لا نريد أسلمة المعرفة: في نقد الشعار وحدود المشروع

سلسلة القرآن والبحث والباحث والمبحوث: في اختلالات بنية التلقي وآفاق الاستئناف. المقالة العاشرة
لا نريد أسلمة المعرفة: في نقد الشعار وحدود المشروع
د. رفيق الناوي. باحث في الفكر الإسلامي
مدخل: سؤال كان لا بد من مواجهته
منذ المقالة الأولى من هذه السلسلة وثمة سؤال يتربّص بنا، كامن في الخلفية يأبى الضمور، سؤال يطرحه القارئ المتأمل ويطرحه الناقد المتشكك معاً، وإن اختلفت نبرتاهما: ما الذي يُميّز هذا المشروع عمّا سبقه من مشاريع أسلمة المعرفة؟ أليس ما تدعو إليه هذه السلسلة -من جعل القرآن أفقاً مؤسِّساً للبحث والمعرفة- هو في جوهره ما طرحه إسماعيل الفاروقي منذ ثمانينيات القرن الماضي؟ وأليس ما يُقدَّم باسم “الفهم القرآني في المعرفة” هو صياغة جديدة لما طرحه فضل الرحمن أو سيد حسين نصر أو غيرهم تحت مسمّيات مختلفة؟
هذا السؤال لا يُجاب عنه باندفاعية ولا يُتجاوز بصمت. يفترض الجواب عنه عمقا فلسفياً وصرامة في التمييز، لأن الخلط بين مشاريع متباينة في منطلقاتها ومآلاتها يُضرّ بالجميع: يُشوّه المشروع المعروض، ويُجحف بالمشاريع السابقة، ويُعيق القارئ عن فهم ما الجديد المُقدَّم وما حدوده.
أولاً: خريطة المشهد؛ ثلاثة مشاريع كبرى
قبل الحكم على الفوارق لا بد من الفهم؛ فمشاريع التجديد المعرفي الإسلامي، في القرن العشرين وما بعده، ليست كتلة متجانسة بقدر ما تمثل خريطة متنوعة المناهج والمنطلقات والغايات. ويمكن رسم المشهد في ثلاثة مشاريع كبرى تحمل كل منها موقفاً مخصوصاً من العلاقة بين الوحي والمعرفة الحديثة:
المشروع الأول: أسلمة المعرفة عند الفاروقي
أسّس إسماعيل الراجي الفاروقي (1921-1986) عام 1977 المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وأصدر عام 1982 وثيقته التأسيسية ” أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل”.
قام جوهر مشروعه على كون المعرفة الحديثة الغربية مُشوَّهة بالثنائية -فصل الديني عن الدنيوي- وأن المهمة تكمن في إعادة صياغة المناهج الحديثة بحيث تنسجم مع الرؤية الإسلامية للكون والإنسان. أي أن الفاروقي يبدأ من المنجز الغربي ثم يُعيد تشكيله (al-Faruqi, 1982).
المشروع الثاني: إحياء التراث الإبستيمولوجي الإسلامي عند سيد حسين نصر؛
يسلك سيد حسين نصر (1933-) مسلكاً مختلفاً: لا يُريد أسلمة المعرفة الحديثة بل استعادة المعرفة المقدسة (Sacred Knowledge) التي تراها الحضارة الغربية الحديثة ضرباً من الوهم والخرافة. مشروعه إحياء التقاليد المعرفية الإسلامية الكلاسيكية -الفلسفة الإشراقية والتصوف والعلم الكوني القائم على التوحيد- بوصفها بديلاً روحياً وابستيمولوجياً للعلمانية الحديثة (Nasr, 1989).
