مذكرات إسلاميي مصر: مدرسة مختار نوح في توثيق جرائم العنف في خمسين عاما

عمرو عبد المعم
“الوثائق أداة خرساء في يد من لا يعرف كيف يجييها، وينفخ من روحه فيها”.
إرنست رينان
الجزء الأول
يُعدّ مختار نوح القيادي الإخواني السابق و المحامي واحدًا من أبرز الأصوات التي خرجت من رحم تجربة جماعة الإخوان المسلمين ثم اختارت المواجهة الفكرية وكشف خفايا التنظيم وأفكاره. فقد جمع بين العمل القانوني والبحثي، وكرّس جانبًا كبيرًا من مسيرته لتفكيك خطاب الجماعات المتطرفة، مستفيدًا من خبرته الطويلة ومعرفته الدقيقة ببنية تلك التنظيمات وأساليب عملها.
وقد شكّل مشروعه في توثيق جرائم العنف والتنظيمات الدينية المتشددة محاولة جادة لسدّ فراغ واضح في المكتبة العربية، من خلال رصد الوقائع وتحليل الخلفيات الفكرية والسياسية وأبعادها الإجتماعية التي قادت إلى دوائر التطرف والعنف. وتميز هذا المشروع بمنهجية تعتمد على التوثيق والشهادات والقراءة القانونية والتاريخية، بعيدًا عن الانفعال أو الطرح الدعائي.
ومع إعلان وفاة مختار نوح، فقدت الساحة الفكرية والقانونية شخصية أثارت الجدل أحيانًا، لكنها ظلت حاضرة في معارك الوعي وكشف مخاطر الجماعات المؤدلجة. وبرحيله، يبقى إرثه البحثي والتوثيقي شاهدًا على مرحلة معقدة من تاريخ الصراع مع العنف السياسي والتنظيمات المتطرفة، كما يبقى مشروعه مفتوحًا أمام الباحثين لاستكمال ما بدأه من توثيق وتحليل ونقد فكري.
عشت كواليس كثيرة في حياة الراحل مختار نوح، المحامي، أو كما يسميه المقربون منه “ربان السفينة”، سفينة نوح أو ملتقى “رشد” التي تحمل كل من انشق أو يسعى إلى الانشقاق إلى بر الأمان. ثلاث مراحل مر بها الراحل ، وهي مراحل لابد أن يمر بها أي إسلامي لانقشاع الوهم الكبير:
1. المرحلة الأولى: القناعات الفكرية الزائفة.
2. المرحلة الثانية: التذبذب في إعلان القناعات الجديدة والاحتفاظ ببعض القديم.
3. المرحلة الثالثة والأخيرة: التحول الكامل عن القناعات الأولى والجهر بالجديد.
أخطر مرحلة يمكن أن يعيشها أي إنسان هي المرحلة الوسطى في هذه القناعات، حتى يخرج من سم الخياط، وهي مرحلة تشبه خروج الروح من الجسد. أو ما يطلق عليه الباحثين في علم الإحتماع ” إنقشاع الوهم الكبير “إما أن يحدث له شفاء كامل أو عودة إلى أفكار أخرى أكثر تشددًا، وربما تحمل دوافع انتقامية.
أصعب شيء أشفقت فيه على حياة الراحل الكريم هي هذه المرحلة، كم الضغوط التي تعرض لها هو وأسرته. لقد حمل صبر الجبال، كان صبورًا وحليمًا، وتلقى طعنات حادة جدًا من أقرب المقربين في مسيرته الإخوانية والمهنية.
بدا الرجل لكل من يراه في هذه المرحلة وكأنه ليس هو مختار نوح الذي عرفناه في عين شمس ومنطقة النعام، عندما كان ينادي بالميكروفون في مسيرة عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك في اولئل الثماننيات : “ندعوكم لصلاة عيد الأضحى المبارك في ميدان الألف مسكن”. مختار نوح الذي كانت تهتف الجموع الإخوانية باسمه في المحاكمات والمظاهرات وداخل السجون والمعتقلات :
• “(دكتور بشر ومختار نوح.. بكرة الظلم ده كله يروح)”
• “(حبايبنا يا غايبين، في السجن بعيد، لكن بينا مختار والشاطر وأبو غزلان.. وكثير غيرهم ضحوا عشانّا)”أين تلاشت أناشيدهم التي كانت تفيض عاطفة حول مختار ورفاقه؟ لتبداء بعدها رحلة الإنتقام الكبير من مختار نوح القطب الإخواني الشهير .
