قراءة في كتاب “الإرث الصوفي التجاني ـ الفصل في إثبات الأصل” للاستاذ الباحث منتصر حمادة

15 سبتمبر 2026

د. محمد غاني، كاتب، المغرب
لست أكتب هنا عن كتاب عابر وقع في يدي، وإنما عن عمل صاحبه صديق عزيز، وأحسب أن الصداقة في مثل هذا المقام لا تعفي من النظر بل تشدد فيه.

والاستاذ الباحث منتصر حمادة من الباحثين المغاربة القلائل الذين جمعوا بين صرامة المنهج والقدرة على مخاطبة القارئ العادي من غير أن ينزلوا بالفكرة عن مستواها. تابعته على الشاشات وهو يناقش قضايا الدين والتطرف والحركات الإسلامية بلغة هادئة لا تجامل ولا تستفز، وتابعت مداخلاته في ندوات علمية مختلفة وهو يدافع عن فرضياته بأدوات الباحث لا بحماسة المناضل، وقرأت له غير عنوان، من «في نقد خطاب 11 سبتمبر» إلى «الإسلاميون المغاربة واللعبة السياسية» و«نحن والتصوف»، إلى جانب إشرافه على «تقرير الحالة الدينية في المغرب» الذي صار وثيقة لا غنى عنها لمن يريد أن يتابع تحولات الحقل الديني في بلادنا.

صدر «الإرث الصوفي التجاني: الفصل في إثبات الأصل» سنة 2023 عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث بالرباط، وهو المركز الذي يديره المؤلف. وموضوعه واحدة من أوسع الطرق الصوفية انتشارا في العالم الإسلامي، وأقلها في المقابل حظا من الدرس الرصين باللغة العربية.

فالتجانية طريقة استقر مؤسسها أحمد التجاني بفاس في أواخر القرن الثامن عشر، وبها دفن، فصارت زاويته قبلة يقصدها المريدون من أقاصي غرب إفريقيا. ومن هذه النقطة بالذات يبدأ ما هو أبعد من التاريخ الديني: فالطريقة امتدت إلى السنغال وموريتانيا ومالي ونيجيريا وغينيا وغيرها، حتى بلغ المنتسبون إليها الملايين، وصارت الرحلة إلى فاس عندهم زيارة لها في القلب منزلة خاصة.

بهذا المعنى، ليست التجانية فصلا في تاريخ التصوف وحده، بل هي أحد أمتن الجسور الإنسانية بين المغرب وعمقه الإفريقي، وربما كان أقدمها وأطولها نفسا.

وفي العنوان وحده ما يكفي لفهم رهان الكتاب. فلفظ «الأصل» في التجربة التجانية ذو وجهين لا ينفصلان: أصل روحي يتعلق بالسند والنسبة ومصدر الورد، وأصل تاريخي جغرافي يتعلق بالمكان الذي استوت فيه الطريقة واستقرت وانتشرت منه.

والوجه الثاني لم يعد منذ عقود سؤالا أكاديميا خالصا، بل دخل في تجاذبات ورمزيات تتجاوز حدود البحث العلمي. ومن هنا تأتي جرأة العنوان، فكلمة «الفصل» كلمة قاض لا كلمة متفرج، وهي تعلن منذ الغلاف أن صاحبها اختار أن يحسم لا أن يجمع الأقوال ويمضي.

وتظهر القيمة المضافة للعمل حين ننظر في حال المكتبة العربية في هذا الباب. فأغلب ما كتب عن التجانية ينتمي إلى صنفين متقابلين: أدب مناقبي داخلي وضعه أبناء الطريقة لأبنائها، يجمع الأوراد والكرامات والسير، ولا يسائل نفسه لأنه لم يوضع للسؤال أصلا، وخطاب مضاد يصدر أحكامه قبل أن يقرأ، ويتعامل مع الطريقة بوصفها انحرافا يستوجب الرد لا ظاهرة تستوجب الفهم.

وبين الصنفين تكاد تغيب الكتابة التي تقارب الطريقة بوصفها واقعة اجتماعية وثقافية وتاريخية لها منطقها الداخلي وشبكاتها وامتداداتها.