المشروع الثالث: الإصلاح الداخلي بالنقد الجينيالوجي عند فضل الرحمن؛
فضل الرحمن (1919-1988) يسلك مسلكاً ثالثاً: يعترض على المحاولتين السابقتين ويرى في مشروع الفاروقي تعجيلاً يُعطي وهم الحل دون اشتغال عميق، وفي مشروع نصر نوستالجيا ترفض الحداثة دون امتلاك بديل عملي. مشروعه نقد العقل الإسلامي من داخله بأدوات تاريخية وهيرمينوطيقية، ثم إعادة التواصل مع روح القرآن لا حرفيته، واستخلاص “القرآن كمنظومة أخلاقية متماسكة” قادرة على الاشتباك مع الحداثة (Rahman, 1982).
ثانياً: النقد الفلسفي لمشروع الفاروقي؛ ما ينجح وما يُخفق
للفاروقي فضل التشخيص المبكر للمشكلة وجرأة البناء المؤسسي، ولا يُنكر ذلك منصف. لكن مشروعه يعاني من إشكاليات بنيوية تجعل نقده ضرورةً لا اختياراً:
الإشكالية الأولى: المعرفة الحديثة مُعطى قائم لا موضوع مساءلة.
مشروع الفاروقي ينطلق من فرضية ضمنية مفادها أن المعرفة الحديثة بناء قائم سليم البنية الداخلية، وأن المشكلة في غياب البعد الإسلامي عنها فحسب. لذلك فالحل هو الإضافة والإلحاق: إضافة المنظور الإسلامي إلى ما هو قائم. غير أن هذا المنطق يغفل أن المعرفة الحديثة ليست بناءً محايداً بل هي نظام يحمل في بنيته الداخلية افتراضات أنطولوجية وقيمية تُشكّل السؤال قبل أن تُنتج الإجابة. فأسلمة المعرفة المبنية على هذا المنطق قد تُنتج في أحسن أحوالها معرفةً محتضنةً بشعارات إسلامية لا معرفةً مُشكَّلةً من أفق إسلامي. وقد رصد هذا النقد بدقة وليد الهلالي حين قال إن الفاروقي “يريد إسلام جسم المعرفة الغربية لا روحها، وهذا يُشبه تغيير ملابس الجسم مع إبقاء روحه كما هي” (Al-Hallaq, 2013, p.37).
الإشكالية الثانية: القرآن شاهد مُزكٍّ لا أصل مُولِّد
في التطبيقات العملية لمشروع الفاروقي -الكتب المنهجية والمقررات الدراسية التي أنتجها المعهد العالمي- يُستحضر القرآن في الغالب ليُزكّي ما تم التوصل إليه من مسار المعرفة الغربية، لا ليُولّد السؤال من الابتداء. وهذا هو بعينه الوضع الذي تعالجه هذه السلسلة تحت مسمّى “القرآن شاهداً لاحقاً لا أصلاً سابقاً”.
الفرق الجوهري أن الفاروقي يرى الإشكال في غياب التوحيد عن المعرفة الغربية ومهمته إعادة التوحيد إليها، في حين أن ما تطرحه هذه السلسلة هو أن مشكلة الباحث المسلم أعمق: إنها مشكلة انفصاله عن أفق القرآن في لحظة صياغة السؤال لا في لحظة تقديم النتيجة.
الإشكالية الثالثة: النسقية المغلقة
مشروع الفاروقي يسعى إلى بناء نسق معرفي إسلامي متكامل يُحل محل النسق الغربي. وهذه النسقية المغلقة -مهما حسنت نيتها- تقع في الفخ الذي تريد الخروج منه: إنتاج سلطة معرفية تُسوّغ ذاتها بالمرجعية الدينية وتُغلق باب السؤال باسم النسق. أما ما تقترحه هذه السلسلة فهو -كما أُعلن من البداية أفق مفتوح للسؤال التأويلي لا بديل نسقي مغلق. والفارق بين الأفق والنسق هو الفارق بين ما يُمكّن من التفكير وما يُحدد نتائج التفكير مسبقا.
