ماهية الحدود الشرعية في السياق القرآني.. قراءة في دراسة الدكتور محمد الناصري للمصطلح

25 يناير 2026

أحمد المهداوي ـ كاتب صحافي
في تقديره، فإن طرح الكثير من المصطلحات والمفاهيم للحوار والمناقشة والمفاكرة وتفكيك مكوناتها، والقيام بمراجعة لتاريخها وعوامل تشكلها، وتحريرها مما لحق بها من الانغلاق على شخص أو جماعة أو طائفة أو حزب أو زمان أو مكان…، هو السبيل إلى التفاعل والتفاهم وبناء القاعدة الثقافية المشتركة ، وعليه فإن الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة مولاي سليمان، المغرب، يسعى في دراساته العلمية، المنكبة على استقراء أصول المفاهيم وتطورها وتفاعلها مع اللغة والواقع الحضاري، إلى تفكيك البُنى اللغوية والمفاهيمية والفكرية للمصطلحات في ضوء النص المؤسس لأجل كشف أسسها وتناقضاتها وفرضياتها المحتملة قصد إعادة تركيبها وصياغتها مما يتيح فهماً أعمق وأكثر انفتاحاً لأجل إنتاج رؤية جديدة للمصطلح تكون أكثر فاعلية وقدرة على التعاطي مع الواقع وتجاوز الإشكالات المفاهيمية الناتجة عن فوضى التوظيف.

يبحث الدكتور الناصري، في دراسته الموسومة بـ”مصطلح الحدود الشرعية: من ضيق الفهم الفقهي إلى سعة الدلالات القرآنية”، في كشف الانحيازات الأيديولوجية التي ساهمت في صب مصطلح الحدود الشرعية في قالبه المتطرف، بوصفه عنواناً لشعار “تطبيق الشريعة الإسلامية” عند الجماعات المتطرفة التي تدعي “أن عدم تطبيق هذه الحدود والتخلي عنها من طرف الحكومات المسلمة، هو السبب في انتشار الفساد والشرور والشرك بالله وضياع حقوق الناس، وأنه على الأمة المسلمة إذا أرادت العودة إلى قوتها تطبيق شرع الله بإقامة الحدود الشرعية” ، هذا الاختزال الضيق للشرع الإلهي في تطبيق الحدود دفع الباحث إلى البحث عما حدا بهذه الأيديولوجية المتطرفة إلى تبني هذا المصطلح بطريقة حرفية مطلقة وتفسيره تفسيراً متطرفاً يخدم سردية التمكين حيث تربط هذه التنظيمات بين مفهوم التمكين وتطبيق الشريعة التي غالباً ما يُقصد بها تطبيق الحدود، وهنا يصبح المصطلح مفارقاً لمعناه السليم، وداخلا في نسق شبكة مفاهيمية تبتغي بتحريفها لمصطلح تطبيق الحدود الشرعية معاني أخرى لا علاقة لها بالمعنى العلمي المنضبط للمفهوم.

إن تطبيق الشريعة، كما يعرضه التصور الأيديولوجي المتطرف، يطرح إشكالية عميقة في المنطلقات التي ينطلق منها هذ التصور في فهمه للشريعة، وأساليب تطبيقها، وهو ما جعل الباحث يستقرئ مفهوم الحدود في ضوء دلالاته القرآنية، ووضع الأصبع على مكامن الخلل في فهم مراد الشارع من وضع الحدود.

يتناول الدكتور الناصري بالدراسة والتحليل والنقد مصطلح الحدود الشرعية، كمفهوم يثير جدلا واسعاً في أبعاده وكيفية تطبيقه، وذلك من أجل الوقوف على منشأ الالتباس الحاصل بين الحدود في الدلالات القرآنية والحدود في التقديرات والضوابط الفقهية، مستقرئً ومستثمراً أقوال الفقهاء في هذا الصدد، حيث اختار بناء على التعريفات الفقهية الواردة في دراسته، تعريفاً يراه الأنسب لاتساقه مع مقصد الشرع في تعريف الحدود الشرعية معتبراً إياها: “عقوبات بدنية لمكافحة الجريمة، وصيانة المجتمع، وحفظ ضروريات حياته وأمنه واستقراره، وهي من اختصاص القضاء حصراً يوقعها على المستحقين لها ضمن شروط وضوابط دقيقة في طرائق إثباتها، والاحتياط عند إقامتها، وإسقاطها بالشبهة، وتخفيفها بالعدول عنها إلى عقوبة تعزيرية، ضمن قوانين معتمدة وإجراءات قانونية محددة نافذة في الدولة تحقق العدل وتحفظ المجتمع” ، على هذا تصبح العقوبة الحدية في الشريعة ليست غاية في حد ذاتها، إذ القصد منها التهذيب لا التعذيب لأن الغاية الجوهرية هي صيانة المقاصد الكلية.