أما الدراسات الجادة فأكثرها أنجز بلغات أجنبية، منذ العمل الكلاسيكي لجميل أبو النصر في ستينيات القرن الماضي وما تلاه من أبحاث تاريخية وأنثروبولوجية لم يترجم أغلبها إلى العربية. وفي هذه المساحة الفارغة تحديدا يضع منتصر حمادة كتابه، فيعيد الملف إلى اللغة التي يعني أهلها أكثر من غيرهم.

ولعل أهم ما يميز هذه المقاربة أن صاحبها لم يأت إلى التصوف من باب التصوف، وإنما من باب دراسة الحقل الديني والحركات الإسلامية.

وهو فارق يصنع فارقا: فالباحث الذي أمضى سنوات في تفكيك خطابات الإسلام السياسي وأدبيات التشدد، حين يلتفت إلى الإرث الصوفي، لا ينظر إليه بعين المريد المستغرق في حاله، بل بعين من يسأل عن موقع هذا الإرث في خريطة اليوم، وعن وظيفته في لحظة تتنازع فيها المرجعيات وتتسابق فيها الخطابات على عقول الشباب.

ولهذا يقرأ الكتاب التجانية بوصفها رأسمالا رمزيا وثقافيا، لا بوصفها متحفا للذكريات.

وهي مسألة ظل الباحث يدافع عنها في أكثر من منبر: أن التصوف لا يواجه التطرف بالخطابة ولا بالمنع، وإنما بما يقدمه من تربية للنفس ومن أفق للمعنى يجعل العنف غريبا عن صاحبه قبل أن يكون محرما عليه. غير أن الكتاب، وهذا من فضائله، لا يتحول إلى دعاية لهذه الأطروحة، لأن صاحبه يدرك أن تحويل التصوف إلى وصفة ظرفية أسرع الطرق إلى إفراغه من مضمونه.

وهنا تحديدا تبرز قيمته الثقافية: فهو يعيد الاعتبار للتصوف بوصفه معرفة وتاريخا وشبكة علاقات إنسانية عابرة للحدود، لا بوصفه أداة تستدعى عند الحاجة وتنسى بعدها.

ولا يمنع هذا التقدير من ملاحظة يسوقها القارئ بروح المحاورة لا المؤاخذة، وهي أن موضوعا بهذا الاتساع كان يحتمل إفساح مساحة أوسع لأصوات الزوايا التجانية الإفريقية نفسها، فهي لم تكن يوما مجرد امتداد للمركز، بل أنتجت اجتهادها الخاص وأدبها الخاص ورجالها الذين صاروا مراجع في بلدانهم.

كما كان يحتمل مزيدا من الإلحاح على أن التجانية ليست كتلة واحدة متجانسة، ففيها فروع وزوايا واختلافات في الفهم والممارسة، وهو تنوع لا ينقص من وحدة الأصل شيئا، بل يشهد على حيوية الطريقة وقدرتها على أن تعيش في بيئات شديدة التباين.

يبقى أن «الإرث الصوفي التجاني» ينتمي إلى ذلك الصنف من الأعمال التي تسد ثغرة في المكتبة أكثر مما تضيف عنوانا إليها. وهو في سياقنا الثقافي الراهن، حيث يعاد طرح السؤال عن مرجعياتنا الروحية وعن طبيعة علاقتنا بعمقنا الإفريقي، كتاب جاء في وقته.

ولعل أصدق ما يقال في مثله أن قارئه يخرج منه وقد تغير شيء في نظرته إلى موضوع كان يحسبه مستقرا. وهذا وحده يكفي لأشكر صديقي منتصر حمادة على هذا الجهد، وأنتظر ما بعده.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

تحديات الحكومة المقبلة..

تتقدم مطالب المغاربة إلى الحكومة المقبلة واضحة ومباشرة، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأسعار لا تلتهم أجور الأسر، ومدرسة تؤدي دورها، ومستشفى يجد فيه المواطن العلاج حين يحتاج إليه. هذه ليست عناوين في برنامج انتخابي، إنها تفاصيل الحياة التي سيقيس الناس بها أداء الحكومة منذ أيامها الأولى. ويأتي غلاء المعيشة في مقدمة ما ينتظره الناس […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

Loading ...