قـراءة في كتاب “دور رجل السلطة في تدبير الشأن الديني بالمغرب” للدكتور محمد الگراري

أحمد المهداوي
في مكتب متواضع بإحدى الملحقات الإدارية، بين ملفات ترخيص التعمير وسجلات الحالة المدنية، يجلس رجل السلطة المغربي وهو يواجه سؤالاً لا تقل حساسيته عن أي ملف أمني أو عمراني: كيف يفهم ما يجري داخل زاوية صوفية، أو خطبة جمعة، أو حلقة تبشيرية، أو نقاشاً افتراضياً حول “آخر الزمان”؟
هذا هو بالضبط السؤال الذي ينطلق منه كتاب الدكتور محمد الگراري “دور رجل السلطة في تدبير الشأن الديني بالمغرب” Le Rôle de l’Agent d’Autorité dans la gestion du champ religieux au Maroc، الصادر أواخر أكتوبر 2025 في نحو مائتي صفحة، والذي يطمح إلى أن يكون أقرب إلى دليل تكويني منه إلى بحث أكاديمي مغلق على أهل الاختصاص.
لا يخفي المؤلف، في مقدمته، أن الانطباع السائد لدى “المواطن العادي”، بل ولدى كثير من رجال السلطة أنفسهم، هو أن تدبير الشأن الديني بعيدٌ عن اختصاصاتهم اليومية المنشغلة بالتعمير والانتخابات والشرطة الإدارية، غير أن الممارسة اليومية، كما يكتب، “تثبت جليا خطأ هذا الانطباع”: فمنذ عهد المخزن القديم، حيث كان القائد والباشا رجل سلطة قبل أن يكون رجل تنمية، إلى زمننا الذي فرضت فيه الثورة الإيرانية وصعود الحركات الإسلامية معطىً جديداً، أصبح الشأن الديني، في تعبيره، “محوراً أساسياً ضمن عمل رجل السلطة”.
أطروحة الگراري شائكة في تفاصيلها: بما أن الدستور المغربي يجعل من الملك أميراً للمؤمنين، وبما أن الإسلام يشكل المرجعية الدينية للغالبية الساحقة من السكان، فإن ضبط الحقل الديني ليس مهمة استثنائية بل جزء “أساسي” من اختصاصات رجل السلطة كونه لا يقل مركزية عن تدبير المجال وتأطير المواطنين.
لكن هذا الضبط، كما يشدد المؤلف مراراً، لا يمكن أن يتم بفعالية “من دون معرفة أساسياته وضبط مفاهيمه ومصطلحاته منهجياً وعلمياً”، أي أن العمل الأمني والإداري، في نظره، مشروط سلفاً بثقافة دينية ومذهبية دقيقة لا تقتصر على الإسلام وحده، وإنما تمتد إلى المسيحية واليهودية بل وإلى عقائد أقل انتشاراً كالبهائية والأحمدية.
“نرى بضرورة الاطلاع على عقائد أخرى… وذلك حتى يسهل الضبط المجتمعي والمذهبي، في زمن تحوّلت فيه العولمة من ضبط الاقتصاد إلى ضبط المعتقد.”
هذه الجملة الأخيرة، المستعارة بتصرف من آلان دونو صاحب «نظام التفاهة»، تختصر الرهان الذي يحكم الكتاب بأكمله: نحن في زمن باتت فيه المعتقدات، لا الأسواق وحدها، موضوعاً للتدافع الجيوسياسي، وهو ما يفرض على السلطة الترابية أن تطوّر “عدّة فكرية وتكويناً دينياً وسياسياً وتاريخياً وقانونياً” لمواكبة هذا التحوّل.
