ماذا بعد انتصاف رمضان؟
د. صلاح الدين المراكشي
ها قد بلغنا منتصف هذا الشهر المبارك، وبدأنا العدّ التنازلي لوداعه. وهذه لحظة مهمة تستدعي من كل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة للمحاسبة: ماذا قدّمنا منذ بداية رمضان إلى اليوم من طاعة وعبادة؟ لقد مضى نصف الشهر سريعًا، وكأننا بالأمس كنا نستقبله بالفرح والتهاني. فماذا غيّر هذا النصف الأول في حياتنا؟ وهل كان لقراءتنا للقرآن، وقيامنا في الليل، وصيامنا في النهار أثرٌ حقيقي في سلوكنا وأخلاقنا؟ هل امتثلنا لآيات الأوامر فعملنا بها، وانتهينا عن آيات النواهي فاجتنبناها؟
إنها وقفة مراجعة صادقة نسأل فيها أنفسنا: هل تحسّنت أخلاقنا؟ وهل لانت قلوبنا؟ وهل استقامت جوارحنا؟ وهل صلحت أحوالنا وأعمالنا؟ وهل اقتربنا أكثر من الله تعالى؟ ذلك أن رمضان إنما جُعل موسمًا للتغيير والانتصار على النفس الأمّارة بالسوء، قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) سورة الشمس الاية : 9.
إن لم يشعر الإنسان بتغيير في نفسه، فليعلم أنه بحاجة إلى مراجعة مسيرته؛ لأن رمضان لا بد أن يترك في القلوب أثرًا، وفي النفوس تعوّدًا على الطاعة، وحسن الخلق مع الله ومع الناس. ومع ذلك، فإن فوات النصف الأول لا يعني فوات الفرصة كلها؛ فما بقي من رمضان أعظم وأغلى، إذ تقترب فيه الليالي المباركة التي تتخللها ليلة القدر، وهي ليلة خير من ألف شهر. فمن قصّر فيما مضى فليستدرك ما بقي، وليجدد عزيمته على الطاعة.
ومن الملاحظ أن بعض الناس يستقبلون رمضان في أيامه الأولى بنشاط كبير، فيجتهدون في الصلاة والقيام وتلاوة القرآن، غير أن هذا النشاط يضعف مع مرور الأيام، حتى إذا انتصف الشهر فترت الهمم وتراجعت العزائم. وهذا على خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان اجتهاده يزداد كلما اقتربت نهاية الشهر.
لقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شدّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله” ( رواه البخاري ) وفي رواية أخرى قالت: ” كان يخلط العشرين الأولى من رمضان بنوم وقيام، فإذا دخلت العشر الأواخر أحيا ليله.” [ مسند أحمد ] لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن أيام رمضان معدودة وساعاته سريعة الانقضاء، ولذلك كان يضاعف جهده في العبادة.
ونحن اليوم في منتصف هذا الشهر الذي مضى جزء كبير منه، ولن تمضي أيامه الباقية إلا سريعًا، حتى يقال: انقضى رمضان، وربح المتقون، وخسر الغافلون. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة عن هذا الموسم العظيم، فقال: ” رغم أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يُغفر له.” فقال جبريل: قل يا محمد: آمين، فقال: آمين. [ البزار والطبراني وغيرهما ] ولهذا ينبغي للإنسان أن يتذكر حقيقة قد يغفل عنها كثيرون: ربما يكون هذا آخر رمضان في حياته. فمن يضمن أن يدرك رمضان القادم؟ وأين الذين كانوا معنا في رمضان الماضي صائمين قائمين؟ لقد سبقنا كثير منهم إلى قبورهم، وهم الآن بين يدي الله يُحاسَبون على أعمالهم. وهم السابقون ونحن اللاحقون.
كما يجدر التنبيه إلى أن إحياء رمضان لا يكون بالصلاة وحدها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر في عبادته على القيام، بل كانت عباداته في رمضان متنوعة ومتعددة: تلاوة للقرآن، وقيام بالليل، وصدقة، وإحسان، وجود وكرم. وتقول عائشة رضي الله عنها: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.” [ متفق عليه ] حتى شبّهت جوده بأنه أسرع في الخير من الريح المرسلة. ومن هنا ندرك أن رمضان شهر العمل والبذل والانتصار على النفس، وليس شهر الكسل والنوم في النهار والسهر في الليل بلا طاعة.
فلنغتنم ما بقي من أيام هذا الشهر المبارك، ولنجدّد العزم على الطاعة، ولنجعل ما تبقى منه أفضل مما مضى، عسى أن نكون من الذين يُقال لهم عند ختامه: تقبّل الله منكم وربحتم الموسم.
والله أعلم
التعليقات