يتتبع الباحث دلالة كلمة “حد” في سياقها القرآني ضمن مجموعة من الآيات التي وردت فيها كلمة “حدود” ليخرج بنتيجة مفادها أن أياً من الآيات الواردة لم تحمل معنى العقوبة، لا مقدرة ولا تعزيرية، وإنما جاءت تأكيداً لضرورة الالتزام بتشريعات الله وأحكامه، أو تعقيباً على تشريعات وأحكام إلهية قد يتهاون البشر في الالتزام بها.

يكشف الدكتور الناصري الاختلاف الحاصل بين المذاهب الفقهية الأربعة في تحديد أنواع الحدود الشرعية، ابتداءً بالحنفية الذين حصروا الحدود في خمسة أنواع: الزنا، القذف، السرقة، الشرب، والحِرابة، أما المالكية فالجنايات التي تستوجب الحد عندهم سبعة أنواع: البغي، الردة، الزنا، القذف، السرقة، الحرابة، والشرب، أما الشافعية والحنابلة فجعلوا الحدود خمسة: الزنا، القذف، الشرب، السرقة، قطع الطريق، ومن الحنابلة من أضاف حد الردة، أما بخصوص الحدود المتفق بشأنها في المذاهب الفقهية هي: الحِرابة، السرقة، الزنا، القذف. ولئن كانت المذاهب الفقهية اختلفت بخصوص أنواع الحدود فإنها في المقابل اتفقت على كون إقامتها من اختصاص ولي الأمر حصراً.

وفي خضم عرضه للمعايير القانونية والقضائية لتنفيذ الحدود الشرعية يرى الدكتور الناصري أنه “لا يمكن فهم فقه الحدود حق الفهم دون معرفة وسائل الإثبات وتحديد وظيفتها، إذ تبين دراسة قواعد الإثبات في أي نظام قانوني مدى رغبة المشرع في تضييق نطاق الحالات التي يمكن، أو يجب أن توقع فيها عقوبة معينة لارتكاب سلوك إجرامي ما، أو توسيع هذا النطاق، ولذلك فإن دراسة النظام الجنائي الإسلامي لا تكتمل إلا بدراسة القواعد المقررة للإثبات الجنائي في هذا النظام” ويتميز الإثبات الجنائي في الشريعة الإسلامية بحصر طرقه، والتشدد في وسائله، إذ لا يرمي فقط إلى إثبات إدانة الجاني، بل يستهدف أيضا بالقدر نفسه تبرأت ساحته، وعلى هذا أجمع العلماء على أن الحدود تثبت بأمرين: الشهادة والمقصود بها البينة، واشترط جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة اجتماع الشهود في مجلس واحد عند أداء الشهادة وإلا فإنها لا تقبل في حال إتيانهم متفرقين يشهدون وحداً بعد واحد، واشترطوا أيضاً عدم التقادم والمقصود بالتقادم مضي مدة من الزمن على ارتكاب الجريمة. ومن طرق إثبات الحدود الإقرار إذ ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط الإقرار وتكراره.

وتسقط الحدود بضوابط شرعية أولها التوبة إذ تُسقط الأخيرة الحد، وفي هذا يقول الدكتور الناصري: “يتبين لنا أنه من ارتكب جريمة حدية ثم تاب عنها فالتوبة تدرأ الحد، وأن الستر في هذا الباب أولى من التحقيق فيه” ، أما الضابط الثاني فهو الشبهة إذ إن الشبهة بأنواعها في الجريمة، سواء أكانت شبهة في الفعل، أم شبهة في الفاعل، أم شبهة في المحل تدرأ الحدود وتسقطها بإجماع أهل العلم، كما تسقط الحدود بالرجوع عن الإقرار، إذ لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنها تسقط بالرجوع، وأيضاً تسقط الحدود بالتكذيب وغيره.