ثالثاً: النقد الفلسفي لمشروع نصر؛ عمق بلا اشتباك
مشروع نصر أعمق فلسفياً من مشروع الفاروقي ولا شك، لكنه يعاني من إشكالية مختلفة:
الإشكالية الأولى: الهروب من الحداثة لا تجاوزها
نصر يُشخّص أزمة الحداثة بدقة ويُقدّم نقداً حضارياً عميقاً لـ”العلم العلماني” ولـ”الإنسان الأحادي البعد” التي شكّلتها الحضارة الغربية. لكن جوابه هو الانسحاب إلى التراث الروحي والمعرفي الكلاسيكي، لا الاشتباك مع الحداثة من موقع بديل. وهذا يُنتج خطاباً يُوجَّه في الغالب إلى من يشاطرونه المنطلقات ولا يُوفّر أدوات للباحث الذي يعمل في المختبر الأكاديمي الحديث ويحتاج إلى معالجة اشتغالاته اليومية.
الإشكالية الثانية: التقليد الروحي لا يُنتج منهجاً
الحكمة الإشراقية والتصوف والعلم الكوني التوحيدي الذي يستحضره نصر – وهي تقاليد عميقة وذات قيمة لا تُنكر – ليست مناهج بحث قابلة للتشغيل في مشاريع معرفية معاصرة بوصفها أدوات. هي أفق روحي وموقف وجودي، لكنها لا تُخبر الباحث في السوسيولوجيا كيف يصوغ إشكاليته ويفحص مفاهيمه ويقيّم نتائجه. وهذه هي الفجوة التي يُحاول هذا المشروع معالجتها.
رابعاً: النقد الفلسفي لمشروع فضل الرحمن؛ أقرب وأعمق لكن بحدوده
من المشاريع الثلاثة يبدو مشروع فضل الرحمن الأقرب روحاً إلى ما تطرحه هذه السلسلة، لأنه يرفض الإسقاط الخارجي ويدعو إلى عودة منهجية إلى القرآن بوصفه “منظومة أخلاقية وكونية”. غير أنه يعاني بدوره من إشكاليات:
الإشكالية الأولى: الهيرمينوطيقا الغربية أداةً للنص القرآني
فضل الرحمن يستخدم بصورة واسعة الهيرمينوطيقا الغربية الحديثة -من غادامير وغيره – أداةً لقراءة القرآن. وهذا يُثير سؤالاً جدياً: هل تُوافق أدوات قراءة النص الشعري والأدبي والفلسفي الغربي طبيعة الوحي القرآني ومقتضيات التعامل معه؟ وهل في استخدامها إعادة إنتاج لمركزية غربية في مستوى أدوات القراءة حتى حين يُحرص على استقلالية المضمون؟
الإشكالية الثانية: القرآن رسالة أخلاقية لا أصل معرفي
فضل الرحمن يُقدّم القرآن بصورة رئيسية بوصفه رسالة أخلاقية تُوجّه السلوك الإنساني والاجتماعي. وهذا صحيح لكنه ليس كافياً في سياق هذا المشروع الذي يُعنى بما هو أعمق من توجيه السلوك: يُعنى بالقرآن بوصفه أفقاً ابستيمولوجياً يُحدد معنى المعرفة ذاتها وطبيعة السؤال وصورة الإنسان الذي يُؤسّس للتعامل مع الموضوعات. الأفق الابستيمولوجي يسبق الأفق الأخلاقي وهو ما ينقص مشروع فضل الرحمن.
خامساً: ما يُميّز هذا المشروع؛ التمايز في ستة محاور
بعد هذا النقد المركب -نقد المشاريع السابقة ووعي حدودها- يمكن صياغة ما يُميّز المشروع المطروح في هذه السلسلة في ستة محاور:
المحور الأول: من الإلحاق إلى التأسيس
المشاريع السابقة -خاصة الفاروقي- تُعامل المعرفة الحديثة بوصفها بناءً قائماً يحتاج إلى إضافة إسلامية. هذا المشروع يُعامل المعرفة بوصفها فعلاً يبدأ من أفق، والمشكلة أن الأفق مُزاح لا أن اللاحقةً الإسلامية غائبة. والفرق أن الإلحاق يُصلح السطح والتأسيس يُعيد بناء الجذر.
