كيف ينظر الإخوان للآخر؟
بقلم: الأستاذ المصري أحمد حميدة
تتم صياغة وإعادة تشكيل العقلية الإخوانية عبر مناهج وأدبيات ؛ أرادت الجماعة من خلالها بناء صورة ذهنية مزدوجة عن (الأنا/الذات) ورسم صورة مغايرة(للآخر/غير إسلاموي)، يتم إجراء تلك الصياغة داخل بيئة تنظيمية منغلقة تتحرز دائما من الانفتاح على أفكار أخرى وتجارب مختلفة؛ تروم الجماعة من خلال هذا الحجب الحفاظ على كيان التنظيم من التفتت والانسلاخ من (هُويته)، وتعتمد هذه الأدبيات على تنميط الآخر وتصويره على أنه خصم وعدو وبالتالي هو مرفوض مطلقا؛ وهو دائما داخل دائرة الاتهام والشك والريبة؛ ومن ثَم تدخل معه الجماعة في عداء وجودي ومعركة صفرية يكون أول انعكاساتها تلك الصورة الاستعلائية والعزلة الشعورية من خلال النظر إلى الذات باعتبارها المعادل الموضوعي للإسلام تنتهي بالإقصاء والقتل المعنوي والمادي!
انطلق البنا من فكرة أن(الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا)؛ وبناء على تلك القاعدة يتم تحديد الموقف من الآخر بناء على قبوله لها أو رفضها، والآخر في فكر الجماعة ليس بالضرورة هو الغرب أو غير المسلم؛ بل هو المسلم الذي يمثل ثقافة مغايرة واتجاها مخالفا لمسار الجماعة وخاصة ثنائية الدين والدولة.
ثم قسّم البنا الناس تجاه جماعته إلى أصناف أربعة (مؤمن،متردد،نفعي،متحامل)؛ ووضع لكل منهم ميزانا يزنه به وبنى على هذا التصنيف مسارا سلوكيا نحو تلك الأصناف؛ يحتدّ أحيانا ويلين أخرى حسب الظرف القائم، لكن يظل التصور القائم والمسيطر والذي يتم البناء عليه هو أن الآخر إيمانه (مخدر ونائم) في حين أنه( يقظ وملتهب) في قلوب الإخوان!
لقد وضع البنا حاجزا سميكا بين الجماعة وبين المسلمين بإلقاء الاتهامات والتشويه والشيطنة على المختلف، فقال في مقالة له تحت عنوان (توبة الهرمزان) بمجلة الفتح وهي كلمة موجهة بالأساس إلى من تم وصفهم بالدعاة إلى الله العاملين للإسلام والحاملين رايته والمجاهدين في سبيله في مختلف ميادين الدعوة والتربية والجهاد محذرا من الآخر الذي يمثل اللؤم والخديعة والغدر والتآمر قائلا(خلعوا ثوب العداء الظاهري،ولبسوا لأهل هذا الدين جلود الضأن،واستتروا بالتوبة والندم وغسلوا الذنوب الماضية بدموع التماسيح،واندسوا بين المسلمين ينالون منهم وهم في صفوفهم ما لم يكونوا يقدرون على نواله وهم يواجهونهم بالعداء).
وسار على نفس الدرب من بعده الدكتور القرضاوي حيث ذكر أن الذين (يعادون) الإخوان إما أنهم عملاء لقوى خارجية تعادي الإسلام وأمته، أو أنهم يجهلون حقيقة الجماعة، أو أنهم وجدوا في دعوة الإخوان قيودا على سرقاتهم وأطماعهم ومصالحهم وامتيازاتهم، أو أنهم رأوا فيها قيودا على ملذاتهم وشهواتهم المحرمة من الخمر والميسر والنساء، أو أنهم سخّروا أقلامهم لتشويه صورتهم وإظهارها بشكل منفر!
صنعت تلك التوجيهات والتربية المنغلقة التي ينتهجها التنظيم من أعضائه أناسا يشعرون دائما بالتميز المتوهم والتعالي النابع من تصورهم عن ذواتهم أنهم يبذلون ويقدمون الجهد والوقت لنصرة الدين.
وانغماسهم داخل تلك البيئة/الجيتو جعلهم يتعامون عن إسهامات الآخرين ومجهوداتهم ودورهم حيال العديد من القضايا الدينية والوطنية والمجتمعية المتنوعة.
التعليقات