كثيرون لا يعرفون تفاصيل الانشقاق أو تجميد النشاط داخل الجماعة، وكيف حدث. لكنك عندما تطلع على أوراقها السرية، تكتشف أمورًا عجيبة. أكدت لجنة التحقيق السرية التي حققت في أزمة مختار نوح مع الجماعة، ومعه عدد آخر من المنشقين مثل عبد الستار المليجي، وخالد دواو، وعبد المنعم أبو الفتوح (ملحوظة: بعض عناصر الجماعة ممن تم تجميد مواقفهم أو انشقوا عادوا مرة أخرى)، أن مكتب الإرشاد هو الذي قصر في التعامل مع أزمة مختار نوح مع الجماعة عن عمد، وأن هناك مجموعة في الظل تدير شؤون الجماعة وهي التي تسببت في تلك الأزمة.
وأكدت التحقيقات التي تولى المستشار فتحي لاشين (أحد قيادات الحرس القديم أو ما يطلق عليه المرشد الخفي) في لجنة المنوفية، رفض قرارات مجموعة الظل التي ترأسها خيرت الشاطر، ومحمود عزت، ورشاد بيومي، وأن ما يُطلق عليه النظام الخاص في الجماعة هو من تسبب في هذا الأمر.
وهنا بدأت المشكلة تتفاقم، وخاصة بعد أن خرجت توصيات لجنة التحقيقات في الانشقاقات لتنفيذها، لكن تم حظرها وإخفاؤها تمامًا، واستبعادها من إدارة الجماعة. وهنا حسم مختار نوح أمره وأعلن موقفه في حوار أخير مع الإعلامي “عبد الرحيم علي ” اتهم فيها الجماعة بعدم احترام الشوري في الداخل وأن نهياتها اوشكت علي الإقتراب .. بعد جملة من الضغوط الشديدة عليه وعلى أسرته، وبدأ يتحرر من قيود الجماعة بشكل كامل منذ بدايات 2012.
لكن الشهادة هنا أن ما وصل إليه مختار نوح كان ميلادا جديدا و كان بعد مخاض عسير تدريجي نفسي وحركي، انتهى به إلى شخصية مختلفة تمامًا استفادت من تجارب الماضي لصناعة حالة مختلفة في المستقبل، وهذا ما رأيناه جميعًا بعد عام 2012.
مختار بين المراجعات والتحولات
تجربة الأستاذ مختار نوح المحامي ثرية جدًا داخل الإخوان أو في العمل السياسي والحزبي أو داخل أروقة نقابة المحامين. من يريد أن يتعرف على هذه التجربة المتنقلة في العمل السياسي والحزبي والنقابي، يجب أن يقرأ سيرة الرجل وقصة حياته.
_ كتب نوح سيرته الذاتية مرتين. الأولى بعنوان “جعلوني سابقًا”، وكانت أثناء وجوده في السجن، وعقب خروجه من السجن في 8 أكتوبر 2002، وحينها بادر بإطلاق مشروع مبادرة المصالحة مع النظام المصري، الذي قوبل من قبل قيادات جماعة الإخوان بالتشكيك ثم بالرفض التام.
تتحدث أوراق قضية النقابيين هذه عن كل ما حدث في السجون ، وكيف تدرج وتحول هذا الرجل وكيف عانى. كانت المذكرات بالنسبة للجماعة حينها شكلاً غير تقليدي للبوح والمصارحة.
السيرة الذاتية الثانية كانت بعنوان “والله العظيم أشهد بالحق”، وكتبها في المرحلة الأخيرة من حياته، وراجعها أكثر من مرة، وتوقف عند بعض النقاط بها وتم تعديلها، وتعد من أصدق السير الذاتية التي اطلعت عليها أثناء كتابتها، وبها محطات يجب التوقف عندها كثيرًا عند النظر في تاريخ مرحلة السبعينيات وأوائل الثمانينيات من خلال نقابي وحزبي مثل مختار نوح، وعلاقة كل هذا بجماعة الإخوان المسلمين.
