرا للجريدة دون أي خبرة صحفية تذكر بمرتب ١٥٠٠٠ جنيه شهرياً.
لم يكن لحزب النور برامج اقتصادية بالمعنى الواضح، ويثبت عباس بقوله ذلك حين تحدث عن اقتراحات داخل الحزب لزراعة السواك!، قائلاً: قام أخ فاضل وقال موجها كلامه للشيخ محمود عبد الحميد: لقد قلت في كلمتك إننا مؤيدون من حوالي 10 مليون ناخب في الانتخابات الماضية، سواء من الدعوة أو الحزب أو المحبين لهما، فقال: نعم، فقال له: فما المانع من أن نقوم بجمع ١٠ جنيهات من كل منهم فيكون لدينا ١٠٠ مليون جنيه، وذلك لعمل مشروع كبير ينفق على الحزب والدعوة معاً. فرد عليه الشيخ محمود: نحن لا نفكر في ذلك الآن، ولو فعلنا سنفكر في تصنيع خمار وسواك وتوزيعه أو بيعه على الإخوة والأخوات!
ويختتم الكاتب مذكراته بصراعات متعددة في أروقة المدرسة السلفية، حول الحزب والدعوة لم تنته ساعتها ويمكن أن تكون لم تنته بعد حتى الآن.
التعليقات