مؤتمر الإخوان المسلمين في فرنسا العائد: براغماتية الدولة، أيديولوجية الطاعة، ومحنة السؤال الحر
لوبورجيه العائد: براغماتية الدولة، أيديولوجية الطاعة، ومحنة السؤال الحر
عبد الحي السملالي
لفهم ما يجري اليوم في فرنسا، لا بد من إدراك أن «الملف الديني» هناك لا يُدار بمنطق عقائدي، بل بمنطق سياسي صرف. فالدولة التي قدّمت لسنوات خطاباً صارماً حول «محاربة الإسلام السياسي» لم تتعامل مع التنظيمات المحسوبة على الإخوان بمنطق القطيعة النهائية، بل بمنطق الاستعمال الظرفي: تضغط حين تقتضي الحاجة، وتُبعد حين تتغيّر الحسابات، ثم تعيد الإدماج عندما يصبح ذلك مفيداً. ولهذا، فإن عودة الوجوه نفسها إلى الواجهة ليست مفاجأة لمن يتابع دينامية الدولة الفرنسية، بل امتداد طبيعي لمسار طويل تُعاد فيه صياغة الأدوار أكثر مما تُعاد صياغة المبادئ.
هذا ما أشرتُ إليه سابقاً: الإقصاء لم يكن نهائياً، والعودة لم تكن مفاجئة. فالعلاقة بين الدولة وهذه التنظيمات ليست علاقة عداء عقائدي، بل علاقة استعمال سياسي تُعاد صياغتها كلما تغيّر ميزان المصالح. وما نراه اليوم ليس «تصالحاً فكرياً» ولا «عودة دعوية»، بل إعادة توزيع للأدوار داخل مشهد معقّد.
في هذا السياق، جاءت عودة ملتقى لوبورجيه، أكبر تجمع إسلامي في أوروبا، والذي يشرف عليه تاريخياً تنظيم «مسلمو فرنسا» (UOIF سابقاً). الحدث لم يكن مجرد إعلان عن نشاط ديني، بل عودة كاملة لمنظومة اشتغال معروفة: نفس الوجوه، نفس الخطاب، ونفس الآليات التي تتعامل مع الوعي كشيء قابل لإعادة التشكيل عند الطلب. لم يعد الملتقى فضاءً للمعرفة، بل أداة لاستعمال جمهور صُنع عبر خطاب ديني مُعلّب، اختُزل فيه الدين في خدمة التنظيم، وصارت الطاعة معياراً للأخلاق، والولاء مقدّماً على الحقيقة.
هذا البناء لم يكن عفوياً؛ فقد تأسس على قاعدة بسيطة وفعّالة: يكفي رفع الشعار الديني حتى يُغلق باب السؤال، ويكفي التلويح بالقداسة حتى يُسكت الاعتراض. ومع كل دورة جديدة للملتقى، تتكرر ماكينة الاستقطاب نفسها: براغماتية تقدّس الأرقام، وشبكات مصالح تُفتح فيها الأبواب للبعض وتُغلق في وجه آخرين، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: من يموّل؟ من يملك الشركات؟ وكيف تعمل منظومة بهذا الحجم بلا شفافية؟
وفي قلب الصورة، تبرز قضية طارق رمضان كأوضح مثال على هذا النمط. فالجميع كان يعلم بالسلوكات المنسوبة إليه، ومع ذلك ظلّ يُقدَّم كرمز لا يُمسّ. أيّ فهم للدين يجعل حماية الرمز أهم من حماية المسلمات؟ وأيّ دعوة تُضحّي بالأخلاق من أجل مردودية تنظيمية؟
بعد نشر هذا التحليل، جاءت بعض الردود لتكشف جانباً آخر من الأزمة: بدل مناقشة الفكرة، جرى تصنيف صاحبها. بدا أن مجرد طرح الأسئلة يمكن أن يتحول عند البعض إلى تهمة جاهزة: عمالة، خيانة، خروج عن الصف، بل أحياناً مساس بالعقيدة. وهذا وحده يكشف واقعاً يحتاج إلى وقفة؛ لأنه يلغي الفطنة ويجعل الولاء معياراً للحكم قبل النظر في مضمون النقد نفسه.
ما كتبته لم يكن استهدافاً لأحد، ولا تشكيكاً في نوايا المتدينين، بل محاولة لفهم واقع يراه الجميع. ومع ذلك، بدا أن السؤال نفسه أصبح عبئاً، وأن القراءة الهادئة تُقابل بالتخوين بدل النقاش. وهذا في حد ذاته مؤشر على أن شيئاً ما لم يعد في مكانه الطبيعي: حين يصبح التفكير تهديداً، وحين يُستبدل الحوار بالاتهام، فذلك يعني أن المنظومة لم تعد تحتمل الضوء.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بعودة ملتقى أو غياب تنظيم، بل بقدرتنا على التمييز بين ما هو ديني وما هو توظيف للدين، وبين ما هو سؤال مشروع وما هو خوف من السؤال. قد يختلف الناس في التفاصيل، وقد تتباين القراءات، لكن ما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان هو أن التفكير ليس جريمة، وأن الفطنة ليست ترفاً. وإذا كان مجرد طرح الأسئلة يثير كل هذا القلق، فربما لا تكمن المشكلة في الأسئلة… بل في ما تخشاه المنظومة من الإجابة.
التعليقات