مشهد النهاية في فيلم “طيور الظلام”
بدأ نوح علاقته بالجماعة في نفس توقيت علاقته بمهنة المحاماة، أي بعد تخرجه من كلية الحقوق عام 1974. ومنذ ذلك الحين، شارك في كل القضايا السياسية الخاصة بالإسلاميين. جميع قضايا العنف السياسي كان له فيها دورًا إما بشكل مباشر في المرافعات أو بالتضامن مع محامين أو بالتوجيه لمحامين آخرين بشأن الدفوع القانونية. وهنا تكمن أهمية خزينة أسرار مختار نوح القانونية.
في خزينة أسرار نوح تجد خطابات ووثائق من (قادة وأحداث وأدبيات) معظم التنظيمات الجهادية عبر خمسين عامًا من الدم. مثل قضية الفنية العسكرية، وتنظيم الجهاد (الإسكندرية، السفارة القبرصية)، قضية اغتيال السادات 1981، مرورًا بقضية إعادة تشكيل النظام الخاص 122 لسنة 1982، وإعادة تشكيل تنظيم الجهاد 1986، وقضية أحداث عين شمس الأولى والثانية، مرورًا بقضية اغتيال المحجوب والالفي وعاطف صدقي، حتى وصلنا إلى قضية الزيتون ومظاهرات الإخوان في المناطق بالقاهرة الكبرى وهي سلسلة قضايا، وأحداث رمسيس، ثم الحرس الجمهوري، وقضية التخابر والتحفظ على أموال الإخوان، ، وأحداث كرداسة، حتى نصل إلى قضية اغتيال النائب العام، وهو ما سطره الرجل في موسوعة “خمسون عامًا من الدم” في جزء خاص ، حتى وصلنا إلي الجزء الخامس بعنوان “خطة إسقاط مصر”.
كان الإخوان في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي يقولون: “من أراد أن ينظر للمرشد القادم للإخوان المسلمين فعليه النظر لهذا الشاب”، وكانوا يقصدون مختار نوح المحامي، خليفة عمر التلمساني. كان نشطًا لا يكل ولا يمل، وكان مكتبه في حي الزيتون، ميدان ابن الحكم، يزدحم بكافة عناصر الجماعات الإسلامية، وهو ما استدعى وحيد حامد أن يكتب فيلم “طيور الظلام” عن تجربة محامي مع الجماعات الإسلامية، وصوره في سجن المزرعة بطرة، وهو نفس المكان الذي عاش فيه نوح ما يقرب من ثلاثة أعوام، ولعب فيه كرة القدم مع عناصر التائبين وقيادات الجماعة وضباط أمن الدولة، هو نفس الملعب الذي صور فيه عادل إمام مشاهد النهاية في الفيلم.
فقصة الفيلم مأخوذة من أوراق تحقيقات النيابة العامة من معظم قضايا العنف الديني في الثمانينيات، وربما هي شخصية المحامي الإسلامي التي كان يتربع على عرشها مختار نوح، ويليه منتصر الزيات، بالإضافة إلى شخصيات أخرى تورطت في إخراج تكليفات من السجون، وهي شخصية منصور علي منصور، وعلي راضي، وعلي إسماعيل، المحامين الذين نشطوا على خلفيات عملهم في المحاماة مثل مختار ومنتصر.
أذكر أنني شاهدت عنده في مكتبه بالزيتون كافة قيادات الجماعات الإسلامية ينتظرون دورهم في الدخول لمكتبه مثل عيادة الطبيب، حتى أنني رأيت أحمد السهيري، أحد قيادات التكفير في منطقة الخانكة، رأيته عنده بعد خروجه من المعتقل عام 1987، وكان أحد العناصر العنيفة التي ابتليت بها مصر في الثمانينيات.