المحور الثاني: من أسلمة المعرفة إلى الفهم القرآني في المعرفة
الأسلمة تفترض أن المعرفة مولودة خارج الأفق الإسلامي وأن المهمة إضفاء صفة إسلامية عليها. الفهم القرآني في المعرفة -كما تصوغه هذه المقالة- يفترض أن السؤال الأسبق هو: من أين ننظر؟ لا: كيف نُسمّي ما أنتجناه؟ وهذا يعني أن الاشتغال يبدأ قبل إنتاج المعرفة لا بعده.
المحور الثالث: من النسق المغلق إلى الأفق المفتوح
مشاريع الأسلمة -الفاروقي تحديداً- تسعى إلى بناء نسق معرفي إسلامي متكامل يُعرَض بديلاً للنسق الغربي. هذا المشروع يرفض صراحةً النسقية المغلقة ويُقدّم أفقاً مفتوحاً للسؤال التأويلي: لا إجابات جاهزة بل أسئلة أصيلة، لا احتكار للمعنى بل فتح لممكنات الفهم. وهذا الانفتاح ليس ضعفاً بل هو في صميم طبيعة الفهم البشري للوحي: متجدد دائماً قابل للمراجعة في الفهم محافظ على محكمات الأصل.
المحور الرابع: من نقد الغرب إلى اختبار الأفهام
كثير من مشاريع الأسلمة يُخصّص جهداً كبيراً لنقد المعرفة الغربية وإثبات قصورها وهيمنتها. وهذا النقد مشروع لكنه لا يكفي. ما يميز هذا المشروع هو أن محور الاشتغال ليس نقد الغرب بل اختبار أفهامنا نحن للقرآن: المطلوب ليس إثبات خطأ الآخر بل مساءلة الفهم الذاتي أمام القرآن. وهذا انقلاب في الاتجاه: من الآخر إلى الذات، ومن الاتهام إلى المراجعة.
المحور الخامس: من اليقين بالحل إلى الوعي بالأسئلة
مشاريع الأسلمة تُقدّم في الغالب بصورة الحل الجاهز: هذا هو الإسلام وهذه هي المعرفة الإسلامية. هذا المشروع يبدأ بموقف معرفي أكثر تواضعاً وأكثر صدقاً: الوعي بالأسئلة الصحيحة أسبق من امتلاك الإجابات الكاملة. والباحث الذي يعرف كيف يطرح السؤال من موقعه قد أنجز أكثر مما أنجزه من يملك إجابات لأسئلة لم يطرحها هو.
المحور السادس: من الخطاب الدفاعي إلى الإسهام الإنساني
كثير من مشاريع الأسلمة يحمل نبرة دفاعية: الإسلام يملك الإجابة، والغرب في أزمة، والمسلمون يجب أن يُقدّموا بديلهم. هذا المشروع يُقدّم ما يطرحه بصورة مختلفة: إسهام في الحوار الإنساني الكبير من موقع خاص ينفتح على مقصد كوني. ليس البديل الإسلامي في مواجهة الغرب، بل الرؤية القرآنية للإنسان بوصفها منظوراً يُغني السؤال الإنساني المشترك عن الحرية والكرامة والعدالة والمعنى.
سادساً: التمييز الابستيمولوجي العميق؛ ثلاثة مستويات للعلاقة بالمعرفة
التمييز الذي يُوضّح الفارق الأعمق بين المشاريع يمكن صياغته في ثلاثة مستويات للعلاقة بين الوحي والمعرفة:
المستوى الأول: المعرفة ثم الوحي (الإلحاق)
وهذا هو منطق أسلمة المعرفة في صيغتها التقليدية: تُنتَج المعرفة أولاً بأدواتها الحديثة ثم يُستحضر الوحي ليُزكّيها أو ليُضاف إليها بُعد غائب. القرآن في هذا المستوى شاهد لاحق على ما تُنتجه المعرفة.