يعلن الگراري، في “ملاحظات منهجية” لافتة، قطيعته مع القواعد الأكاديمية الكلاسيكية على أكثر من صعيد، فهو يمزج، بوعي، بين العربية والفرنسية في التقديم الواحد، مبرراً ذلك بتنوع الجمهور المستهدف من رجال السلطة معرفياً ولغوياً، كما يعلن رفضه “المنهج اللاتيني الكلاسيكي” في ترتيب الفصول والمباحث الذي “فُرض عليه فرضاً” خلال دراسته الجامعية، مفضلاً عليه ما يسميه “المنهج الأنجلو-ساكسوني الأكثر تحرراً ومرونة”، وهو ما يفسر عدم تكافؤ حجم المباحث بين فصل وآخر.
أما من حيث الأدوات، فيتراوح الكتاب بين السرد الوصفي التاريخي، والتحليل البنيوي الذي يستحضر فيه المؤلف، ولو بإشارة عابرة، مفهوم “التفكيك” عند جاك دريدا، وصولاً إلى استشراف شخصي لمآلات بعض الظواهر. هذا التعدد المنهجي يمنح النص طابعاً مقالياً أقرب إلى القراءة الصحفية التحليلية منه إلى الأطروحة الجامعية الصارمة، وهو خيار واعٍ أعلنه المؤلف نفسه حين وصف عمله بأنه موجّه بالدرجة الأولى لتكوين رجال السلطة، “سواء أثناء التدريب أو أثناء الممارسة”، لا لمناقشته أمام لجنة علمية.
يقوم الكتاب على بنية خماسية واضحة، يفصح عنها المؤلف صراحة في مقدمته المنهجية، وتشكل خيطاً ناظماً لمائتي صفحة من التفاصيل: الإطار، العوامل، الفاعلون، التجليات، ثم المقاربة.
وهي بنية أقرب إلى تصميم “دليل عملياتي” منها إلى خطة بحث تقليدية بمقدمة وفصول وخاتمة متساوية الحجم.
ينطلق الفصل الأول من قراءة في خطاب ملكي ألقي بمناسبة زيارة البابا الراحل فرنسيس إلى المغرب في مارس 2019، معتبراً إياه “خارطة طريق” لفهم تدبير الشأن الديني، لينتقل بعدها إلى الإطار التاريخي (نشأة مفهوم “المخزن” وتطوره)، فالإطار القانوني الذي يخصص حيزاً مطولاً لتحليل فصول دستور 2011 ذات الصلة بالحقل الديني: الفصل الأول الذي يجعل من الإسلام دين الدولة، والفصل الثالث الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، والفصل السابع الذي يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني، والفصل 41 المنظم لإمارة المؤمنين والمجلس العلمي الأعلى، وصولاً إلى الفصل 145 المتعلق باختصاصات الولاة والعمال، فيما يُستكمل هذا المبحث بإطار سوسيولوجي يناقش “التسيير المشترك للمجال” بين السلطة المحلية والفاعلين الدينيين، ومواكبة الفاعلين السياسيين والجمعويين.
الكتاب يُظهر أكبر قدر من راهنيته، فالمؤلف يميّز بين عوامل خارجية وأخرى داخلية دفعت الشأن الديني إلى صدارة اهتمامات رجل السلطة، فمن جهة العوامل الخارجية، يستعرض الگراري تسلسلاً من “حروب الخليج” الأربع بدءاً من الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) التي “أرّخت لانشقاق السلفية” بين تيارات تقليدية وإصلاحية وجهادية، مروراً بحرب الخليج الثانية (1991) وغزو العراق سنة 2003 الذي أفرز تنظيمات كأبي مصعب الزرقاوي، وصولاً لاحقاً إلى “داعش”، وصولاً إلى ما يسميه “حرب الخليج الرابعة” الدائرة منذ 2025 بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، معتبراً إياها “محطة تاريخية فارقة” لن تتأخر انعكاساتها المذهبية على العالم الإسلامي، مضيفاً إلى هذا أحداث 11 شتنبر 2001.
إضافة إلى عامل ثالث أقل تناولاً في الأدبيات الأمنية التقليدية وهو “غزارة الإنتاجات الفكرية ذات التأويل الديني” -المقالات والروايات والأفلام- التي تُعيد، حسب تحليله، إحياء سرديات “الحروب الصليبية” على حساب ذاكرة التعايش الطويل (نموذج الأندلس)، وتضخّم الخطاب حول “نهاية الزمان” في مختلف الأديان.