مختار الآن عند جماعة الإخوان وجميع الجماعات عدو من سحرة فرعون وداعم الطواغيت، بدل مواقفة وخياراته كما صرح القيادي الجهادي “أبو المنذر” بانه اختار فسطاط الكفر علي فسطاط الإيمان ، أبو المنذر الذي كان يتمنى في الثمانينيات من القرن الماضي الفوز ولو بنصف ساعة للجلوس مع مختار نوح المحامي أو يتدرب في مكتبه لان يحمل عليه ويصل بمراده إلي اخراجة من زمرة المؤمنين . والآن تهتف الجماعة في مؤتمراتها: “طار طار مخك طار يا مختار”، بل وتنتج أفلامًا وثائقية وتضعه على قائمة المحاربين لدين الله والرسول والمؤمنين تصفة بالمتساقط علي طريق الدعوة .
امتلك مختار نوح كنز أسرار حديدي بلا شك ، بعضها فتحها بحذر شديد للإعلام، والبعض فتحها لي شخصيًا في مذكراته التي لم تر النور حتى الآن، وهي بعنوان مبدئي “والله العظيم أشهد بالحق”، وكأنه شاهد في قضية يطلب منه القاضي أن يشهد بالحق، فيقول: “والله العظيم أشهد بالحق”. ما هي معلوماتك عن الإخوان يا أستاذ مختار؟ فينطلق في الشهادة ..المذكرات أرهقني فيها الأستاذ جدًا، ربما لشبكاته الاجتماعية الكثيرة، وربما لأنه وعد آخرين بأن تكون في طي الكتمان ولا يريد الإفصاح عنها. لكن هكذا التاريخ ليس ملك للأشخاص ولا الحركات .
كمز الاسرار مثلا حقيقة انشقاق أحمد السكري، وهو خال نوح بالمناسبة ، والذي أسس الجماعة مع حسن البنا، والذي يؤرخ بأنه أول منشق حقيقي عن حسن البنا والجماعة، علاقة مختار بالتلمساني وحقيقة الجيل الثاني في السبعينيات ، علاقة مختار بالمشير ابو غزالة المفكر والإنسان والمبدع .
مختار نوح المحامي مفكر وخبير وأب ومربي. أحيانًا لا تتفق معه في بعض ما يقول فالأوراق والتحقيقات لها عنده ميزان خاص وحكم مختلف ، ويقرأ عقلك من الداخل، ويصمت حتى تأتي فرصة إثبات ما يقول، وينقض كصقر عليك في الوقت المناسب، فتعترف أنه على حق وأنك مخطئ في تصورك.
مختار نوح ترافع عن عشرة من قيادات الجهاد وجاء لهم بالبراءة في قضية 1981، والغريب أن معظمهم تنكر له رغم أن بعضهم تغيرت حياته بالكامل بسبب هذه البراءة. جميع قضايا عنف الجماعة الإسلامية في عين شمس، وقضية السماوي، حرائق الفيديو، معظم هذه القضايا أخذت براءة. كتب يومها السماوي قصيدة بعد الإفراج عنه عام 1988 كان مطلعها: “لله مختارون من قدم .. للحق والعلياء الكرم”.
وقضية تسجيلات الفيديو لأحمد سمن في الخانكة والمرج وكان اخطر قيادات الجهاد في مطلع الثماينيات ، بل وأزعم أن في خزينة أسرار مختار نوح بها عددًا كبيرًا من الوثائق التي يستحيل أن تجدها في مكان سوى عند محامي بهذا القدر وهذه الإمكانيات.
أخطر هذه الأوراق، خرجت في الجزء الثاني من الموسوعة، هي أسرار إحياء التنظيم السري بقيادة أحمد توفيق كنزي في مساكن عثمان بحي عين شمس. خرجت بعض تفصيلاتها والتي تشرفت بتوثيقها تاريخًا، وكيف تولى خيرت الشاطر ومحمود عزت ترتيب الأمور للعودة الجماعة للجناح القطبي ؟! وهنا تكمن الخطورة .. كيف تم اصطياد عناصر الإخوان الشابة الجديدة للتنظيم؟ لماذا تم إخفاء كافة معلومات إحياء التنظيم والبيعة على عمر التلمساني حينها؟! ماذا عن القيادة العلنية والسرية داخل الإخوان ومجموعات الظل داخل التنظيم؟!
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك




التعليقات