يوضح الدكتور الناصري مقصد تناوله لمفهوم الحدود بالدراسة في إثبات أن إقامة الحدود متعذرة عملا بسبب تشدد الشارع في وسائل إثبات جرائم الحدود، ثم من جهة أخرى الرد على ادعاءات أصحاب الفكر المتطرف ذلك أن هؤلاء يدعون إلى “تكفير الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية ويعطلون الحدود الشرعية، وإلى تكفير المسلمين المتحاكمين إليها والراضين بها، ثم تكفير من لم يكفر هؤلاء جميعاً، ومن ثم تصبح البلاد التي تحكم بتلك القوانين دار كفر تجب الهجرة منها ويجب مقاتلة أهلها، ويصبح كل ما هو قائم من القوانين والمعاهدات والنظم لاغياً لا اعتبار له، ومن تم تجب إقامة الخلافة التي تطبق الشريعة حدود الله” .

تصر التنظيمات المتطرفة على تنصيب نفسها حارسة لـ”لإسلام الحقيقي”؛ أي “النسخة الأصلية من الإسلام” حسب التصور الراديكالي، وهذا المحرك الأيديولوجي هو ما يدفع هذه التنظيمات إلى تبني منهج الانتقائية في تعاملها مع النصوص الشرعية في بحث عن مسوغ وتبرير لمواقفها الأيديولوجية القائمة على تفسيرات حرفية صارمة تتماشى والمعنى الأيديولوجي المُراد، وبناءً على هذا تنخرط الجماعات المتطرفة في عملية تكفير المجتمعات التي ترى فيها وفي أنظمتها أن مبادئها وأحكامها ومعاملاتها لا تتوافق وشريعة الله الأخيرة التي لا تخرج عن دائرة الحدود، غير أن النص القرآني “لا يجعل عدم “الحكم بما أنزل الله” سببا في كفر الناس” أو تكفيرهم “إذ الحكم فيه هو فعل بشري، أي اجتهاد بشري (…) ولعل تعدد الرؤى والاجتهادات والسياقات التاريخية المتنوعة في إطار الحكم الإسلامي دليل على بشرية الحكم وعدم قدسيته” .

يؤكد الدكتور الناصري، على أن شكل نظام الحكم هو طريقة في الإدارة، تتطور وتتغير بحسب الظروف والاستطاعات، وتفيد من تجارب الذات والآخر، وليس من الثوابت والمقدسات، ويضرب مثالا بـ”الخلاف السياسي” الذي شكل اللبنة الأولى في وضع الأسس النظرية لطريقة الحكم في عهد الصحابة عبر الاجتهاد في صياغة آليات متنوعة لطرق الوصول للحكم (الانتخاب، الشورى، الاستخلاف) غير أنها متفقة في كونها “عقد اجتماعي” مبني على الرضا والبيعة، وهنا يتضح أن الحكم في الإسلام يعد في جوانبه التفصيلية والهيكلية اجتهاداً بشرياً وليس توقيفياً بنصوص قطعية مناطه تحقيق المصالح ودرء المفاسد. استناداً إلى ما سبق، ونظراً لأن الاجتهاد في الإدارة يجري عليه الخطأ والصواب، فإن الحاكم في الإسلام مجتهد “سواء على مستوى التقاضي، أو على مستوى الدولة وإدارة شؤونها، وليس متحدثاً باسم الله، ولا ظلا لله” .

يستنكر الدكتور الناصري، في دراسته وتفكيكه لمفهوم الحدود في ضوء النص القرآني، تكفير المسلم بذنب اقترفه، سواء كان الذنب ترك واجب مفروض أو فعل محرم عنه، ويعارض، في السياق نفسه، محاولات أصحاب الرؤى المتطرفة حصر الشريعة الإسلامية في إقامة الحدود، وأنه ليس من سبيل للعدل بين الناس، سوى تطبيق الحدود الشرعية.

يخلص الدكتور محمد الناصري، في سعيه لتحليل أصول المفهوم وسياقاته الدلالية، إلى خلاصة مفادها أن تطبيق الشريعة لا يعني فقط إقامة الحدود، إذ هناك أحكام أخرى أولى أن تطبق وتُفعّل، مثل مبدأ “الشورى” في الحياة السياسية، ومبدأ “كاد الفقر أن يكون كفراً” في كناية على تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي الذي يساهم إلى حد كبير في توفير العيش الكريم، ومبدأ “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” في الحياة الفكرية، ومبدأ “الناس كأسنان المشط” في مختلف مرافق الحياة بعيداً على أي تمييز قائم سواء على الفردي المباشر أو غير المباشر أو المؤسسي، وبالنسبة إلى الدكتور الناصري فإن “تطبيق هذه المبادئ يجب أن يسبق تطبيق الحدود الشرعية” التي هي في جوهر الشريعة رادع نظري أكثر من كونها عقوبات تنفيذية دائمة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...