أما العوامل الداخلية، فيتناول ضمنها ورش “إعادة هيكلة الحقل الديني” الذي عرفه المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، والأحداث الإرهابية التي عاشتها البلاد من فندق “أطلس أسني” بمراكش سنة 1994 إلى تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003 فعملية أركانة سنة 2011، وورش الانتقال الديمقراطي.
يقسّم المؤلف في الفصل الأضخم في الكتاب، إذ يستنفد وحده أكثر من نصف حجمه، الفاعلين إلى “رسميين” و”غير رسميين”؛ ففي خانة الرسميين يفرد صفحات لتشريح وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومديرياتها السبع، قبل أن ينتقل إلى “التمثيليات الدينية المعترف بها بالمغرب”: الجالية اليهودية (نحو أربعة آلاف نسمة حسب الرقم الذي يستند إليه)، ومجلس لجان الطوائف اليهودية، ثم التمثيليات المسيحية بتفرعاتها -الكنيسة الكاثوليكية وأبرشياتها، الكنيسة البروتستانتية بمكوناتها الإنجيلية، والكنيسة الأرثوذوكسية.
أما “الفاعلون غير الرسميون” فيشكلون قلب الكتاب النابض: من مذاهب الفقه الإسلامي إلى التيارات الدعوية (جماعة الدعوة والتبليغ) والتبشيرية بفروعها الكاثوليكية والإنجيلية والأرثوذوكسية، فالتيارات الصوفية وعلى رأسها الزاوية البودشيشية، فالتيارات الإسلامية التي يصنّفها المؤلف داخل المغرب إلى ثلاثة اتجاهات: راديكالي (تنظيم الشبيبة الإسلامية سابقاً)، محافظ (جماعة العدل والإحسان)، وإصلاحي (حركة التوحيد والإصلاح)، قبل أن يخصص حيزاً موازياً للتيارات السلفية بمختلف تفرعاتها المشرقية والمغربية، وللتيارات “الخارجية” الجديدة وتنظيم داعش، وللتيارات الشيعية (الزيدية، الباطنية، الجعفرية، التيار الرسالي والشيرازي)، منتهياً بعقائد أقل حضوراً كالبهائية والإباضية والأحمدية وحزب التحرير.
في الفصل الأقصر نسبياً، يقترح المؤلف تصنيفاً ثلاثياً لأشكال ظهور التديّن ميدانياً: تجليات “قارّة” كالمساجد والزوايا وأماكن العبادة الثابتة، وتجليات “متحركة” كالمواكب والمواسم الدينية، وتجليات “استثنائية” يحصرها في مظهرين: العمليات الإرهابية من جهة، والبنايات والمجسّمات الرمزية من جهة أخرى.
ويختم المؤلف بفصل إجرائي بامتياز أقرب إلى “دليل عمل” منه إلى تنظير، حيث يقترح فيه ست خطوات لتدبير رجل السلطة للحقل الديني: التصنيف، تحديد مؤشرات الانتماء إلى تيار بعينه، الاستباقية في اتخاذ القرار “قبل فوات الأوان”، اتخاذ القرار المناسب في الزمن المناسب، التقييم المستمر للقرارات المتخذة، وأخيراً التطور الدائم لمعارف رجل السلطة بوصفه مهمة “لا تنتهي”.
لعل أبرز مكاسب هذا الكتاب تكمن في جرأته على تفكيك خريطة دينية ومذهبية شديدة التعقيد -تمتد من الفقه المالكي إلى الشيرازية الشيعية مروراً بالأحمدية والبهائية- في عمل واحد موجّه لغير المتخصصين، وهي مغامرة قلّما يقدم عليها باحث فرد، كما أن اختيار المؤلف ربط كل هذا الزخم المفاهيمي بنص دستوري وقانوني دقيق (الظهير المنظم لوزارة الأوقاف، فصول دستور 2011، مقتضيات القانون الجنائي والمسطرة الجنائية) يمنح الكتاب صرامة مرجعية تتجاوز الانطباعية التي قد تطبع كتابات مشابهة.