المستوى الثاني: الوحي ثم المعرفة (الإحلال)
وهو موقف يُريد استبدال المعرفة الحديثة بمعرفة مستمدة كلياً من النص الديني. وهذا منطق يُفضي إلى الانغلاق وإلى ادعاء أن القرآن موسوعة تفاصيل – وهو الخطأ الذي حذّرت منه المقالة الثامنة صراحةً.
المستوى الثالث: الوحي أفقاً تنبثق منه المعرفة (التأسيس)
وهذا ما تطرحه هذه السلسلة: الوحي لا يأتي بعد المعرفة ليُزكّيها ولا يُحلّ محلها ليُلغيها، بل هو الأفق الذي يُولد السؤال ويُؤطّر الموضوع ويُحدد معنى الغاية قبل أن تبدأ المعرفة. القرآن في هذا المستوى أصل سابق لا شاهد لاحق ولا بديل مُحلّ. وهذا التمييز هو قلب المشروع الذي لا يمكن فهم ما قبله وما بعده دون استيعابه.
سابعاً: مسألة المنهج؛ ما لا يُستعار وما يُستعار
سؤال لا بد من مواجهته بصراحة: إذا كان هذا المشروع يرفض الاستلاب المنهجي للمعرفة الغربية فكيف يُفسَّر استخدامه الواسع للمرجعيات الغربية – فوكو وباومان وهابرماس وغادامير وغيرهم – في معرض عرض إشكاليته وبناء حججه؟ أليس في هذا تناقضاً داخلياً؟
الجواب يستلزم تمييزاً دقيقاً بين ثلاثة مستويات في التعامل مع المنجز الغربي:
ما يُستعار: الأداة التحليلية
أدوات التحليل النقدي -كمفهوم الاستعمارية المعرفية عند ميغنولو، أو نقد العقل الأداتي عند هوركهايمر وأدورنو، أو مفهوم السيولة عند باومان – هي أدوات تحليلية تصف ظواهر حقيقية وتُضيء جوانب من الواقع المعاصر. استخدامها لا يعني القبول بالخلفيات الأنطولوجية التي نشأت فيها.
ما يُستعار: التشخيص الجزئي
كثير من نقد الحداثة الذي أنتجته مدرسة فرانكفورت أو ما بعد الكولونياليين أو نقاد العلم الحديث – صحيح في تشخيصه للظاهرة وإن كان قاصراً في اقتراح العلاج. الاستفادة من التشخيص الصحيح واجبة ولا تستلزم قبول التوصيف الكلي.
ما لا يُستعار: الخلفية الأنطولوجية والغاية الكبرى
الخلفية الأنطولوجية -تصوّر الإنسان والوجود والمعنى والغاية – هي ما يُحدد من أين ننظر؛ وهذا لا يُستعار من المنجز الغربي بل يُستمد من الأفق القرآني. والغاية الكبرى -التي تُوجّه كل الاشتغال المعرفي- هي الغاية الاستخلافية التي يُؤسّسها الوحي ولا يُعوّضها أي نظام فلسفي آخر.
وهذا التمييز الثلاثي هو ما يجعل الاستعانة بالمنجز الغربي في هذا المشروع استخداماً من موقع لا استسلاماً لموقع – وهو الفارق بين الشاهد الذي يستخدم ما يُعينه على الشهادة والتابع الذي يُقدّم ما يطلبه المركز.
ثامناً: الاعتراف بالحدود؛ ما لا يدّعيه هذا المشروع
من الأمانة الفكرية – التي يُعلنها هذا المشروع مبدأً لا شعاراً – أن يُصرَّح بحدوده بوضوح:
لا يدّعي هذا المشروع أنه يملك نسقاً معرفياً مكتملاً يُحل محل المنظومة الحديثة. ما يملكه هو منطلقات ومبادئ ومعايير تُوجّه الاشتغال المعرفي لا نتائج جاهزة لكل مسألة.
