في الفرق الذاتي بين التخلف والتقدم

15 يناير 2026

محمد أبلاغ. كاتب مغربي

الحداثة الراهنة بدأت بقولتين لديكارت الكوجيطو الديكارتي أنا أفكر إذن أنا موجود، والعقل اعدل قسمة بين الناس، فالأولى تبين أن المسؤولية قبل أن تكون خارج الذات هي مسؤولية ذاتية، بمعنى آخر أنه من الواجب على أي منا سواء كأفراد أو كجماعات قبل أن نحمل المسؤولية للآخرين، أن نعرف أين أخطئنا نحن وما هي أسباب الفشل لتجاوزه، وعادة عندما أكون ملزما بشرح الكوجيطو الديكارتي عادة ما امازح طلبتي بالقول، أن المغني الشعبي المراكشي الكبير حميد الزاهر رحمه الله هو الإنسان الأكثر حداثة فيما بيننا كمغاربة، ذلك لأنه في أغنية من أغانيه المشهورة يقول: ” درتها بإيديا وعلاش ما نخمم” ويؤكد عليها بالقول: ” اللي دارها بيديه يفكها بسنيه” فتحمل المسؤولية الذاتية من بين أسباب النجاح ونعرف أنها انتقلت من المستوى الفلسفي النظري إلى المستوى الفلسفي فطبقت في السياسة والاقتصاد والاجتماع فحصلت بها أوروبا على حداثتها الراهنة، والكوجيطو إذ يربط الفكر بالوجود، يعطي بالتالي المكانة المركزية للعقل، ومنه القولة الثانية بأن العقل أعدل قسمة بين الناس، وقطع بذلك مع التصور الرشدي الذي ميز بين العامة والخاصة، الخاصة العاقلة والعامة التابعة، فبالنسبة لديكارت عقلك أينما وجهته فسيبرع فيما وجهته إليه، إن وجهته بالكامل للعلم والفلسفة فسيبرع فيها، إن علمته المناورة والخداع فسيبرع في السياسة، وإن وجهته نحو صنعة من الصنائع فسيبرع فيها، فأعلانا تكوينا وفكرا يستغفله بسهولة صانع أو حرفي، وهكذا.

ما يلاحظ على بعض دول العالم الثالث أنها لا تتحمل مسؤولية الفشل، ليس هناك مسؤول سياسي أو إعلامي يعترف بأخطائه الذاتية، فالكل يتآمر عليه والكل يستعمل “الكولسة” ويشتري الانتصار، وكنا نظن أنه لأسباب عدة الجارة الشرقية هي التي تستعمل هذا الأسلوب لأسباب عدة معروفة لا داعي للتذكير بها، غير أن التصريح الذي ادلى به المدرب المصري يبين أنها للأسف عقلية منتشرة بقوة في دولنا العربية الإسلامية، ربما لأننا لم نحقق ثورة فكرية حقيقية تجعلنا ندخل للحداثة من بابها الواسع باب المسؤولية الذاتية وتحمل نتائج اختياراتنا لا إسقاط أخطائنا نحن على الغير.

والمؤسف ان الدول الإفريقية بينت عكس ذلك، وهو ما يبين انه كلما فتحت أمامها أبواب التقدم إلا وتقدمت، فهناك دول افريقية صاعدة اليوم وتشق طريقها بثبات نحو التقدم والازدهار، لأنها تغلبت على العوائق التي كانت تضعها أمامها القوى الاستعمارية التقليدية لتكريس تخلفها وتبعيتها.

وإن طرحنا نحن السؤال على أنفسنا وما الضرر في ذلك، فكل دولة هي مسؤولة عن نفسها، للأسف المشكلة هي ان كل دولة أحبت ذلك أو كرهته مرتبطة ارتباطا عضويا بمحيطها الجغرافي، فهو الذي يوجهها إما نحو التكامل الاقتصادي مع المحيط الجغرافي أو نحو الحفاظ على توازن الرعب، حتى لا يختل الميزان نحو جهة دون أخرى، وهو كما ترى يحتاج إلى ميزانية ضخمة للدفاع عن النفس، بدل تصريفها على ما يعود بالنفع على المواطن من شغل وصحة وتعليم وبنية تحتية متطورة.

فالفاشل يحاول دائما أن يجر جاره إلى الفشل والناجح يرى في نجاح جاره نجاحا له هو أيضا، وقد لخصها عالم الكيمياء المصري أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل سنة 1999 بقولته الشهيرة: ” الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”. فواضح وبين أنه كما غيره من العلماء العرب ومنهم المغاربة، كلما حاولوا الرقي بدولهم إلا ووضعت أمامهم العراقيل ليعودوا من حيث أتوا أي الغرب المشجع على التعليم والبحث العلمي، ولذلك وضع هذه الخلاصة التي تبين أسباب التخلف والهوان الذي نحن عليه الآن.

فالملاحظ في هذا الكان، ان الجيران كانوا ينتظرون فشلا مغربيا على مستوى البنية التحتية وكل ما يستلزمه ذلك سواء داخل الملاعب أو خارجها، ولما نجح المغرب على مستوى التنظيم، وبما ان العقلية هي عقلية الجر إلى الوراء، هوجم على مستوى الكرة نفسها والتحكيم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...