كتاب جديد يوثق تحولات السجن في المغرب

صدر حديثا كتاب جماعي بعنوان “ذاكرة السجون المغربية.. من العقوبة إلى إعادة الإدماج”، بمبادرة من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وتحرير الباحثة “ياسمين بلماحي”، في عمل يعيد فتح واحد من أكثر الأبواب ثقلا في الذاكرة المغربية، ليس لاستعادة ما جرى خلفه فقط، وإنما لفهم الطريق الذي قطعه السجن من فضاء للعقاب والعزل إلى مؤسسة تسعى إلى الإصلاح وصون الكرامة وإعداد النزيل للعودة إلى المجتمع.
وجاء الكتاب في 242 صفحة عن منشورات “La boîte à culture”، جامعا بين البحث التاريخي والتوثيق بالصورة وقراءة الأشياء التي صنعت الحياة اليومية خلف الأسوار، من الأبواب والهواتف والزنازين إلى اللوحات والمجسمات ومنتجات الصناعة التقليدية التي أنجزها النزلاء داخل المؤسسات السجنية.
ويطرح الكتاب سؤالا يتجاوز تاريخ السجون إلى تاريخ المجتمع نفسه، فماذا تقول طريقة بناء السجن عن نظرة الناس إلى الجريمة والعقوبة، وماذا تخبرنا الزنزانة عن تصور السلطة للإنسان، وكيف انتقل النزيل من جسد ينبغي عزله وتأديبه إلى شخص يحتفظ بحقوقه ويحتاج إلى فرصة جديدة للعودة إلى الحياة.
ويكشف العمل أن تاريخ السجن في “المغرب” لا يمكن تبسيطه في الجدران والحراس وأحكام المحاكم، لأن ما يجري داخله يعكس في كل مرحلة طبيعة المجتمع وقيمه ونظرته إلى الحرية والسلطة والكرامة، ولذلك يصبح السجن مرآة تختزن تحولات البلاد بقدر ما يحتفظ بآثار الذين مروا منه.
واختير باب سجن “غبيلة” ليظهر على غلاف الكتاب، وهو اختيار يحمل معنى يتجاوز القيمة الجمالية للصورة، لأن الباب الذي كان يفصل السجين عن العالم الخارجي يستعد اليوم لفتح الطريق نحو متحف يحفظ ذاكرة المؤسسات السجنية ويتيح للمجتمع أن يرى جزء من تاريخه كان مستورا خلف الأسوار.
ويمثل مشروع تحويل سجن “غبيلة” إلى متحف للذاكرة السجنية أول خطوة عملية للانتقال بهذه الذاكرة من الحكايات المتفرقة والشهادات الفردية إلى فضاء منظم ومفتوح على البحث والنقاش، حيث تتحول البناية المهجورة إلى مكان يعرض تاريخ العقاب ويستعيد تجارب النزلاء والعاملين ويضعها أمام الأجيال الجديدة.
ويتوزع الكتاب على تسعة محاور تبدأ بمشروع المتحف السجني وعلاقته بالذاكرة والعدالة والمجتمع، ثم تنتقل إلى عرض العقاب والذاكرة السجنية، قبل أن تقترب من تفاصيل تبدو عادية في ظاهرها مثل الهاتف والباب والزنزانة، لكنها تتحول داخل السجن إلى عناصر حاسمة في علاقة النزيل بالعالم والزمن والآخرين.
ويتوقف الكتاب عند الحياة اليومية داخل المؤسسات السجنية وما عرفته من تحولات في مجالات العمل والرعاية الصحية والتعليم والتكوين وحماية الكرامة، وهي جوانب تبين أن إصلاح السجن لا يتحقق بتغيير المباني وحدها، وإنما يبدأ من تغيير النظرة إلى النزيل وطبيعة العلاقة التي تربطه بالمؤسسة.
ويفتح الكتاب من خلال “غبيلة” نقاشا أوسع حول مصير السجون القديمة في “المغرب”، وهل تترك بناياتها لتنهار بعد انتهاء وظائفها، أم تحول إلى فضاءات تحفظ الذاكرة وتتيح للباحثين والطلبة والمواطنين الاقتراب من تاريخ العدالة والعقاب والتحولات الاجتماعية.
ويقدم كتاب “ذاكرة السجون المغربية.. من العقوبة إلى إعادة الإدماج” خطوة أولى في هذا المسار، فهو يضع أمام القارئ مادة تدعوه إلى النظر خلف الجدران وفهم التحولات التي عرفتها المؤسسة السجنية والأسئلة التي ما تزال تنتظر أجوبة.




التعليقات