غير أن هذا الطموح الموسوعي ذاته يطرح سؤالاً منهجياً مشروعاً: هل يمكن حقاً لعمل واحد أن يوازن، بالعمق ذاته، بين تاريخ اللاهوت المسيحي والتشيع الاثني عشري والسلفية الجهادية والصوفية المغربية؟
يعي المؤلف هذا الإشكال ويصرّح به مسبقاً حين يبرر “عدم التكافؤ” بين المباحث بأنه “إبحار مقصود وبوعي معرفي ومنهجي”، لكن هذا الاعتراف لا يلغي أن بعض المحطات -كالتيار الشيرازي أو الأحمدية مثلاً- تُعالج بإيجاز شديد مقارنة بحجم ما تحظى به التيارات السلفية والإسلامية.
أما الإشكال الأعمق، فهو إشكال الموقع الذي يتحدث منه الكتاب: فهو مكتوب بقلم رجل يخاطب زملاءه من رجال السلطة بمنظور تدبيري-أمني بالأساس، وهو ما يجعل “الشأن الديني” يظهر، رغم كل الاحتفاء الظاهري بالتنوع العقدي والتسامح، موضوعاً للضبط والتصنيف والاستباق أكثر منه مجالاً للحرية الفردية بمعناها المجرد.
هذا الاختيار مشروع بالنظر إلى الجمهور المستهدف والغاية الإدارية المعلنة، لكنه يستحق أن يُقرأ بوعي من القارئ العام، الذي قد يجد في مفردات من قبيل “مؤشرات الانتماء” و”الاستباقية” صدى لمقاربة أمنية أوسع من مجرد التأطير الثقافي.
على المستوى الشكلي، يحسب للمؤلف تعدد مصادره العربية والفرنسية -من بورديو وماكس فيبر إلى محمد ضريف ومحمد طوزي- وإحالته المستمرة على الهوامش التوثيقية، وإن كانت لائحة المراجع تخلو من ترقيم دقيق للصفحات في عدد من الإحالات إلى مواقع إلكترونية، وهو أمر متوقع في عمل موجه أساساً للتكوين الداخلي أكثر منه للنشر الأكاديمي المحكّم.
يختم الدكتور الگراري كتابه بإعلان صريح عن غايته: مساعدة “الفاعلين الأمنيين على المستوى المحلي” وطلبة العلوم الدينية والسياسية على فهم إشكاليات الحقل الديني المغربي، مع وعدٍ بإصدار لاحق يحمل عنوان «فهرس الأعلام والمصطلحات فيما لرجل السلطة من دور في تتبع الشأن الديني والجماعات»، ليكون بمثابة معجم عملي مكمّل. وقّع المؤلف خاتمته بأولاد عياد في 25 أكتوبر 2025، وهو توقيع دال في حد ذاته: فهو لا يكتب من برج أكاديمي بل من الموقع الميداني ذاته الذي يتحدث عنه.
في النهاية، لا يقدّم هذا الكتاب نفسه بوصفه دراسة أكاديمية مكتملة الأركان، بل بوصفه أداة تكوينية طموحة تحاول سد فجوة حقيقية في تكوين الإدارة الترابية المغربية: فجوة الثقافة الدينية المقارنة.
وسواء اتفق القارئ مع المنظور التدبيري الذي يؤطر الكتاب أو اختلف معه، فإن قيمته تكمن في كونه أول محاولة جادة -على الأقل من داخل جسم رجال السلطة أنفسهم- لتحويل “الشأن الديني” من هامش مسكوت عنه في العمل الإداري إلى موضوع معرفي قائم بذاته، له إطاره وعوامله وفاعلوه وتجلياته ومقاربته الخاصة.