لا يدّعي أن القراءة التي يقترحها للقرآن هي القراءة الوحيدة الصحيحة. ما يدّعيه هو أنها مساهمة اجتهادية مخصوصة تملك من الاتساق الداخلي والقدرة الحجاجية ما يجعلها جديرة بالنقاش – وهي ليست خارجة عن المساءلة بل تدعو إليها.
لا يدّعي أن الفجوة بين الأفق القرآني والممارسة البحثية المعاصرة يمكن ردمها بخطوة واحدة أو في جيل واحد. ما يُقدَّم هنا هو مرحلة في مسار طويل يستلزم جيلاً من الباحثين يُواصلون البناء على ما أُسّس.
لا يدّعي أن كل إشكالية في العلوم الإنسانية والاجتماعية تملك حلاً قرآنياً جاهزاً. ما يُؤكده هو أن الأفق القرآني يُتيح أسئلة أكثر صدقاً وأعمق مما تُتيحه الأفق المستورد وحده – والسؤال الصحيح في النهاية هو نصف الإجابة.
خاتمة: ما نريده بدلاً من الأسلمة
لو كان علينا أن نُوجز ما تُريده هذه السلسلة في مقابل “أسلمة المعرفة” في جملة واحدة لقلنا: نريد باحثاً يقرأ من موقعه لا من موقع غيره.
باحث يعرف أن موقعه هو الأفق القرآني، الذي يُحدد معنى الإنسان وغاية المعرفة وطبيعة الإئتمان وحقبقة المسؤولية الاستخلافية، موقع يوفر له أرضاً يقف عليها حين يشتبك، لا نسقا يُحتَجز فيه وسقفا حاجزاً يمنعه من الاشتباك مع العالم.
وباحث يُدرك أن القرآن يمنحه شيئاً أثمن من الإجابات جاهزة، يمنحه سؤالاً لا يُمكن أن يُولد مشوّهاً، ومعياراً لا يُمكن أن ينزلق إلى التوظيف الأداتي، وغايةً لا يمكن استبدالها بالوظيفة.
هذا ليس مشروعاً لأسلمة المعرفة. هذا مشروع لاستعادة الباحث المسلم من غربته المعرفية -غربة من يُنتج بلسانٍ غيره وينتمي بقلب مبتور، ويشتغل بعدة إيستيمولوجية مستعارة ويحيا بأفقٍ منغلق، ويبحث في إنسانٍ لا يؤمن به ويحمل صورةً مختلفة عنه دون أن يعرف أن التناقض الذي يُعيشه يُكلّفه إنسانيته.
تنتقل المقالة الحادية عشرة من النقد إلى البناء: ما الذي يعنيه الفهم القرآني في المعرفة إيجاباً؟ ومن أين ننظر؟ وما الذي يتغير حين يكون القرآن أفقاً لا شاهداً.
المراجع:
• الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (ت 790هـ/2003). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان، الخبر.
• طه عبد الرحمن. (2000). العمل الديني وتجديد العقل. المركز الثقافي العربي.
• طه عبد الرحمن. (2006). روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المركز الثقافي العربي.
• al-Faruqi, I. R. (1982). Islamization of Knowledge: General Principles and Work Plan. International Institute of Islamic Thought.
• Arkoun, M. (2002). The Unthought in Contemporary Islamic Thought. Saqi Books.
• Connell, R. (2007). Southern Theory: The Global Dynamics of Knowledge in Social Science. Polity Press.
• Gadamer, H.-G. (1960/2004). Truth and Method. Trans. J. Weinsheimer & D. G. Marshall. Continuum.
• Hallaq, W. B. (2013). The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. Columbia University Press.
• Mignolo, W. D. (2000). Local Histories/Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledges, and Border Thinking. Princeton University Press.
• Nasr, S. H. (1989). Knowledge and the Sacred. State University of New York Press.
• Rahman, F. (1982). Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press.
• Stenberg, L. (1996). The Islamization of Science: Four Muslim Positions Developing an Islamic Modernity. Lund University Press.




التعليقات